تظل ظاهرة الدفق الهائل من كُتاب شبه القارة الهندية الذين برزوا على الساحة الأدبية العالمية، وانتزعوا قدراً مذهلاً من النجاح على امتدادها تتمثل في حماس القراء والنقاد لهم وإقبال دور النشر على كتاباتهم، والجوائز الأدبية التي ظفروا بها والطبعات المتتالية من أعمالهم.

وفي إطار هذه الظاهرة نتوقف عند المساهمة النشطة للكاتبات في تشكيل نسيج هذه الظاهرة، وإذا أردنا تقديم أمثلة سريعة في هذا الصدد، فيكفي أن نتذكر أسماء كاتبات من نوعية أرونداتي روي، وكيران ديساي، ومونيكا علي، وجومبا اللاهيري، ومانجو كابور، وأنيتا راو بادامي وشاشي ديشباندي وناميتا جوخالي، والقائمة تمتد بلا حصر تقريباً.

احدث الأسماء التي تستقطب الضوء في هذه القائمة هو اسم الكاتبة الباكستانية موني محسن، التي أصدرت لتوها روايتها الأولى «نهاية البراءة» وتعكف على انجاز روايتها الثانية، بينما يظل كتابها عن مدينة لاهور، الذي يحمل اسم هذه المدينة خارجاً عن عالم القص، لكنه يحظى باهتمام كبير حقاً.

ولسنا هنا بصدد تحليل هذه الظاهرة ولا رصد منعطفاتها، لكن من المهم أن نتذكر أنها لم تأت من فراغ ولاهي ابنة آلية صناعة النجوم في عاصمة الضباب بصفة خاصة. وموني محسن نفسها تحرص على أن توضح مجموعة مهمة من النقاط، وذلك في أكثر من مقابلة أجريت معها مؤخراً،

ومنها مقابلتها مع مجلة «صنداي تايمز» فدراستها في كامبردج ليست صدفة، ولا هي وليدة الحظ، وإنما هي استمرار لتقليد عائلي قديم، فهي تنتمي إلى الجيل الثالث من عائلتها الذي يدرس في هذه الجامعة البريطانية ـ العريقة، وقد سبقها إليها كل من أبيها وجدها. ومن ناحية أخرى فإنها قد أمضت عشر سنوات في انجلترا، وروايتها الثانية تدور أحداثها في لندن.

تعود بنا أحداث الرواية إلى عام 1971، حيث تحتدم الحرب الأهلية في باكستان الشرقية، ولكننا نجد أنفسنا في قرية هادئة على بعد ألف ميل من أقرب طريق رئيسي في باكستان الغربية، حيث تخوض راني التي لا يتجاوز عمرها خمسة عشر ربيعاً، وهي حفيدة امرأة مسنة تعمل خادمة لدى إحدى العائلات البارزة في القرية، غمار حب محرم مع جندي شاب غريب عن القرية، وكما يسهل التنبؤ فإن مأساة مروعة تطل في أفق القرية.

لكننا في الواقع لا نتلمس أحداث هذه المأساة مباشرة عبر اللقاء مع راني ومتابعة مصيرها الوحشي الذي يمكن لنا نحن الشرقيين أن نقفز إليه قفزاً، وإنما عبر «ليلى»، صديقة راني الأصغر سناً والأكثر تميزا بحكم انتمائها إلى العائلة التي تعمل جدة راني في خدمتها، والتي لا يتجاوز عمرها التاسعة عندما نلتقيها.

ليلى صبية تفلح، منذ الوهلة الأولى، في استقطاب اهتمامنا على نحو يفوق تماماً ما نتوقعه، فهي تلاحظ بطريقتها أن الأشجار في الشتاء، على حد تعبيرها: «مليئة بالسماء»، فتصحح لها أختها الأكبر منها سناً وحكمة بقولها: «إنها ليست مليئة بالسماء، وإنما هي عارية من الأوراق». لكن ليلى لديها عادة، ربما كانت لدى الكثيرين منا لكنا نفقدها في غمار مشوارنا في الحياة، وهي عادة العثور على السحر في الدنيا من حولها.

هكذا فإنها عندما تشاهد فيلماً عن قصة حب تحلق بأبطالها إلى النجوم يساورها الشعور بأن البطلة «هير» في الفيلم كان ينبغي أن تكون أقرب إلى صديقتها الجميلة، ذات الخيال المحلق، راني منها إلى النجمات السينمائيات الشرقيات التقليديات. وليلى تعلم بقصة الحب التي تخوض راني غمارها مع جندي غريب عن القرية، وهو حب من النوع الذي «ينتزعك بعيداً عن عائلتك.. وهو حب خطر» ولكن راني تريد هذا الحب كله، تريد ما فيه من رومانسية ومغامرة وحلم بالمدينة الكبيرة المتألقة. وبالطبع، فإن العقاب يقف لها بالمرصاد.

هكذا نجد أنفسنا حيال رواية أولى أُجيد الاشتغال عليها، وهي تؤثر فينا بعمق، حيث لا تتناول عواقب حب خطر فحسب، وإنما تعالج كذلك تأثيراته على مجتمع القرية النائية بأسره، والانتقام والثأر والتواطؤ الرهيب بين عناصر الطيش والقضاء على البراءة.

وموني محسن تتمتع بالحساسية على نحو بالغ العمق حيال العناصر المتعلقة بالطبقة وبالجنس، وهي تقوم بتشريح نفسية القاتل الذي ستلقى راني مصيرها على يديه، موضحة بصبر بالغ كيف أن مثل هذه الجرائم لا تكون غالباً نتيجة سبق إصرار وترصد وإنما هي وليدة العنف العفوي، حيث يبادر أبناء العائلة أو القبيلة إلى تغطية ما تم اقترافه وإسدال الستار عليه، وليس إلى التواطؤ مع ما أقدم عليه القاتل.

