مؤلف هذا الكتاب هو المفكر الإنجليزي روجر بيرسون المختص بفكر فولتير والعصور الحديثة عموما. وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث عن إحدى أهم الشخصيات التي ساهمت في بلورة الفكر الأوروبي الجديد. ومنذ البداية يقول المؤلف بما معناه: يعتبر فولتير أكبر كاتب فرنسي في القرن الثامن عشر على الأقل.

وبعضهم يعتبره أهم كاتب أنجبته فرنسا على مدار تاريخها كله. وقد ولد وعاش في القرن الثامن عشر عندما كانت الثقافة الفرنسية تهيمن على أوروبا. أو قل انه ولد في أواخر القرن السابع عشر وعاش معظم عمره في القرن الثامن عشر (1694 ـ 1778). وقد ألف فولتير عشرات الكتب من روايات، ومسرحيات، وأشعار، ومقالات فلسفية، الخ. لقد كتب في كل الأنواع الأدبية وأبدع. ولا ينبغي أن ننسى مؤلفاته التاريخية ومقالاته العلمية.

وقد اختار فولتير منذ البداية مهنة الأدب ضد رغبة والده لأن الأدب لا يطعم خبزا كما كانت تقول العائلة، ففي ذلك العصر كان يصعب على الكاتب أن يعيش من قلمه.

ولكن فولتير أثبت أنه قادر ليس فقط على أن يعيش من قلمه وإنما أيضا على أن يصل إلى أعلى المراتب. فعندما بلغ الأربعين كان قد أصبح مشهورا وذا ثروة طائلة. ثم يردف المؤلف قائلا: وقد اشتهر فولتير بكتاباته الفلسفية وميله للسخرية والاستهزاء في أسلوبه. كما اشتهر بدفاعه عن المضطهدين المظلومين وانخراطه من أجل قضايا الحق والعدل.

وقد خاض المعارك الفكرية من أجل الإصلاحات الاجتماعية والسياسية.

ولكن بما أن كتاباته كانت تنتقد الملك والكنيسة فإنه عاش معظم فترات حياته وهو يخشى من القتل أو السجن. والواقع أن هذا هو السبب الذي دفعه للعيش في المنفى خارج مسقط رأسه: باريس.

ثم يردف المؤلف قائلا: هذا وقد اعتقلته السلطات عام 1717 وهو في الثالثة والعشرين من عمره وأرسلته إلى سجن الباستيل الشهير حيث أمضى قرابة السنة في الدهاليز المظلمة التي لا يخرج منها من دخل إليها إلا وهو محطم الأعصاب.

ولكنهم اكتشفوا فيما بعد أنهم سجنوه خطأ فأطلقوا سراحه. وهذا هو حكم التعسف والاعتباط الذي كان سائدا في فرنسا آنذاك.

وفي عام 1726 اصطدم فولتير في المسرح الفرنسي بدار الأوبرا بشخص أرستقراطي ينتمي إلى عائلة كبيرة. وفهم هذا الشخص أن فولتير يحتقره، فقرر الانتقام منه.

وفي أحد الأيام أرسل له رجاله لكي يعتدوا عليه ويضربوه ضربا مبرحا وهو ينظر إلى المشهد عن بعد من عربته التي تجرها الخيول.

وغضب فولتير غضبا شديدا لشرفه المهدور. وراح يتعلم على فن الفروسية والضرب بالسيف لكي ينتقم من الذي اعتدى عليه.

وعندما سمعت العائلة الإقطاعية بالأمر طلبت من السلطات سجنه في الباستيل مرة أخرى.

وهكذا كان. وهكذا وبدلا من أن يعاقبوا المعتدي راحوا يعاقبون المعتدى عليه! والواقع أن فرنسا آنذاك لم تكن قد أصبحت دولة حق وقانون بعد.

فقد كان قانون القوي هو الذي يحكم البلاد، وأما الضعيف فلا مكانة له ولا احترام. ولم يستطع فولتير الخروج من السجن إلا بعد أن وعدهم بأنه سيترك البلاد ويذهب إلى الخارج. وهذا ما حصل، فقد سافر إلى إنجلترا.

ولكن حادثة الاعتداء هذه تركت في أعماقه جرحا لا يندمل.

وعرف عندئذ أن فرنسا تعيش في ظل قانون الغاب والذئاب. وأصبح من أكبر المدافعين عن إصلاح نظام العدالة والمجتمع بأسره. وقد استفاد كثيرا من ذهابه إلى إنجلترا. فقد التقى هناك بكبار مثقفي البلاد وأصابته الدهشة والفرحة كثيرا عندما رأى الإنجليز يتمتعون بحريات واسعة غير معروفة في فرنسا.

وقد تأثر فكريا بإسحاق نيوتن وجون لوك. والأول أكبر عالم في عصره، والثاني أكبر فيلسوف. وعندما سمحوا له بالعودة إلى بلاده بعد أن أمضى سنتين في بلاد شكسبير قرر تكريس حياته كلها للأدب والدفاع عن الحقيقة وإصلاح المجتمع الفرنسي.ثم يردف المؤلف قائلا:

ينبغي العلم بأن السلطة كلها في ذلك الزمان كانت في يد الملك والكنيسة المسيحية.

وكانت الكنيسة تعلم الناس أن سلطة الملك مستمدة كليا من الله. فهو خليفة الله على الأرض! وبالتالي فالملك كان فوق القوانين كليا لأن شخصه مقدس وليس من جنس البشر في نظر عامة الناس.

وكانت الكنيسة تعلم الشعب افقير الجاهل عقيدة الحق الإلهي المقدس للملوك وتطلب منهم إطاعتهم إطاعة عمياء لأنها من طاعة الله عز وجل. ومقابل ذلك كان الملك يغدق على الكنيسة نعمه وعطاياه ويخلع عليها حمايته. هكذا نلاحظ أن الكنيسة كانت تمتلك سلطة السيطرة على العقول والضمائر.

وكان الملك يمتلك السلطة السياسية والبوليسية والعسكرية. وما دام الشعب يعتقد بالحق الإلهي للملوك فإن أحدا لن يثور ضدهم ولن يقلب نظام الامتيازات الكبرى الذي تتمتع به الطبقات الأرستقراطية والكنسية بالقياس إلى عموم الشعب.

وكان حكم التعسف والاعتباط هو السائد.ولم يكن من السهل إصلاح المجتمع في القرن الثامن عشر.

فجميع المؤلفات كانت تُفحص من قبل الرقابة الرسمية من أجل ترخيص نشرها أو عدم ترخيصه. وفي عام 1741 كان يوجد في فرنسا ستة وسبعون مراقبا عاما على المؤلفات والمنشورات.

ولكي يحظى أي كتاب بحق النشر ينبغي على المراقب العام أن يقول عنه ما يلي: لا يحتوي على أي فكرة مضادة للدين، أو للنظام العام، أو للأخلاق الحميدة.وإذا تجرأ أحد الكتاب وأصدر مؤلفاته بدون ترخيص رسمي فإن السلطات يحق لها أن تجمع كتبه وتحرقها على الملأ.

بل ويحق لها أن تلاحق المؤلف وتسجنه وتعاقبه. والواقع أن الكثير من كتب فولتير جمعت من السوق وحرقت على رؤوس الأشهاد من قبل سلطة الرقابة. ثم أصدر الملك قرارات أكثر صراحة. وهي تنص على ما يلي: كل كاتب يهاجم السلطة أو الدين أو النظام العام للمجتمع أو طمأنينة المملكة الفرنسية سوق يُعدم فورا، وبدون محاكمة.

وهذا ما أرعب فولتير لأن معظم مؤلفاته كانت تدخل في هذه الخانة.

ولذلك فإنه عاش دائما في حالة من الخوف. وكان ينبغي عليه أن يهرب في أي لحظة عندما يشعر بأن البوليس الملكي يبحث عنه أو يلاحقه.ومعظم كتب فولتير كانت ممنوعة من الانتشار بسبب سيف الرقابة المسلّط عليها.

ولهذا السبب كان ينشر كتبه دون توقيع. بل وحتى الناشر ما كان يجرؤ على أن يضع اسمه على الكتاب خوفا من الاغتيال أو المضايقات.

ولكي ينجو فولتير من الرقابة فإنه كان ينشر مؤلفاته خارج حدود المملكة الفرنسية وبالأخص في أمستردام بهولندا حيث تسود الحرية الفكرية.

وأحيانا كان ينشرها في لاهاي أو جنيف ثم يدخلها بعدئذ تحت المعطف (أي سرا) إلى فرنسا لكي يطلع عليها الفرنسيون.

هذا وقد اشتبك فولتير مع الأصوليين المسيحيين في معركة حامية الوطيس. وكادوا يقتلونه أكثر من مرة لولا أنه هرب في الوقت المناسب.

ولذلك هاجم في مؤلفاته التعصب الديني والظلم السياسي والاجتماعي. وكان يعتقد بأن رجال الدين يضحكون على الشعب ويخدرونه بكلامهم المعسول لكيلا يستيقظ على حقيقة واقعه والظلم الذي يحيط به.

والواقع أنه كان لكتاباته تأثير كبير على الثورة الأميركية التي اندلعت عام 1776 وبالطبع على الثورة الفرنسية التي اندلعت عام 1789.

* الكتاب: فولتير ذو القدرة الجبارة التي لا حدود لها

* الناشر: بلومسبوري للنشر - لندن 2006

* الصفحات: 480 صفحة من القطع الكبير

Voltaire Almighty

Roger Pearson

Bloomsbury Pub- London 2006

P . 485