أشرفت على تأليف هذا الكتاب وساهمت فيه الناقدة الإنكليزية المعروفة جوديث ريان. وهي تتحدث هنا عن واحد من أعظم الشعراء في اللغة الألمانية على مر العصور: إنه رينيه ماريا ريلكه. ومنذ البداية تقول بما معناه: لقد عاش ريلكه عدة مراحل في إبداعه الشعري وانتقل من التقليد إلى الحداثة بشكل طبيعي متدرج. وقد كتب عدة نصوص نظرية من الإبداع الفني.

ومن بينها نصه الشهير الذي يقول فيه بما معناه: ينبغي أن تتعرف على مدن عديدة وأشجار عديدة وعصافير وذكريات قبل أن تكتب حرفا واحدا. وينبغي أن تعيش كل التجارب حتى تتكدس فوق بعضها البعض ثم تتخمّر وفجأة تنفجر أعماقك بالشعر كما لو كان على غير وعي منك.

ثم كتب ريلكه «رسائله إلى شاعر شاب» كان قد طلب منه النصائح قبل أن يبتدئ بكتابة الشعر. والواقع أنه كتبها لنفسه قبل أن يكتبها لهذا الشخص المجهول الذي اقتحم حياته بدون إذن. من المعلوم أن ريلكه نفسه كان شابا آنذاك ولا يتجاوز السابعة والعشرين من العمر.

صحيح أنه كان قد أصبح معروفا إلى حد ما في الأوساط الأدبية ولكنه لم يكن قد توصل إلى الشهرة الواسعة التي سيحصل عليها لاحقا. وفي هذه الرسائل المهمة يوضح رينيه ماريا ريلكه تصوره للعمل الشعري ويقول: أنت تطلب نصيحتي قبل أن تدخل في عالم الشعر. وأنا إذ أشكرك على هذه الثقة الغالية أقول لك: لا أحد يستطيع أن ينصحك، أن يساعدك، اللهم إلا نفسك.

الحل الوحيد أو بالأحرى الطريق الوحيد لكي تصبح شاعرا هو أن تدخل في نفسك، في أعماق أعماقك. الحل الوحيد هو ألا تهتم برأي الآخرين بعد الآن. ينبغي أن تصبح نظرتك متوجهة نحو الداخل لا الخارج. الخارج لا يهمّ، النقاد لا يهمون، رأي الناس ليس هو الأساس.

الأساس هو أن تدخل في أكبر عملية استكشافية لأعماقك الجوانية. وبعدئذ قد يجيء الشعر أو لا يجيء. وإذا لم يجئ فاتركه وانصرف عنه إلى مهنة أخرى. فأنت لم تخلق له.

ثم يردف ريلكه قائلاً هذا الكلام المهم: بعد أن تدخل في أعماقك الجوانية اطرح على نفسك هذا السؤال: هل ستموت إذا ما منعوك من الكتابة؟ هل فعل الكتابة ضروري لك إلى مثل هذا الحد؟ هل هو مسألة حياة أو موت؟ إذا كان الأمر كذلك فواصل طريقك وكرس نفسك لكتابة الشعر، وإلا فلا... فالكتابة عملية حميمية أو حتى شبه مرضية ولا يقدر عليها إلا المصابون والمجروحون من الداخل.

ثم تواصل المؤلفة كلامها قائلة: هكذا نلاحظ أن تصور ريلكه للكتابة الشعرية هو تصور راديكالي لا يحتمل المساومات.

والذين يريدون تحقيق النجاح والشهرة في هذا المجال عليهم أن يوطنوا النفس على الأذى، والضيم، والوحدة، والعذاب. فالشعر لا يعطي نفسه بسهولة ولا كذلك النثر: أي الكتابة بكل بساطة.

كان ريلكه يقول بما معناه: لكي نقارب العمل الأدبي أو الفني فإن أسوأ طريقة هي طريقة النقاد المختصين، وذلك لأن النقد التقني أو الأكاديمي لا يستطيع أن يتوصل إلى كنه العمل الأدبي. وحده الحب يستطيع أن يتوصل إلى ذلك. فإذا ما أحببنا العمل الأدبي استطعنا أن نصل إلى أعماقه، أن نفهمه، أن نكون منصفين معه.

وهذا يعني أن الشخص الذي لا يطرب للعمل الأدبي أو لا يهتز في أعماق أعماقه عندما يقرؤه لا يمكن أن يكون ناقدا ناجحا حتى ولو حصل على كل شهادات الدكتوراه في العالم! ينبغي أن تكون ذواقة تعرف معنى القصيدة الشعرية وتهتز لها بكل كيانك وجوارحك.

والواقع أن ريلكه، وهنا تكمن عبقريته، لم يكن يعتبر إبداع القصائد هو الهدف الأول. أو قل أن كان يعتبر أن ذلك يجيء كمحصلة طبيعية لعملية أخرى أشد هولا وأهمية ألا وهي إبداع الفنان لذاته.

