يعمل دومينيك كاليفا، مؤلف هذا الكتاب، أستاذا في جامعة السوربون، وهو أخصائي بتاريخ الجريمة وتبدياتها. سبق له وقدّم العديد من الدراسات في ميدان اهتمامه مثل كتب «الحبر والدم» و«ولادة الشرطة الخاصة» و«فيدل، قاتل النساء» و«ثقافة الجماهير في فرنسا». في هذا الكتاب الجديد «الجريمة والثقافة في القرن التاسع عشر»، يبحث المؤلف عن الأسباب العميقة التي جعلت القرن التاسع عشر «مأخوذا» بقضية الجريمة.
كما يبدو من العدد الكبير ل«الجرائم» و«القضايا الشهيرة» التي عرفها. ويرى أن مفتاح هذه الظاهرة هو بالدرجة الأولى من طبيعة ثقافية، ومن هنا جاء الربط في عنوان الكتاب بين «الجريمة والثقافة»، وحيث يؤكد المؤلف منذ الجملة الأولى الأطروحة التالية: «كان القرن التاسع عشر مأخوذا بقضية الجريمة. بملاحظتها والعقاب عليها». وكان ذلك القرن قد أُفتتح عام 1800 بتأسيس محافظة الشرطة في فرنسا ثم بسن القانون الجنائي عام 1810.
ثم شهد ذلك القرن «اختراع» الشرطة الجنائية والإحصائيات الخاصة بعدد الجرائم والطب الشرعي وعلم الجريمة وأدب الجريمة وصحافة الجريمة، بمعنى التحقيقات الخاصة بها. الوجه الآخر لمثل هذا الاهتمام المتعدد الجوانب بالجريمة وعالمها هو انتشار الكتب والمسرحيات والأفلام المهتمة بالموضوع وإعطاء الظاهرة بعدا اجتماعيا وتحديد «المسموح به وغير المسموح به».
في القسم الأول من هذا الكتاب يدرس المؤلف بعض «التجليات» التي ظهر التداخل فيها كبيرا بين الثقافة والجريمة وحيث يخص بالدراسة حالة محددة هي باريس في القرن التاسع عشر. ويبيّن كيف أن الاهتمام الكبير بالجريمة قد تزامن بنفس الوقت مع تبدّل جذري «راديكالي» مع المحيط الثقافي في مجتمع مثل المجتمع الفرنسي حيث كانت قد بدأت ترتسم أطر ثقافة جماهيرية.
أما القسم الثاني من الكتب فهو يحمل عنوان «في قلب ثقافة الجماهير» حيث يربط المؤلف بين الجرائم العادية والروايات التي جعلت من عالم الإجرام موضوعا لها خلال القرن التاسع عشر. تجدر الإشارة هنا إلى أن أغلبية المؤرخين والمحللين يعتبرون أن القرن التاسع عشر قد استمر حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى ليبدأ معها القرن العشرين.
أما القسم الثالث والأخير من هذا الكتاب فإنه مكرّس لدراسة «الجنح وغياب الأمن» ولا يقصر المؤلف تحليلاته في هذا القسم على القرن التاسع عشر بل يتعداه إلى القرن العشرين وعلى ضوء منظور مستقبلي.
كانت مدينة باريس في القرن التاسع عشر مسرحا لزيادة سكانية كبيرة وتبدلات اجتماعية عديدة واضطرابات سياسية متنوعة. ومن خلال هده المواصفات كلها كانت بالتالي مسرحا ملائما لانتشار الجريمة. وهذا ما عبّر عنه أحد مؤرخي مدينة باريس عام 1863 بالقول:« اكتست كل بلاطة من شوارع مدينتنا الجميلة باريس باللون الأحمر»، أي «لون الدم».
وذلك للدلالة على الأجواء العامة المسيطرة آنذاك والتي يحدد مؤلف هذا الكتاب أهم ملامحها في «خرق المعايير» الاجتماعية و«سيطرة أجواء الجريمة وغياب الأمن على الإنتاج الثقافي وعلى الخطاب السياسي». وكانت درجة الأمن قد تردّت في باريس إلى حد أنه «لا يمكن الذهاب إلى بعض الأحياء إلا إذا كان المرء مسلّحا». ومنذ القرن التاسع عشر كانت الأحياء المحيطية من باريس والضواحي المحيطة بها قد أصبحت مصدر الأعمال ذات الطابع الإجرامي.
