مؤلفة هذا الكتاب هي النائبة البرلمانية المغربية بسيمة الحقاوي، عضو القطاعات الاجتماعية لمجلس النواب للولاية التشريعية 2002 ـ 2007 وعضو المجلس العالمي للعالمات المسلمات للاتحاد النسائي الإسلامي العالمي، أستاذة علوم التربية صدرت لها من الأبحاث والمقالات المنشورة في كتب جماعية حول المرأة والطفل.
ويعد كتاب«التسول في المغرب من الآباء إلى الأبناء»، الصادر أخيرا عن مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء، أول كتاب يصدر لبسيمة الحقاوي بشكل منفرد وعلى نفقتها الخاصة. وهو خلاصة عمل ميداني يزاوج بين المقاربة النظرية
والواقع العملي ويقدم دراسة نفسية واجتماعية لظاهرة التسول ويرصد انعكاساتها الخطيرة على الأطفال بشكل خاص، وذلك بالارتكاز على بحث ميداني أنجزته الباحثة على صعيد مدينة الدار البيضاء، باعتبارها العاصمة الاقتصادية للمغرب وأكبر تجمع حضري تفشت فيه هذه الظاهرة الخطيرة وتفاقمت بشكل واضح وضاغط على المجتمع.
والكتاب دراسة نفسية اجتماعية لمدينة الدار البيضاء، وبهدف تسليط الضوء على أحد جوانب أزمة المجتمع المغربي في علاقتها بأحد مظاهر صيرورة تنشئة الفرد وتكوينه، وإبراز أهمية البحث العلمي في العلوم الإنسانية في طرح المواضيع ورصد الظواهر التي لها تأثير كبير على التنمية المجتمعية،
خصوصا وأن العلوم الإنسانية كانت هي المجال الوحيد الذي أهمل من لدن الساهرين على مشاريع الإصلاح التي شهدها المغرب، الشيء الذي جعل العديد من الظواهر السيكوسوسيولوجية، التي ظلت لسنوات في دائرة المسكوت عنه، تخلق نوعا من القلق الاجتماعي والرغبة في فهمها والكشف عن أسبابها.
وقد تزامن صدور هذه الدراسة هذا العام مع انطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي أعلن عنها العاهل المغربي الملك محمد السادس في خطاب له بتاريخ 18 مايو 2005 ، حيث تحدث عن المعضلة الاجتماعية بالمغرب واعتبرها بمثابة التحدي الأكبر لتحقيق المشروع التنموي المجتمعي.
وفي تقديمه لهذه الدراسة اعتبر الدكتور عبد الرحيم الهروشي، وزير التنمية الاجتماعية والأسرة والتضامن في الحكومة الحالية، أن القيمة المضافة لها تكمن في تشخيصها لعناصر يمكن أن تشكل قوة اقتراحية تلح على دور الأسرة، وعلى العمل إلى جانبها ودعمها وتأهيلها، إذ أن أي قصور أو انحراف يصيب وظائف الأسرة وأدوارها ينعكس على التنشئة الاجتماعية للأبناء.
فإذا كانت العديد من الدراسات السابقة، على قلتها بالمغرب، قد حاولت رصد ظاهرة التسول والبحث عن أسبابها المباشرة التي تتحدد في الفقر والجفاف والأمية وفشل السياسات الاجتماعية السابقة وتراجع القيم التقليدية للتضامن، فإن دراسة بسيمة الحقاوي تبحث في علاقة التنشئة الاجتماعية بظاهرة التسول وتبحث في العلاقة الموجودة بين وسط محدد مسبقا، وتركز على الطفل باعتباره يمثل مشروعا مجتمعيا قد يكون نافعا للمجتمع أو جانحا معاديا ومخربا له،
كما تقدم قراءة سيكوسوسيولوجية لواقع أبناء المتسولين في إطار ممارسة آبائهم، وذلك من أجل الوقوف على المعيقات الحقيقية للتنمية البشرية. ولهذا ركزت في الاستبيانات التي وزعتها بمدينة الدار البيضاء على أبناء المتسولين والموزعين على ثلاث فئات: المتمدرسون، الشغيلون والمتسولون لإيجاد أجوبة على مجموعة من الفرضيات والأسئلة منها:
هل يؤدي اختلاف مستوى الاحتكاك بوسط المتسولين إلى اختلاف في درجات هذه المظاهر؟ وهل تستطيع المؤسسات التربوية كالمدرسة القيام بدور ايجابي «تعويضي» لتنشئة تتم في مثل ذلك الوسط؟.وهكذا جاءت هذه الدراسة موزعة على ثلاثة أبواب تبسط الباحثة في الباب الأول منها الخلفية المعرفية لمقاربة تنشئة أبناء المتسولين ووقفت عند أهمية خصائص النمو الشامل للأطفال والمراهقين الذين يشكلون أفراد العينة المدروسة، ودور المؤسسات الاجتماعية للتنشئة داخل الأوساط المحرومة التي تختلف بشكل كبير عن الأوساط الميسورة.
