كلما تعرض العرب لاعتداء من إسرائيل أو أميركا يقفز إلى الذهن سؤال عن الأغنية المقاومة، عن شعر في الأعماق يعبر عما هو واقع، أو عما آلت إليه الأحوال.
عندما احتلت أميركا العراق لم تكن هناك قصائد تحمّس الناس أو تملأ وجدانهم بالعزة والكرامة، كانت هناك قصائد تمجد صدام حسين وتحول هزائم النظام إلى انتصارات.
وعندما استيقظ العرب من هول الصدمة كان شعبان عبدالرحيم مغنيهم، وخلال ساعات كان قد أنجز أغنية ضد الاحتلال سرعان ما سخر منها الأبطال والجبناء على حد سواء، فلم يكن الأمر يستحق أكثر من مطرب على هذه الشاكلة ليمجد خيبات العرب.
اليوم تدك إسرائيل لبنان وتسوي بنيانه بالأرض، وليس في الجوار شعر أو قصيدة يمكن لمحطة فضائية أو إذاعية بثها، وجل ما هنا لك بضع قصائد مغناة تصف الأوطان وتمجد الإنسان، ولا يمكن صرفها في خانة الأغنية التعبوية، كما كان الحال ذات يوم خلال حروب العرب مع إسرائيل.
مع غياب قصيدة وطنية تغيب الأغنية وتنتشر الآهات التي تقاطعت ذات يوم مع دلع البرامج الغنائية وما تفرضه من عشرات المطربين كالجراد يعجز عن حصرهم الحصيف، وعندما تغيب القصيدة يغيب الوجدان ويدخل سباته الطويل، لأن كتب المدرسة توقفت عن إذكاء روح القومية والوطنية وتحولت دروس التربية الوطنية إلى بابا يعمل وماما تطبخ.
كلما ارتفع هدير المدافع سارعنا إلى الأرشيف بحثاً عن شيء مناسب لبثه، وكلما توقف أزيز الطائرات فقسنا مئات الصيصان التي لا توفر جهدها في طرح ما هو هجين وغث في الشارع الفني مخربة الأذواق، ألا يعني هذا أننا لا نجيد الاستعداد للحرب، ولا العيش في السلم، ودليلنا أن المغني اليوم يغني مئات القصائد العاطفية ولا توجد في جعبته أغنية وطنية واحدة، والاستثناءات القليلة التي تبثها بعض الفضائيات الآن، لا تشكل شيئاً في خضم من الفوضى وقلة الحيلة.
في خمسينات القرن الماضي وما واكبته من أحداث كان المطرب العربي جزءاً من وجدان الأمة، وكان رصيده من الأغنيات الوطنية ينافس أرصدة أقرانه، حيث كانت الأغنية شأناً سياسياً اجتماعياً لا تغيب عن الإذاعة، ولعل مراجعة بسيطة لتراث عبدالحليم حافظ وفيروز وعبدالوهاب وغيرهم ستعطينا فكرة أكيدة عن أهمية الأغنية الوطنية والتي عاشت في ذاكرة الناس أجيالاً وأجيالاً.
وها نحن اليوم وسط دمار لبنان نتلمس أطرافنا لنتأكد من الحياة فيها بعدما غادرت الحياة وجداننا وعواطفنا.