وكانت نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين قد شهدت الحديث كثيرا عن «الآباشي» للدلالة على «المارقين الشباب» في العاصمة الفرنسية باريس وذلك بقصد تشبيههم بالهنود الحمر «الآباشي» وبالبرابرة. وبقي استخدام هذا التعبير مستمرا طيلة فترة ما بين الحربين العالميتين بواسطة الصحافة والثقافة السائدة.
بل ظلّ موجودا في المخيلة ليبرز بين فترة وأخرى عبر السينما والأغاني والروايات البوليسية. وكانت نهاية القرن التاسع عشر قد شهدت أيضا بروز «نوع أدبي جديد» يتمثل في كتابة رجال الشرطة ل«مذكراتهم» وذلك بالاعتماد على مصادر موثقة من الأراشيف وغيرها وكانوا يكشفون أحيانا عن بعض«الأسرار». لكن هذا النوع «الأدبي» لم يجعل أبدا من أصحابه «مؤرخين». ومن أشهر تلك الأعمال «مذكرات فيدوك، رئيس شرطة باريس حتى عام 1827».
وكان النصف الأول من القرن التاسع عشر قد شهد في المجتمعات الأوروبية نوعا من انتقال أجواء الجريمة من المناطق الريفية حيث كان يتواجد «قطّاع الطرق» إلى المدن وضواحيها القريبة حيث انتشرت مقولة وجود الجانحين الشباب من أبناء الطبقات الاجتماعية المتواضعة والعمالية.
وذلك كمرادف لتنامي ظاهرة الهجرة من الأرياف إلى المدن وتجمّع «المهاجرين» في الأحياء الفقيرة من المدن، وفي ضواحيها القريبة. هكذا اختلطت «الطبقات العاملة» مع «الطبقات الخطيرة»، وهكذا أيضا لم تعد الجريمة ذات طابع فردي بحت، وإنما أصبحت بالأحرى«مرضاً اجتماعياً» له علاقة وثيقة مع التبدلات التي شهدها المجتمع.
ويبحث المؤلف في أحد الفصول ما يسميه ب«مشاهد من السجن». ويشير إلى أن هذا المكان المغلق الذي يعني بالتعريف «العزلة» و«الصمت» إنما هو في الواقع مكان «ثرثار».
وقد كتب عنه الكثيرون، وليس أقلّهم أهمية الفيلسوف ميشيل فوكو في كتابه الشهير «الرقابة والعقاب» وكتب من داخله أيضا الكثيرون مما عُرف باسم «أدب السجون»، هذا مع التمييز بين الإنتاج الأدبي والتحقيقات الصحفية مع إمكانية أن يمارس البعض النشاطين بالتوازي.
هذا ما توضحه بعض الأعمال الروائية التي نالت شهرة كبيرة مثل سلسلة «ارسين لوبين» و«فانتوماس».
إن هاتين الشخصيتين الروائيتين أكّدا على حريتهما وسخرا من النظام الاجتماعي ومن آلية عقابه المتمثلة في السجن. وينقل المؤلف عن أحد الباحثين قوله عن فانتوماس: «إن سجنه مثل فندق يخرج منه على هواه لممارسة اهتماماته ويدخل إليه عندما يحس أنه لم يعد بحاجة للحرية». وينقل عن باحث آخر قوله بصدد أرسين لوبين: «كان يُفترض أن يهرب أرسين لوبين من السجن.
كان ذلك محتوما وقدريا. بل ومن المدهش أن هربه قد تأخر كل هذه المدة الطويلة». إن مثل تلك الأعمال الروائية التي تمزج بين الجريمة والثقافة موجهة بالأحرى إلى الجمهور العريض مثل «سلعة استهلاكية» مطلوبة. وكانت أيضا بمثابة مرحلة هامة وحاسمة للانتقال نحو ترسيخ «منظومة إعلامية» ذات طابع جماهيري وشعبي.
وتبنّت أغلبية الصحف الكبرى نشر سلاسل من الحلقات لأعمال تدور حول عالم الجريمة بحيث يتم الجمع فيها بين محققين ورجال شرطة ومجرمين« قد يتعاطف معهم القارئ أحيانا». وكانت فترة ما قبل الحرب العالمية بمثابة «العصر الذهبي» لتلك السلاسل وحيث استمر ذلك العصر قرابة ربع قرن قبل نشوب تلك الحرب. إن مثل تلك الأجواء جعلت من الجريمة نوعا من «الهواية الفرنسية المعاصرة».
