جان فرانسوا ليوتار

جان فرانسوا ليوتار

صورة

مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور سيمون مالباس أستاذ الفلسفة والأدب المعاصر في جامعة مانشستر بانجلترا. وهو هنا يقدم لمحة تاريخية عامة عن شخصية الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار وأعماله. ومعروف أن هذا الفيلسوف اشتهر ببلورة مصطلح ما بعد الحداثة في اللغة الفرنسية -modernit وهو المصطلح الذي شاع بعدئذ وانتشر في كافة الأوساط الثقافية والفنيةومنذ البداية يقول المؤلف ما معناه: إن هذا الفيلسوف يعتبر من كبار فلاسفة فرنسا في مرحلة ما بعد جان بول سارتر.

وكثيرا ما يصنفونه في خانة فلاسفة ما بعد الحداثة: أي ميشيل فوكو، جيل ديلوز، جاك دريدا، الخ.

وكان قد ولد في فرساي العاصمة التاريخية لفرنسا قبل باريس عام 1924 ومات عام 1998 عن عمر يناهز الرابعة والسبعين. وكان في شبابه الأول يحلم بأن يصبح راهبا أو رساما أو مؤرخا. ولكنه اختار الفلسفة في نهاية المطاف.

ولهذا الغرض دخل قسم الفلسفة في جامعة السوربون. وهناك التقى على مقاعد الدرس بزملاء سوف يكون لهم شأن فيما بعد هم: جيل ديلوز وفرانسوا شاتليه وميشيل بوتور.

وبعد أن نال شهادة المتريز في الفلسفة ذهب إلى الجزائر عام 1950 للتدريس في ثانوية قسنطينة.

وهناك انخرط في النضال السياسي اليساري المضاد للحزب الشيوعي والماركسية الرسمية الستالينية. فقد تعرف على مجلة بعنوان: الاشتراكية أو البربرية وانتسب إلى خطها. ومعلوم أنها كانت تعبر عن لسان حال كل المثقفين التقدميين الخارجين على الأطر المعهودة أو المكرورة للفكر.

وبين عامي 1955ـ 1966 انخرط إلى جانب الشعب الجزائري الذي كان يناضل من أجل حريته واستقلاله.

ثم نشر كتابا صغيرا عام 1976 تحت عنوان: شرط ما بعد الحداثة. وقد أمّن له شهرة عالمية فورا.

وبعده بأربع سنوات نشر أهم كتاب له وأضخم كتاب بعنوان: «المختلف»، ولكن أحدا لم يهتم به، اللهم إلا حفنة من الاختصاصيين.

وفي عام 1984 أسس مع جاك دريدا المعهد العالمي للفلسفة في باريس. ثم انتخب أستاذا بمرتبة الشرف في إحدى الجامعات الأميركية.

وفي عام 1996 اكتشف الفيلسوف أنه مصاب بمرض خطير وقاتل هو: سرطان الدم.

وعلى الرغم من ذلك فإنه واصل أبحاثه وفاجأ الجميع بكتابه عن أندريه مالرو.

وعندما مات عام 1998 خلف وراءه كتابا لم يكتمل عن القديس أوغسطينوس. وقد نعاه رئيس الوزراء ليونيل جوسبان قائلا: إنه بدون شك إحدى الشخصيات الأكثر أهمية في الفلسفة الفرنسية المعاصرة. وقد كان لطيفا جدا وراقيا على المستوى الشخصي.

ثم يطرح المؤلف هذا السؤال: ما الذي يقصده ليوتار بفلسفة ما بعد الحداثة؟ ولماذا شاع هذا المصطلح حتى كاد أن يقضي على مصطلح الحداثة ذاته؟ وللإجابة عن هذين السؤالين يقول بما معناه: إن فكر القرنين التاسع عشر والعشرين والممارسة العملية التي رافقته متأثر جدا بفكرة تحرير الإنسان والوضع البشري كله.

وقد تبلورت هذه الفكرة في القرن الثامن عشر الذي شهد فلسفة التنوير والثورة الفرنسية كتتويج لها.

وكان مشروع الفلاسفة في ذلك العصر نبيلا وكريما بدون شك. كان يحلم بحصول تقدم كبير في مجال العلوم والتكنولوجيا والفنون والآداب والحريات السياسية.

وكان يعتقد بأن ذلك سيؤدي إلى تحرير البشرية من الجهل والفقر والاستبداد السياسي. وسوف يؤدي إلى إسعاد البشر وتشكيل مواطنين مستنيرين بفضل المدرسة والتعليم الحديث: مواطنين قادرين على أن يكونوا أسياد قدرهم ومصيرهم.

هذا هو مشروع التنوير في خطوطه العريضة. إنه يعني إخراج البشرية من مرحلة الجهالة الظلامية والتعصب الديني وإدخالها في مرحلة التسامح والاستنارة وتحقيق الازدهار الاقتصادي. ثم يردف المؤلف الذي يشرح نظرية ليوتار قائلا:

وعن هذا المشروع العريض تولدت كل التيارات السياسية في القرنين الماضيين ما عدا تيار الأصولية المسيحية، والتيار النازي.