فتقسيم الدار البيضاء، كما تقول الباحثة، إلى مناطق متفاوتة المستوى الاجتماعي والاقتصادي بدواع تنظيمية وأمنية وافتقار التعليم إلى سياسة حقيقية وإلى استراتيجية سوسيو ـ تربوية محكمة تساهم بشكل كبير في خلق نفس الواقع وفي زيادة عزلة الأوساط المحرومة وإفراز السلوكات العدوانية غير المرغوب فيها اجتماعيا.
وفي الباب الثاني المخصص لمنهجية البحث قامت الباحثة بتحديد مجموعة من المفاهيم المتعلقة بالتسول والتأثير الاجتماعي والتنشئة الاجتماعية ومنظور التحليل النفسي والاجتماعي لها، كما تعرضت لمعطيات البحث الاستطلاعي وكيفية إجرائه على عينة تتكون من 162 فردا من أبناء المتسولين المتواجدين بأماكن مختلفة من ولاية الدار البيضاء والذين تتراوح أعمارهم ما بين 10 و15 سنة أي في فترة النمو التي تقع بين الطفولة والمراهقة.
كما أشارت إلى غياب إحصائيات دقيقة عن عدد المتسولين الذين يتكاثرون باستمرار لدى الجماعات الحضرية أو عمالات الولاية. وفي الباب الثالث، الذي يعد أكثر الأبواب تمثيلا لميدان الدراسة، تقدم الباحثة للقاريء الخلاصات والنتائج التي توصلت إليها وتحاول تفسيرها وتحليلها من منظور سيكوسوسيولوجي، حيث تقول أن أعلى نسبة من أبناء المتسولين تتخذ التسول ممارسة رئيسية ووحيدة، وهو ما يؤكد ارتباط اتجاهات الأبناء بآبائهم،
خصوصا وأن فئة الشغيلين والمتمدرسين تمارس التسول هي الأخرى بنسبة كبيرة بالموازاة مع أنشطتها، حيث تصل نسبتهم إلى 25. 80 في المائة فيما تبلغ نسبة غير الملتحقين بالمدرسة من مجموع العينة المدروسة 37. 20 في المائة في بلد تبنى مبدأ الإجبارية والمجانية في التعليم وبدأ ينزلق نحو إلغائه مستقبلا.
ولعل ما أثار استغراب الباحثة بسيمة الحقاوي هو أن سوق الجملة بالدار البيضاء، الذي يوجد تحت إشراف إدارة حكومية باعتباره مؤسسة اقتصادية وتجارية، هو الذي يأوي نسبة كبيرة من أبناء المتسولين والمتشردين والمنحرفين، والذين تشكل فيهم النساء العدد الأكبر بسبب الضغوط الاجتماعية المتعلقة بوضعية الأهل أو الزوج.
وبخصوص علاقة تسول الوالدين بمظاهر التنشئة الاجتماعية فتقول الباحثة أن لها مضاعفات كبيرة على التكوين السيكوسوسيولوجي لأبناء المتسولين غير المتمدرسين الذين تظهر عليهم سلوكات عدوانية على الإطلاق وعدم احترام الآخر، فيما تنخفض هذه السلوكات العدوانية لدى الفئة المتمدرسة التي لا تتوانى من التعبير عن عدم الرضا عن النفس.
تلك بعض من النتائج التي فصلت في تحليل أعراضها وميكانيزماتها صاحبة هذه الدراسة التي ركزت على مسألة التمدرس لأهميتها واعتبارها إحدى السبل الاجتماعية الأساسية لحماية ابن المتسول من السقوط في نفس ممارسة والديه، ومن دخول ميدان التشغيل المبكر، المجهض والمجهد لقدراته الجسمية والعقلية، وحمايته أيضا من ممارسته لأعمال تخريبية أو عدوانية ضد المجتمع.
فلو كانت إجبارية التعليم فعلية وخاضعة لرقابة التطبيق، ولو كانت المجانية تعرف معناها الأوسع بعدم تكليف الأسرة الفقيرة تكاليف التمدرس لما كان عدد المتسولين والشغيلين من أبناء المتسولين أكثر من عدد المتمدرسين حسب هذه الدراسة، ولما بلغ عدد المتسولين بشكل عام بالمغرب ما يناهز 50 ألف مواطن 6000 منهم بالدار البيضاء، حسب تصريح للوزير الأول المغربي إدريس جطو في منتصف عام 2005.
وهو طبعا رقم مرشح للارتفاع إذا ما ظل مستقبل أبناء المتسولين كباقي أبناء الطبقات المحرومة بالمغرب باهتا ولا ملامح له في ظل فشل السياسة العامة للبلاد وغياب سياسة تعليمية واضحة واستراتيجية تربوية محكمة غير مستوردة من فرنسا «رمز الاستعمار» بالمغرب.
* الكتاب: التسول في المغرب من الآباء إلى الأبناء
* الناشر: مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء 2006
* الصفحات: 239 صفحة من القطع المتوسط
سعيدة شريف