وفي أحد فصول الكتاب الأربعة عشرة يشرح المؤلف ما يسميه «أزمات القمع» ويبدأه برسالة تلقاها وزير العدل الفرنسي من مجهول في شهر مايو من عام 1912 وجاء فيها: «إنكم لا تجهلون واقع أنه منذ عشرين سنة جرى سن قسم كبير من القوانين لصالح الجانحين مثل تأمين سجون مريحة ونظيفة ومزوّدة بكل الشروط الصحية وقوانين إصدار الأحكام مع وقف التنفيذ بهدف إعادة هؤلاء الضالّين إلى الطريق المستقيم.
يضاف إلى هذا الإلغاء شبه الكامل لعقوبة الموت، فكانت النتيجة هي زيادة مخيفة في عدد أفراد العصابات وزيادة آلام ضحاياهم من أرامل ويتامى. هذه هي نتيجة اللطف مع هؤلاء الوحوش». هذه الرسالة كانت تعبيرا عن وجود مشكلة «اجتماعية» حول دور العدالة والقضاء.
ويحدد المؤلف جذورها في عصر التنوير الفرنسي خلال القرن الثامن عشر حيث تردد الحديث كثيرا عن ضرورة تعزيز «النزعة الإنسانية» في عالم القوانين «الجامدة»، أي ما وجد ترجمته في «تراخي» القضاة بأحكامهم وبالتوازي «ازدهار الجريمة». وهكذا سادت أجواء «النزعات الأمنية الضاغطة» التي غذتها الصحافة ذات الانتشار الواسع ودعمها بعض البرلمانيين لأغراض انتخابية، أي ما يذكّر بالأجواء الفرنسية الحالية.
هكذا كانت السنوات الأولى من القرن العشرين ممهورة بما أسماه أحد الصحافيين المشهورين ب«حالة الاستياء التي يعاني منها الأمن العام» حيث بدت الجرائم والجنح بمثابة التهديد الأكبر ل«المجتمع» وحيث بدت المدينة وكأنها محاصرة من قبل «جيش الجريمة» إلى حد أن «الطرق لم تعد تقدم أدنى حد من الأمن حتى في عز النهار»، كما كتب أحد الصحافيين عام 1907.
وفي الصفحات الأخيرة من الكتاب التي تحمل عنوان «الجريمة وغياب الأمن في القرنين التاسع عشر والعشرين» يشير المؤلف إلى التاريخ الطويل والمعقّد وراء بروز مسألة«الأمن» إلى مصاف إحدى المسائل الأساسية التي تشغل الفرنسيين. إنه تاريخ تعود بداياته إلى أكثر من قرنين من الزمن وحيث كانت مظاهره الأولى هي «انتقال» ميدان الجريمة من الأرياف إلى مناطق التجمعات السكانية الكبرى، أي الانتقال من البعد «الفردي» إلى البعد «الاجتماعي».
وكأية ظاهرة اجتماعية برزت أدوات جديدة للتحليل حيالها مثل«الإحصائيات والتحقيقات الميدانية» وتطلبت اقتراح حلول حيالها، بتعبير آخر برز ما يسمى ب«علم الجريمة» مع وجود مختصين به، مثل بقية العلوم الإنسانية الأخرى، والذين من بينهم مؤلف هذا الكتاب.
أما الردود على ظاهرة «الجريمة» فيتم تحديدها في خاتمة هذا العمل بثلاثة هي: الجمع بين الوقاية منها وقمعها، أي الرد التقليدي. والرد الثاني لا يبدو ذا علاقة ظاهريا مع الجريمة وغياب الأمن ويمكن في انتهاج سياسة مدينية تقلل من الأسباب البنيوية للجريمة. وثالثا إنشاء «سوق خاص» للأمن كما شهدت بلدان متقدمة عديدة.
* الكتاب:الجريمة والثقافة في القرن التاسع عشر
* الناشر: بيران ـ باريس 2005
* الصفحات: 331 صفحة من القطع المتوسط
Crime et culture au xixe siècle
Dominique Kalifa
Perrin - Paris 2005
p.441