ونقصد بها تيار الليبرالية السياسية، والليبرالية الاقتصادية، والتيار الماركسي، والتيارات الفوضوية، والتيارات الاشتراكية غير الماركسية، الخ.

والخلافات التي حصلت بين هذه التيارات حتى لو كانت عنيفة جدا تتضاءل وتمحى أمام وحدة الهدف الأكبر الذي يسعى إليه المشروع التنويري. وبالتالي فهي متفقة على الأهداف وإن كانت تختلف على الوسائل التي ينبغي اتباعها من أجل تحقيقها. ولكن هذه المثل العليا تشهد اليوم نوعا من الانحطاط في المجتمعات الصناعية المتقدمة.

لا ريب في أن الطبقة السياسية الفرنسية وسواها لا تزال تتعلق بها ظاهريا وتحاول إيهامنا بأنها تعمل من أجل التحرير الكبير للإنسان.

ولكن لم يعد أحد يصدقها. فالجراحات أو الصدمات التي أصابت مشروع الحداثة على مدار القرنين الماضيين أدت إلى شحوب هذا المشروع وعدم تصديق الناس له بعد الآن.ثم يشكك الفيلسوف جان فرانسوا ليوتار بفكرة التقدم ذاتها ويقول بأنها انقلبت إلى ضدها.

ففي رأيه أنه ليس انعدام التقدم هو الذي جعل الحروب الشاملة ممكنة وإنما زيادة التقدم العلمي، الصناعي، التكنولوجي، الاقتصادي، السياسي... هذا التقدم الهائل هو الذي جعل الحروب العالمية ممكنة، وهو الذي حفر هوة سحيقة بين تقدم دول الشمال وغناها من جهة، ثم تأخر دول الجنوب وفقرها المدقع من جهة أخرى. وهو الذي أدخلنا في عصر الفاشية والنازية والشيوعية: اي العصر التوتاليتاري الاستبدادي المطلق.

وبالتالي فقد آن الأوان للخروج من مشروع الحداثة الذي أدى إلى هيروشيما وناغازاكي ومحرقة اليهود والحروب الاستعمارية.

نلاحظ هنا أن جان فرانسوا ليوتار لا يقول شيئا عن محرقة الفلسطينيين الناتجة مباشرة عن محرقة اليهود لأنه لولا هذه الأخيرة لما حصل كل ما حصل منذ عام 1948 وحتى اليوم. فالمحرقة النازية قدمت لقادة الحركة الصهيونية التبرير الشرعي لاحتلال أراضي الفلسطينيين.

ووافق الغرب على ذلك للتكفير عن ذنبه تجاه اليهود. وهكذا ارتكب محرقتين بدل محرقة واحدة.

ولكن هذا الموقف لصاحب فلسفة ما بعد الحداثة لا يقتصر عليه وحده في الواقع وإنما يشمل معظم المثقفين في أوروبا ما عدا قلة قليلة يقف على رأسها الفيلسوف الكبير: جيل ديلوز.

مهما يكن من أمر فإن جان فرانسوا ليوتار يبدو متشائما جدا بمشروع الحداثة ولا يرى إلا سلبياته. أما إيجابياته البارزة للعيان فينساها تماما. وهنا يكمن النقص الكبير لنظريته.

إنه يرى أخطاء الحداثة وانحرافاتها على مدار القرنين الماضيين، ولكنه لا يرى كل هذا التقدم الذي حققته وصنع الحضارة الراهنة كلها. بمعنى آخر فإنه يرى نصف الكأس الفارغ ولا يرى نصفها الملآن ككل المتشائمين بحركة التاريخ.ولهذا السبب فإنه يصف مشروع التنوير بأنه يوتوبيا خيالية تكسرت على أرض الواقع القاسي.

بل ويصف الإيديولوجيات التي سيطرت على القرن التاسع عشر والعشرين: كالليبرالية، والاشتراكية، والماركسية بأنها عبارة عن حكايات كبرى مرشحة للانهيار. لقد كان هدفها نبيلا: ألا وهو تعبئة الجماهير وتجييشها من أجل تحقيق السعادة على هذه الأرض.

ولكنها في نظر ليوتار فشلت فشلا ذريعا. ونحن نحصد الآن مرارة أو نتائج فشلها.

ولكن البعض يحتج عليه قائلا: إذا كانت الشيوعية قد شحبت وسقطت فإن الليبرالية الديمقراطية لم تسقط. على العكس فإنها أقوى الآن من أي يوم مضى.

بل إنها مرشحة لأن تشمل العالم كله وإن كانت تعاني من الظلم الاجتماعي كثيرا.

* الكتاب:جان فرانسوا ليوتار

* الناشر:روتليدج ـ لندن 2006

* الصفحات : 176 صفحة من القطع الكبير

Jean-François Lyotard

Simon Malpas

Routledge- London2006

P.179

تعليقات

تعليقات