فالكاتب قبل أن ينخرط في عملية الإبداع الأدبي لا يعرف من هو حقيقة ولا إلى أية نتيجة ستقوده عملية الانخراط هذه. وبالتالي فهو يبدع نفسه أولا قبل أن يبدع قصائده. أو قل أنه فيما يكتشف ذاته وإمكانياته يبدع قصائده.

وهكذا تصبح عملية الإبداع أكبر مما كنا نتصور: فالفنان يبتكر نفسه من خلالها، إنها إعادة خلق للذات بكل بساطة.

فنحن لا نعرف من نحن في البداية. نحن عبارة عن مادة خام أو جملة إمكانيات واحتمالات، قبل الدخول في معمعة القصيدة، والإبداع هو الذي يساعدنا على استكشاف القارات السحيقة التي تكمن في داخلنا.

وهكذا يقودنا الإبداع إلى ذواتنا، يشعرنا بهويتنا الشخصية، يجعلنا نعرف من نحن على هذه الأرض وما الفرق بيننا وبين الآخرين.

بهذا المعنى فإن الإبداع هو عملية استكشاف لمتاهات الذات الداخلية: أي للقارات المجهولة.

ثم تردف المؤلفة قائلة بما معناه: ينبغي العلم أن رينيه ماريا ريلكه عاش تجارب كثيرة في الحياة قبل أن يكتب قصائده العبقرية. لقد اكتوى بحر نار المعاناة: من حب، ولقاءات عابرة، وآلام، وقلق نفسي لا يفارقه لحظة واحدة تقريبا.

ومن أهم التجارب التي عاشها علاقته مع الكاتبة والحسناء الشهيرة لواندريا سالومي. فخلال ثلاث سنوات من عام 1897 إلى عام 1900 عاشا مع بعضهما البعض بشكل لا ينفصم. وقد سافرا إلى روسيا معا وزارا تولستوي في بيته الريفي ثم عادا إلى ألمانيا. وحتى بعد أن افترقا عن بعضهما البعض ظلت العلاقات متواصلة عن طريق المراسلة.

ويمكن القول بأن رسائل ريلكه إلى لواندريا سالومي ملأت المجلدات من كثرتها.

وفيها بعض الروائع الأدبية الخالدة. فقد كانت صديقته الأولى والأساسية في هذه الحياة. وكثيرا ما كان يلجأ إليها في أوقات الضيق والشدة لكي تساعده نفسيا وتدعمه معنويا برسائلها وحضورها.

وفي إحدى الرسائل التي كتبها إليها يقول: لا أريد أن أفصل بين الفن والحياة. ولذلك لأنهما يمتلكان نفس المعنى في كل المناسبات والأزمان. ولكني أمام الحياة شخص ضعيف، متردد، فاشل.

أما الفن فهو شيء ثقيل، صعب، طويل جدا بالنسبة للعمر أو لحياة شخص واحد. وحتى عندما يصل الإنسان إلى الشيخوخة يكون لا يزال في بداية مسيرته نحو الفن. فالفن لا يعطي نفسه بسهولة أو من الضربة الأولى.

وقد كتب أحدهم يقول: لم أفهم شكل العصافير وطبيعتها الحقيقية إلا عندما أصبحت في الثالثة والسبعين من عمري . ويمكن أن أقول نفس الشيء عن الأسماك والنباتات. وهذا ما كان يشعر به رودان أيضا، ذلك النحّات الفرنسي الشهير.

ثم تردف المؤلفة قائلة بما معناه: والواقع أن الشيء الذي كان يحلم به ريلكه هو التحويل الشعري للعالم. ويبدو أنه كان يكره العالم الحديث المطبوع بالطابع الأميركي الاستهلاكي الرأسمالي المفرغ من الروح.

وكان يخشى انقراض العالم التقليدي، العالم الزراعي الريفي القريب من الطبيعة.

كان يخشى أن تسحق التكنولوجيا كل الحياة التقليدية التي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا.

كان يخشى أن تقضي على بهجة الحقول في الريف، وجمال السنابل، وكل تلك الحياة البدائية التي عرفناها والتي هي الآن مهددة بالاندثار.

ثم أضاف ريلكه قائلا: ربما كنا آخر جيل يعرف هذا النوع من الحياة البسيطة، البريئة، الساذجة... فالحياة الميكانيكية أو التكنولوجية تكاد تطغى على كل شيء: وبخاصة على الأشياء القديمة التي ألفناها.

عندما قال ريلكه هذا الكلام كان يخشى على الشعر في الغرب أن ينقرض.

وقد انقرض تقريبا في عصر الحداثة الوضعية والصناعية الزاحفة. وبما أن الشعر هو أغلى شيء في الوجود على قلب رينيه ماريا ريلكه فإنه عبر عن قلقه من هذا المصير.

فما معنى الحياة بدون شعر، بدون قصيدة شعر؟

* الكتاب:ريلكه، الحداثة والتراث الشعري

* الناشر:مطبوعات جامعة كامبردج 2006

*الصفحات: 272 صفحة من القطع الكبير

Rilke, Modernism and poetic tradition

Judith Ryan

Cambridge University

Press 2006

P.272