مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب والباحث المغربي الشاب هشام العلوي، الذي صدرت له سابقا كتابات تهتم بالسرد الروائي العربي بشكل عام والمغربي على وجه الخصوص وذلك انطلاقا من تيمة أساسية ألا وهي الجسد. ومن بين تلك الدراسات نذكر:«الجسد بين الشرق والغرب: نماذج وتصورات» عن منشورات الزمن عام 2004.

وكتاب «في قبضة الثقافة: نظرات ورؤى حول الجسد» عن منشورات اتحاد كتاب المغرب عام 2004. وكتاب «الجسد والمعنى» لا يحيد عن الكتابات السابقة في اشتغاله على الجسد حيث يتناول فيه هشام العلوي بالتحليل والتأويل أربعة نصوص سردية مغربية لكل واحد منها شعرية تأليفه وتاريخ تلقيه الخاصان.

وتلك النصوص هي: الرواية السير ـ ذاتية «الخبز الحافي» للكاتب المغربي الراحل محمد شكري الصادرة عام 1980، ورواية « لعبة النسيان» للناقد والكاتب محمد برادة والصادرة عام 1987، ورواية «دهاليز الحبس القديم» للناقد والكاتب حميد لحميداني الصادرة عام 1979، ورواية «مسالك الزيتون» للكاتب الميلودي شغموم والصادرة عام 1990.

وتتميز تلك النصوص المختارة بالحضور الطاغي والمنتج للجسد فيها وتباينه من نص لآخر، حيث يقول الناقد عبد الحميد عقار رئيس اتحاد كتاب المغرب الحالي في تقديمه لهذه الدراسة بأن «المشترك بين هذه النصوص هو انتسابها، كل بأسلوبه ومقصديته ونظرته للإبداع، لهذا المد المتجدد والمتدفق من الكتابة التي تجد في التخييل الذاتي منبعا ومرجعا لاشتغالها.

قام الباحث في هذه الدراسة بالابتعاد عن الوصفات الجاهزة والتسلح بالأسئلة التي تراهن على الأبعاد الأجناسية والثقافية والمنهجية والنقدية في مكاشفة النصوص المختارة، والتي تندرج في إطار السيرة الروائية، ومحاولة بلورة معرفة حقيقية عنها من خلال الغوص في بنياتها وعوالمها الخاصة، وذلك من خلال النظر في التمفصلات الدلالية لتيمة الجسد فيها، خصوصا وأن تلك النصوص تغطي من الناحية الزمنية ثلاثة عقود متتالية هي: السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات.

ففي الفصل الأول المعنون ب «جسد يختبر العالم» والذي أفرده الباحث هشام العلوي لنص«الخبز الحافي» للكاتب الراحل محمد شكري، والذي يمثل نموذجا للسيرة الروائية الساذجة والفطرية التي تهيمن فيها الذاكرة على تقنيات السرد ومكونات الصنعة الفنية.

قام الباحث بتحليل هذا النص الأوطوبيوغرافي الذي يرد الاعتبار للحميمي والذاتي والثانوي ويصف عالم الشواذ والمهمشين والبغايا من خلال سيرة جسد ثمل بالشهوة ومثقل بالقهر العاطفي والاجتماعي، وخلص إلى أن مجموع الوقائع والأحاسيس والحالات التي ساهمت في تكوين شخصية البطل جعلت الجسد يحضر في هذا النص من خلال منظارين: الأول جمالي والثاني إيروسي.

ساهمت فيه بشكل كبير رواسب الطفولة، التي جعلته عاجزا عن التقاط الأبعاد الوجدانية والقسمات العاطفية، التي عبر عنها في نهاية سيرته ب «لقد فاتني أن أكون ملاكا»، وهي الطفولة التي اعتبرها فيما بعد بمثابة لعنة تلاحق صاحبها باستمرار وترسم خط حياته و تؤطر معرفته لذاته وللعالم والآخرين.

وفي الفصل الثاني المعنون ب «الجسد وعنف الأمكنة» والمخصص لرواية «دهاليز الحبس القديم» لحميد لحميداني، التي تؤرخ للذات والمدينة معا، وتستعين بالأمكنة وحيزها الوجداني لاستعادة لحظات وتجارب من ماضي المؤلف، خلص الكاتب إلى أن رواية «دهاليز الحبس القديم» تعد نموذجا متميزا للسيرة الروائية التي تستقطر حياة صاحبها انطلاقا من علاقته بالمكان وتجربته الشخصية مع المدينة التي نشأ بين أسوارها.

أما الفصل الثالث المخصص لرواية «لعبة النسيان» للناقد والكاتب محمد برادة، والذي يحمل عنوان «قدرية الطفولة في محكي الجسد»، فقد تحدث فيه الباحث عن التجريب الروائي الذي أقدم عليه برادة في هذه الرواية باعتباره أحد أبرز دعاة الرواية المغربية والعربية المغايرة، وذلك بتركيزه على تعدد الأصوات واللغات وحوارية الأنواع التعبيرية وديموقراطية الحكي بين الرواة داخل النسيج السردي.

كما تحدث عن «لعبة النسيان» باعتبارها خطابا إشكاليا حول التاريخ الشخصي للكاتب، ينطلق فيها من الجسد باعتباره مستندا وحيدا للذاكرة، وينتهي للكتابة بوصفها وسيلة لنسيان الطفولة أو التخفيف من وزنها الضاغط ليس إلا.

وبخصوص رواية «مسالك ازيتون» للكاتب والروائي الميلودي شغموم، التي حاول الكاتب من خلالها بلورة مفهوم جديد ومختلف للأدب وكتابة سردية جديدة أكثر تجريبا وخرقا لتخوم ومواثيق الأجناس، ركز صاحب هذه الدراسة في تحليله للرواية على الجدل الظاهر بين السردي والفكري فيها. ففي«مسالك الزيتون» مارس الميلودي شغموم الكتابة عن الذات من منطلق وعي أوطوبيوغرافي عالم، واستراتيجية سردية مفكرة، حالا دون انخراطه ونصه ضمن صنف السيرة الذاتية الفطرية أو الساذجة، التي تنغمس في الوساوس والهلوسات.

وتنكب على السرة والبدايات، وتنبش الاسم الشخصي، مستجلية حروفه ومعانيه، وإنما طعم هذه الميول النرجسية ووسع مجالها، حينما احتفى بمساره الجسدي بتساوق مع مساره الذهني، وزاوج في حديثه عن مرحلة متأخرة من مراحل حياته، بين الفعل الفردي والمعرفة النظرية المستخلصة منه أو الموازية له.

وهو ما جعل الباحث في نهاية هذا الفصل يخلص إلى أن رواية«مسالك الزيتون» تتأسس في ظل جدلية سيرية تتراوح بين العقل والفعل والمشاهدة والتأمل، وكأن لسان صاحبها يقول«لا يمتلك الإنسان فكره إلا إذا امتلك جسده».

سعيدة شريف

* الكتاب: الجسد والمعنى قراءات في السيرة الروائية المغربية

* الناشر: شركة النشر والتوزيع الدار البيضاء 2006

* الصفحات: 136 صفحة من القطع المتوسط