روايات خالدة

أسطورة الحيّة البيضاء

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

تقول لنا الأساطير الصينية القديمة بأن جميع الأشياء قابلة للتغير والنمو. فمن الممكن للحجر أن يتحول إلى نبتة، والنبتة إلى حيوان، ويحتمل أن يصبح الحيوان إنسانا وبالعكس. ويرى بعض النقاد بأن الحكايات الصينية التي كانت تنتقل من جيل إلى آخر شفاهة عبر الرواة في بداية التاريخ وحتى تم توثيقها لاحقا في أدب الروايات، من أهم وأرقى الأعمال الأدبية التي أنتجت حتى يومنا هذا.

والأمثلة عديدة على الأساطير التي تم تدوينها لاحقا، وتعتبر أسطورة الحية البيضاء، أول حكاية عرفت خلال عهد حكم عائلة تانغ عام 618 بعد الميلاد. وهي قصة حب تراجيدية بين رجل وحية بيضاء، و تحمل الكثير من العبر والمحاذير والحكمة.

تبدأ الأسطورة أسوة بجميع الأساطير بالعبارة المألوفة، كان ياما كان في سالف العصر والآوان، حية بيضاء وحية زرقاء تمتلكان قوى سحرية وتعيشان في جبل إيرمي. وبعد زمن طويل وافقت الآلهة على رجاء الحية البيضاء، وبذا تحولت هي وأختها إلى امرأتين جميلتين.

الحية البيضاء تجلت في ثوب أبيض والزرقاء في ثوب أزرق . وهكذا نزلتا لتتمشيا في أجمل موقع للطبيعة في الصين وهو بجوار البحيرة الغربية بالقرب من مدينة هانغزو المحاطة بالهضاب الخضراء.

وهناك التقتا بشاب وسيم يدعى اكسو شينغ. ومنذ اللحظة الأولى أغرمت السيدة البيضاء به، وتملك حبه فؤادها.

ولدى زيارته لهما رحبتا به أشد الترحيب، وحينما غادرت السيدة البيضاء الغرفة، اقترحت عليه خادمتها أن يتزوج من سيدتها. وهكذا تم الزواج وانتقل الثلاثة ليعيشا في مدينة زينجيانغ وافتتحوا محلا للمداواة بالأعشاب.

ونظرا لخبرة اكسو من خلال عمله سابقا مع زوج شقيقته، إلى جانب خبرة زوجته في الكشف عن أي مرض كان وكتابة الوصفات للمرضى. ونظرا لمهارتهما وعدم أخذهما أجورا من الفقراء فقد ازدهر عملهما وابتسمت لهما الحياة من أوسع أبوابها، وتوجت سعادتهما حينما اكتشفت الزوجة بأنها حامل.

وفي أحد الأيام زار كاهن يدعى فاهاي اكسو في محله وحذره من زوجته، وأخبره عن حقيقة أصلها وبأنها ستقضي عليه في يوم ما.

وبالطبع رفض اكسو أخذ كلام الكاهن على محمل الجد، بل تندر به أمام زوجته وخادمتها. وفي اليوم المنشود تذكر اكسو كلام الكاهن وأصر أن تشاركه زوجته في شرب النبيذ المخلوط بالعشب.

ترددت زوجته في البداية سيما وأن حملها قد أضعف قواها السحرية، إلا أن معزته عندها كانت أكبر من رفض طلبه. وما إن انتهت من شرب الكأس الثاني حتى بدأت ترتعش، حينها نهضت من مكانها وجرت إلى غرفة نومها.

وبلا تردد تبعها اكسو خوفا عليها، وحينما فتح باب الغرفة وجد قبالته على السرير حية بيضاء ضخمة. ومن هول الصدمة أغمي عليه وفارق الحياة.

وحينما عادت السيدة البيضاء إلى طبيعتها فجعت بوفاة زوجها، وبلا تردد أخبرت أختها الزرقاء عن وجهتها، وطارت نحو السماء وامتطت الغيوم حتى وصلت إلى جبل كونلون المقدس بهدف سرقة حبة من الفطر السحري الذي سيعيد الحياة لزوجها.

ومع شراب الفطر استعاد اكسو حياته، لكنه تحاشى زوجته خوفا مما شاهده، لكنها تحايلت عليه وأخبرته بأن ما شاهده على السرير لم يكن سوى أحد أثوابها المصنوعة من جلد الحية البيضاء. وهكذا عاد الوفاق إلى حياتهما مجددا.

وبعد مضي زمن وحينما كان اكسو في زيارة لمعبد جبل الذهب لشكر الآلهة، فوجى بالكاهن فاهاي قبالته، وحذره مجددا من زوجته التي خدعته وأخبره بما حدث.

انتاب اكسو الخوف والتردد، وحينما طلب من الكاهن المشورة أجابه الأخير بأن الحل الوحيد هو أن يذهب للعيش في المعبد معه حيث لا يمكن لزوجته أن تصل إليه. وما إن أصبح اكسو في الداخل لم يعد يسمح له بالخروج على الإطلاق.

وحينما علمت السيدة البيضاء بما جرى، اتجهت برفقة أختها وحيوانات عالم البحار لمواجهة الكاهن وجنوده من السماء. وبعد معركة حامية الوطيس انسحبت الزوجة وأختها وعادتا خائبتين. وفي الطريق إلى الدار، فوجئا باكسو الذي استطاع الفرار من المعبد، وبين لهما المأزق الذي وقع فيه وأكد لزوجته حبه العميق لها.

وهنا صارحت السيدة البيضاء زوجها بحقيقتها وبجميع ما فعلته لإنقاذه، وهكذا جددا عهد حبهما.

وأخيرا يكتشف اكسو الحقيقة ببصيرته و يواجه اكسو فاهاي قائلا بيقين، «أنت الروح الشريرة التي يجب تحاشيها، أنت الشيطان الذي يسعى للتفريق بين حبيبين، أنا الآن أعرف من هو الشيطان الحقيقي».

ومضت قرون وتوفي اكسو وفاهاي، إلا أن الزرقاء لم تنس. في جبل إيمي كانت تعد نفسها وتتدرب لتحرير أختها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات