ولد الروائي والناقد والكاتب المسرحي الأميركي جوليان غرين في باريس سنة 1900 ومن هنا جاء حبه لفرنسا واللغة الفرنسية، ومن هنا أيضا وكلما ابتعد عن فرنسا ليستقر في أميركا يعود ثانية إليها حتى أنه قضى أيامه الأخيرة هناك في فرنسا.

عاش حتى بلغ الثامنة والتسعين من العمر وكتب سلسلة مقالات « إلى الأمام .. قبل الموت » وله من العمر 96 سنة ضّمنها أهم تجاربه وآراءه في الأدب والحياة والتي في مجملها كانت سوداوية. كتب يقول:«كنت أشعر بأن في أعماقي شخصاً ما يشاركني هذا الجسد ويحاول جاهداً أن يعّبر عن ذاته غير أنه يفشل في الوصول إلى لغة يفهمها الآخر». ينحدر أبواه من جذور اسكتلندية وايرلندية، استقرا في فرنسا منذ سنة 1893. توفت والدته وعمره 14 سنة. زار الولايات المتحدة لأول مرة وعمره 19 سنة وهناك أكمل تعليمه العالي في جامعة فرجينيا، ولكنه سرعان ما عاد مجدداً إلى فرنسا سنة 1922 وظلَّ شطراً من حياته يتنقل بين أميركا وفرنسا قبل أن يستقر في الأخيرة. نشر عمله الأول سنة 1924 تحت اسم مستعار ثم نشر روايته الأولى « بيت الجشع » سنة 1926.

من مؤلفاته « الجنة الخضراء » 1963، «الحرب في السادسة عشرة» 1964، «الحب في امريكا »1966. حاز على عدة جوائز دولية من فرنسا وألمانيا وبولونيا وايطاليا وحاز على جائزة هارير عن روايته الانجليزية«ذكريات الأيام السعيدة» انتخب عضواً في عدة أكاديميات عالمية وخلف الروائي الشهير فرانسوا مورياك في عضوية الاكاديمية الفرنسية وعندما استقال من عضويتها سنة 1971 ظلَّ مقعده شاغراً حتى وفاته سنة 1998. عُرف عنه أنه بطل الماورائية.

تدور أحداث الرواية في الدنمارك في الفترة ما بين عامي 1939 و 1949 وهي فترة حرجة عانت منها البشرية كثيراً خلال الحرب االعالمية الثانية التي حصدت 40 مليون انسان. في كوبنهاغن عاصمة الدنمارك بلد الـ 500 جزيرة متناثرة على رقعة صغيرة لا تزيد عن الـ 43 ألف كيلو متر مربع بسكانه الذين لا يتجاوزون الـ 5 ملايين نسمة اليوم، هناك في كوبنهاغن التقت الفتاة الدنماركية كاران العذراء المحبطة بالشاب الفرنسي روجر صدفة.

كان لمعرفة كاران باللغة الفرنسية أقصر الطرق لتتعرف على روجر الذي جاء إلى الدنمارك باحثاً عن أمتع المغامرات. التقى روجر بالآنسة الدنماركية أوت بعد أن حمل عنوانها من صديق له لتسهل عليه التعرف على فتاة دنماركية تجيد اللغة الفرنسية، ولم يرق له معظم الناس في حفلاتها وهم يضحكون ويثرثرون بلغتهم الحلقية. لم يجد هناك سوى إلسا التي لا تجيد الفرنسية وهي تصاحب غور الغني.

فضلّ التجول في الشوارع من جديد بحثا عن فتاة تروق له وهو يحّدث نفسه: الحرب ستندلع بين لحظة وأخرى وأنا أبحث عن نوع من الذعر يتسلط عليّ بحثا مجنوناً عن ملجأ، فلا الشراب ولا المخدرات لهما سيطرة على دماغي والخوف بالنسبة لي لن يزول إلا في الحب الجنسي . تحت تلك الظروف ارتمت كاران في أحضان روجر الملحد، كاران التي لم يحصل عليها أحد، تعّرف على عالمها الغامض والحزين.

