مؤلف كتاب (القول المستَطرف في سفر مولانا الملك الأشرف) هو القاضي بدر الدين أبوالبقاء محمد بن يحيى بن شاكر بن عبدالغني الدمياطي الأصل القاهري المصري، المعروف (بابن الجيعان)، المتوفى سنة 902 هجرية.
وقد أفرد له ابن إياس ترجمة استهلها بخبر مقتله هذا نصها : ومن الحوادث أن القاضي أبوالبقاء بن الجعيان كان طالعاً إلى القلعة فصلّى صلاة الفجر ، و خرج من داره ، فلما وصل إلى الحّمام، خرج عليه بعض المماليك ، فضربه بخنجر في بطنه ضربة بالغة ، فمات من وقته ، وما عرف من قاتله ، واتهم به جماعة من المماليك .
كان القاضي رئيساً فاضلاً ، عارفاً بأحوال المملكة ، و كان مقرّباً عند الأشرف قايتباي ورقي في أيامه و انتهت إليه الرياسة ، و فاق على من تقدمه من أقاربه ، وكان أديباً حلو اللسان وله اشتغال بالعلم ، وكان من نوابغ الجيعان. مات أبوالبقاء و قد قارب الستين سنة من العمر.
أما كتاب القول المستَطرف فهو أحد كتب التراث المهمة التي وصلتنا عن أواخر العصر المملوكي ، و هو يندرج بين كتب المعارف العامة ، قبل أن يكون بين كتب الرحلات ، فهو المادة التي يشتمل عليها يكاد يكون موسوعياً ، ففيه التاريخ و الجغرافيا والحياة الاجتماعية من زراعة وصناعة وعمران وعادات و نظم حكم وعلائق سياسية
فضلاً عن وصف العمارة المدنية والعسكرية، من خانات وأبراج وحصون في بلاد الشام ، وطرق البريد والقوافي التجارية ، مع رسوم السلطنة و التقاليد الرسمية بإصدار المراسيم و تقديم الأعطيات والأزياء .
لقد اجتمعت هذه المعطيات كلّها في هذا الكتاب ، لتجعله في مصاف أهم المصادر العربية عن الفترة المتأخرة من عصر المماليك التي تعتبر أكثر الفترات غموضاً وإهمالاً من كتب التاريخ و غيره ، والكتاب بخطوطه العريضة يتناول بالوصف رحلة السلطان قايتباي 872-901 هجرية ، من مصر إلى بلاد الشام الشمالية ، وعودته إلى القاهرة.
وهو يختلف عن كثير من كتب الرحلات المعروفة التي يقوم بها أفراد عاديون ، بهدف الرحلة فقط وتسجيل المشاهدات.
الرحلة هنا لم يقم بها رحّالة عادي ، بل قام بها سلطان مصر الشام ، ولم تكن رحلته من اجل الرحلة فحسب، بل كانت لتحقيق أهداف، في مقدمتها الوقوف عن كثب على الأوضاع السياسية والعسكرية ، وتفقّد التحصينات الدفاعية لبلاد الشام ، في وقت بدأت الحدود الشمالية وأطرافها ،
تشهد مقدمات تحوّل سياسي وعسكري خطير في العلاقات مع الأتراك العثمانيين في الأناضول ، بعد انتصارهم العظيم على البيزنطيين ، وقيام السلطان محمد الفاتح بفتح القسطنطينية سنة 857هجرية ـ1453 ميلادية. فمنذ تولي خشقدم حكم المماليك ، بدأت العلاقات تسوء مع السلاطين العثمانيين، وذلك لاصطدام مصالح الدولتين في مناطق شرق الأناضول و جنوبه ، فقد بدأ العثمانيون يولون اهتمامهم إلى الأناضول ، ويتدخلون في شؤون بعض الإمارات التي كانت مشمولة بحماية المماليك.
هذا إلى جانب الحركات والثورات التي كان يقوم بها بعض زعماء إمارتي دلغادر و قرمان من حين لآخر على المماليك ، حيث شعر المماليك بخطورة الموقف في التخوم الشمالية لدولتهم وفي هذا الموقف المنذر بالخطر ، قام السلطان قايتباي برحلته التفقدية هذه ، والتي اعتبرها مدّون وقائعها أبوالبقاء في هذا الكتاب،
من أهم منجزات السلطان وأعماله السياسية ولكونه أحاط برحلته بشبه سرّية تامة، وتغّيب عن كرسي مملكته أكثر من أربعة أشهر ، دون أن يوصي في الحكم لأحد أثناء غيابه ، وتجرّد للرحلة بعدد قليل من المرافقين. ولهذا نجد مؤلفنا يعقد مقارنة بين رحلة قايتباي هذه ، ورحلة الملك الظاهر بيبرس في سنة 667هجرية ، وذلك في آخر الكتاب ليبين الفرق بين الرحلتين و خصائصهما.
وقد أتى تدوين القاضي ابن الجيعان لوقائع رحلة قايتباي ليصب في مسار التواصل التاريخي للأحداث والأخبار بالتفصيل اليومي الدقيق وليكون رافداً من روافد المصادر التاريخية البحتة المعروف بالحوليات ،و كتب السير للسلاطين والملوك وغيرهم ، وأمدنا بمعلومات ثرّة عن طريق البريد في تلك الحقبة المتأخرة من عصر المماليك ، عن مدن عمرانية وعن شخصيات سياسية ودينية.
محمد سطام الفهد