باتت نجومية الأدب بعيدة عن الأدباء اليوم، ليس بسبب عدم إقبال الناس على القراءة فقط، بل لأن عدد الأدباء فاق حاجة الأمة إلى أمثالهم. حيث آلاف الشعراء والشعر ليس بخير ، وآلاف المثقفين والثقافة تعيش حالة خصومة اجتماعية.
في منتصف القرن الماضي، كان يكفي الشاعر أن ينشر قصيدة في إحدى المطبوعات القليلة آنذاك ليكون شاعراً مرسماً، وكان عدد المطبوعات التي تمنح هذا اللقب قليلة قياساً بما تفعله مطبوعات اليوم التي توزع الألقاب مجاناً على كل قارض وناثر وكل من اعتلى منبراً اسمته أديباً.
في حياتنا اليومية نجوم الأدب قلائل وتعود شهرتهم إلى خمسين سنة خلت عندما كانت الشهرة غير متاحة، وكان إطلاق صفة شاعر على شخص ما تعطيه امتيازاً اجتماعياً وثقافياً، لذلك لم يكن الحصول عليه سهلاً، كما هو الحال مع مغني الفضائيات وأقبية الليل، فإذا نشر كاتب نصاً في مجلة الآداب اللبنانية حصل على شرف الانتساب إلى أسرة الأدباء العرب.
وإذا أراد موهوب أن يشتهر سينمائياً فإن القاهرة مفتاح انطلاقته، كما هو الحال بالنسبة لمن أراد أن يكون مطرباً، حيث عليه أن يغني في حلب، حسبما اعترف محمد عبدالوهاب ذات يوم.
ومن الظلم إجراء مقارنة بين الأمس واليوم، فقد تغيرت أدوات الشهرة وتشعبت أساليبها وكثرت دعاياتها، والموهوب يحتاج إلى قليل من الرعاية لينطلق، بينما غير الموهوب يحتاج إلى جيش إعلاني ينظم له المؤتمرات ويقيم له الحفلات ويجد من الرعاية ما لم يحصل عليه مداحو الملوك في صدر الدولة العباسية.
إن مفهوم النجومية تصنيف تمنحه الناس ولا يمنحه منبر، فالمنابر الكثيرة قلما تستضيف مبدعاً نجماً، وبسبب كثرتها «المنابر» يصبح لزاماً عليها أن يعتليها كل قليل شأن أو مجهول في محيط الإبداع، ولأن تلك المنابر تدار بعقلية الموظف الذي ينفذ الخطط ويسعى لإرضاء المديرين، فإنها تكثر من الذين يتلمسون الطريق وأحياناً كثيرة ممن لا طريق لهم ليتلمسوه، قاعدة الموظف الاسترضائي تنطبق على المنبر الإعلامي.
حيث إن اليوم مئات المنابر الإعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية والتي تريد وقوداً لاستمرار برامجها واشغال صفحاتها، وهي لا تتوانى عن ترسيم الأدباء وإطلاق صفة الشعراء على محبري رسائل الغرام وهواجس المراهقة.
من هنا تتضافر مفاهيم منابر الثقافة مع منابر الإعلام لتخريب الشأن الإبداعي ولتفريخ هذا العدد الهائل من الأدباء الذين يملأون أروقة المؤتمرات ويترأسون الندوات، وأكثرهم شهرة هو من قالت عنه صحيفة محلية ذات يوم إنه شاعر، وكثيراً ما تترسم جهود التخريب لتقدم كتباً إلى قراء لا يعتد بهم وتطبع منها آلاف النسخ يعلوها الغبار في المخازن والمستودعات.
هل حقاً إننا بلا نجوم أدب هذه الأيام، إذا كان ذلك صحيحاً فماذا يفعل مئات الشعراء في المنابر الثقافية والإعلامية ومن أين أخذوا أحقيتهم إذا كانوا يتعرضون للانتقاد كل يوم، ومن منحهم الألقاب عليه أن ينتزعها منهم.