أبوها النادل علمها الفرنسية ولكنه انتحر قبل سنتين. قالت له: لم يكن أبي مؤمناً على الاطلاق: كنت أحبه كثيراً وعندما غرق أصبت بصدمة مرعبة، ولكنه كان يخيفني لأنه غير مؤمن. وقبل ذلك صاح روجر: أية مدينة هذه إنها تجعل أجمل فتيات العالم يفلتن مني ولا تمنحني سوى بكر لا تستسلم لي. وبعد ذلك قالت كاران: ابقَ عندنا للأبد، لا تذهب.. إنني أكرهك، ولكنني أحبك، لم أكن أريد أن أحبك، فالمرء لا يختار. إذا ذهبت، فإنني أموت، أقتل نفسي، سأتناول السم. ولكنه رحل، رحل بعيدا، واندلعت الحرب.

وفي زمن الحرب ارتمت كاران في أحضان الضباط الألمان. وسط احتقار الدنماركيين انجرفت كاران التي تبيع نفسها بوقاحة للعدو كما قالوا عنها فترد عليهم: بل على العكس، كنت أهبها.. ثمة دائماً جزء من وجودي يسخر من الآخر.إن شهوانيتي لم تكن في حقيقة الأمر سوى ظمأ إلى اللطف، وهذا الظمأ هو الذي يرتوي في هيجان الجسد. فهل هي خطيئتنا إن كان سعار الجسد الأبدي قد ألقى الرجل في حالة تجاور الخَبَل؟ ثم فقدت الإيمان الذي كانت تتحلى به وتفاخر.

سنوات عشر مرت على لقائهما الثاني. كان فيها روجر أسيراً لأربع سنوات لدى الألمان ومصاباً بيده اليمنى حتى أنه اضطر إلى إرسال رسالة إلى كاران مطبوعة على الآلة الكاتبة. بينما عاشت كاران وسط سجن كبير، منبوذة، صامتة رغماً عنها فتردد مع نفسها: لم يكن ضباطي الشباب بالرمادي ـ الأخضر قد علموني اللطف، والنبذ الذي كنت أعانيه منذ ذهابهم لم يصلح شيئا في طبعي. عاد روجر مؤمنا يبحث عن دير يعتزل فيه بقية حياته، بينما فقدت كاران إيمانها.

كان ضميره يؤنبه لأن حالتها التي سمع عنها جعلته يعتقد أنه هو السبب في انزلاقها. قال لها: انسي ما قلته لك عام 1939 ، كنت مخطئاً، الرغبة هي التي كانت تتكلم، جررتك إلى الشر، لست في رأيي آثمة أكثر مني، كاران: إننا ضائعان كاران، الله هو الملاذ الوحيد في حالة مشابهة، أعتقد أن الله سيشملنا أنت وأنا بشفقته.

أما هي فكانت تشك أن أمرها إنما كشف عن طريق غريمتها أوت، فذهبت إليها حانقة، وما إن قابلتها حتى انهارت أوت ثم أصيبت بسكتة قلبية ماتت على أثرها. رحل روجر وهو يحمل ذلك الكم الكبير من الألم، وفيما بعد كتب لها أنه هاجر إلى أميركا الجنوبية باحثاً عن السكينة والسلام الروحي. أما هي فقد فكرت بالرحيل إلى البعيد.. البعيد جداً. عندما شاهدت جثة امرأة منتحرة في الربيع موسم الانتحار حدثت نفسها: كان لها الشجاعة أن تخطو الخطوة في الفراغ، إنها فعلت ذلك بدلاً مني.

ذهبت كاران إلى الكنيسة التي أرشدها إليها روجر بحثاً عن الارتواء الروحي وهناك قابلت القس الذي نصحها روجر بمقابلته ورغم أنه أفاض عليها بالحنان والغفران، ورغم أن مجموعة كبيرة من جيرانها ومعارفها فضلاً عن شقيق أوت غريمتها وصاحب المخزن ورب عملها غفروا لها وحاولوا إعادتها إلى حياتها الطبيعية إلا أنها أحست أنها كانت كطفل تائه في الاحراج يلفها اليأس والضياع فقررت الرحيل إن لم يكن وراء روجر نفسه فإلى إله روجر. .!

كريم السماوي