وتتبنى موني محسن منظور الصبية ليلى في رؤية الأحداث، ومن هنا فإنها تبدع مناخاً رهيباً من الشك والحيرة يتفاقم من خلال قيام ليلى نفسها بتوجيه الاتهام دون وعي منها إلى شريكتها في اللهو الطفولي.

يقول الكاتب عامر حسين في مقال مطول بصحيفة «الإندبندنت» في معرض الحديث عن رواية «نهاية البراءة» إن المسرح الذي تدور أحداثها عليه هو مسرح غير مألوف، حيث تجري الاحداث في منطقة ريفية بغربي البنجاب، ويتم التشديد على تغير الألوان والفصول في هذه الساحة بضربات أشبه بضربات فرشاة قديرة يمسك بها فنان ياباني.

ومن منظور عامر حسين فإن نثر موني محسن البسيط والحساس يعكس العالم متعدد اللغات الذي تعيش فيه البطلة الصبية، والذي ينتقل في يسر من الإحالات الغربية إلى ترجمات الأمثال المحلية إلى إبراز عناصر الفولكلور البنجابي. ويلفت نظرنا أن اسم القرية التي تدور فيها الأحداث، وهو «صبزباغ» يعني «الحديقة الخضراء» وهو اسم لاشك في أنه حافل بالإيحاءات الرمزية لأنه باللغة الأوردية يعني «عالم الوهم».

يوحي إيقاع الرواية بالسير على مهل، ويصل في بعض الأحيان إلى حد الإيحاء بالتنويم المغناطيسي، وتبني قوة الدفع الدرامية في مرحلة متأخرة لتحتشد الأحداث في الثلث الأخير من الرواية.

على الرغم من أن المنظور المحوري في الرواية هو منظور الصبية ليلى، إلا أننا نرى العالم من خلال نطاق من وجهات النظر، فهناك والد ليلى ذو الرؤية المتحررة وهناك امها ذات القصد الطيب وان كانت حياتها تتمحور حول ذاتها، وهناك جدتها التي طال بها الترمل، ولدى كل منهم ما يقوله،

وربما كان هذا الأسلوب الفني يقتضي تضحية حتمية بالحميمية. ويشدد عامر حسين في مقاله على ما نحسه جميعاً من أن إيراد الأحداث في عام 1971 إنما هو محاولة حريصة من جانب المؤلفة لإيجاد حالة من التوازي بين فقدان البراءة من ناحية وتقسيم باكستان من ناحية أخرى وتدخل الهند في الساحة الباكستانية.

هذه الصلة لابد لنا من إدراكها، فعلى الرغم من أن الحرب تندلع بكل وحشيتها في باكستان الشرقية إلا أن قرية «صبزباغ» ليست بعيدة عن ضراوتها إلا بالمكان فحسب، والإحساس بالرقة والجمال والنعومة الذي يحيط بها ينتمي إلى اسمها، إلى عنصر الوهم في اسمها على وجه الدقة.

إذا نحينا الوهم جانباً، فإن ما يبرز لنا في هذه القرية هو ذلك الاهتمام الاستحواذي بما كرسته التقاليد والأعراف عبر ألوف السنين، والذي يصل إلى قمته في صورة الملكية الاجتماعية، التي لا تختلف كثيراً عن الملكية العقارية، وتتقاطع معها.في ضيعة عائلتها، تقضي الصغيرة ليلى عطلتها الشتوية، وعالمها يتألف من الكبار، بما في ذلك أبواها المتحرران وخادمتها الحريصة على حمايتها وجدتها الغارقة في كل ما هو قديم وعتيق.

وعلي الرغم من أن ليلى تحظى بالرعاية والاهتمام بها، إلا أنها تحس بأنها مستبعدة من عالم الكبار الملغز والمثير للحيرة. وشأن أبطال مغامرات إينيد بلايتون، المفضلين لديها، فإنها تتوق إلى قليل من الحركة والمغامرة مع صديقتها التي تشاركها لهو الطفولة، راني.

غير أن راني عندما تتردى في جحيم الحب المحرم، وعندما تصبح حاملاً، لا تجد من تلجأ إليه إلا ليلى، ولكن ليلى على الرغم من لهفتها وحرصها على مساعدة راني تفتقر إلى الدربة والحنكة، فتقدم من دون قصد على إطلاق سلسلة الأحداث التي تفضي بها إلى ما لا يقل عن كارثة حقيقية.

راشيل هوري تحكي عن موني

«تقوم موني محسن ببراعة بتشريح النسيج، المعقد لمجتمع مركب ويميل إلى الثرثرة الفضولية ويهتم إلى حد الاستحواذ بالحفاظ على المظاهر، والتوتر في إطاره يرتقي إلى ذروة نوشك معها على أن نتوسل للراوية أن تزيح لنا الستار عن جانب من أسراره الخفية التي يلفها الصمت، بينما يتجلى لنا على نحو يأخذ بجماع القلب السر في أنها لا ينبغي أن تكسر التزامها بالصمت. وتشير محسن ضمنا عبر روايتها إلى أن الذنب في المجتمع الذي تحدثنا عنه، شأن معظم المجتمعات هو في حقيقة الأمر ذنب جماعي، وأبعد ما يكون عن الاتسام بالطابع الشخصي».

* الكتاب: نهاية البراءة

* الناشر: فايكنغ ـ لندن 2006

* الصفحات: 304 صفحات من القطع المتوسط

The End of Lnnoncence

Moni Mohsin

Viking- London 2006

p. 304