أجرى الكاتب والناقد تشارلز ماكغراث هذه المقابلة مع الروائي الأميركي جون أبدايك، بمناسبة صدور روايته الثانية والعشرين، المثيرة للجدل والتي تحمل عنوان «إرهابي»، حيث ألقى الضوء على جوهر ما يحاول طرحه ومناقشته في هذه الرواية والجهود التي بذلها لفهم العالم الخلفي لبطل الرواية.

وهو لا يتردد في القول إنه يمكنه الآن بعد كل ما أجراه من بحوث للتمهيد لتأليف الرواية فهم السر في أن الكثيرين يكرهون السياسات الأميركية، كما يشير إلى أنه يعتزم مواصلة الكتابة وتقديم عمل جديد للقارئ قريباً، على الرغم من أنه على حد تعبيره ليست لديه كراسة حافلة بالأفكار التي ينوي الاشتغال عليها في المستقبل المنظور. وفيما يلي نص المقابلة:

يلزم جون أبدايك الحذر من الانترنت، حيث يخشى من أن دودة إلكترونية، قد تتسلل إلى كمبيوتره وتطيح بما هو عاكف على الاشتغال عليه، وقد تبنى كذلك في خطاب ذاع شأنه ألقاه في معرض كتاب إكسبو أميركا، الذي يعد الملتقى السنوي للناشرين الأميركيين، وجهة نظر متشائمة من الاتجاه إلى إيداع كل الكتب في بنك هائل للكتب على الإنترنت.

غير أن أبدايك لم يتردد، على الرغم من ذلك، في اللجوء إلى الإنترنت لإجراء أبحاث حول أجهزة تفجير القنابل في إطار البحوث التي أجراها تمهيداً لتأليف روايته الجديدة بعنوان «إرهابي».

وقد ذكر في مقابلة أجريت معه في بوسطن مؤخراً أن جهاز التفجير الوحيد الذي كان بمقدوره أن يتذكره هو ذلك الذي استخدمه النجم جاري كوبر في فيلم «لمن تقرع الأجراس» ومن المحقق أنه جهاز عتيق الطراز، ولكنه بحسب تعبيره سرعان ما تأكد من أن: «الإنترنت لا تحب أن تتعلم أكثر مما ينبغي عن المتفجرات».

وخلال عكوفه على تأليف هذا الكتاب خاطر أبدايك، وهو الآن في الرابعة والسبعين من العمر ويبدو كثيف الحاجبين وأقرب في مظهره إلى أن يكون عضواً في مجلس الشيوخ الأميركي، بإثارة الشكوك حوله، فيما هو يتوقف قرب أجهزة فحص الأمتعة في مطار لاغاردا، حيث علم أن أشعة إكس لا تبدو في الجهاز عبر اللونين الأبيض والأسود وإنما تبدو عبر لونين متوهجين، هما الأخضر والأحمر.

وقد استأجر أبدايك سيارة مع سائقها، ومضى للقيام بجولات في الأحياء الأكثر فقراً في مدينة باترسون بولاية نيوجيرسي.

ويقول عن هذه التجربة «لقد بذل السائق قصارى جهده، ولكنني أعتقد أنني أثرت حيرته باعتباري أحد الزبائن الذين يقومون بأغرب أنواع الجولات».

وتقع أحداث رواية «إرهابي» في مدينة باترسون، أو بالأحرى في صورة مصغرة وأكثر ترتيباً من هذه المدينة يطلق عليها في الرواية اسم نيو بروسبكت، وبطلها شاب في الثامنة عشرة من عمره، هو ابن عائلة مؤلفة من أم من أصول أميركية ـ ايرلندية وأب عربي كان طالباً في بعثة إلى أميركا، ولكنه الآن غائب عن ساحة الأحداث، ويخطط البطل لنسف نفق لنكولن، الذي يعد من أبرز معالم المدينة.

تعد هذه الرواية هي العمل الروائي الثاني والعشرون لجون أبدايك، وهي تعتمد بأوسع المعاني والأساليب الفنية المعتمدة في روايات الحركة والإثارة، وهي نوعية من الروايات لم يجرب أبدايك كتابتها من قبل على الرغم من أنه أبدع في العديد من أنواع القص.

وعلى الرغم من ذلك فإنه يبدو واضحاً في غمار حديثه عن رواية «إرهابي» أن هذه الرواية تضم مجموعة من الموضوعات والانشغالات التي صاحبت أبدايك منذ بداية مسيرته الإبداعية، بما في ذلك الجنس، الموت، الدين، أجواء المدارس الثانوية وصولاً إلى مدينة باترسون ذاتها، التي تبرز بوضوح في روايته «في جمال زهور السوسن»، والتي قال أبدايك انها تبدو له في بعض الأحيان شكلاً آخر لمدينة ريدنج بولاية باسادينا الواقعة قرب مسقط رأسه، أي مدينة شيلنجتون.

وقال أبدايك، الذي اعترف بأنه يعاني من حالة معتدلة من إرهاب الأنفاق، إن صورة انفجار في نفق كانت بالفعل بداية خيط الإلهام بالنسبة له فيما يتعلق بروايته الجديدة. ويضيف: كانت تلك الصورة هي البداية، الخوف من نسف النفق وأنا بداخله وثقل الماء الهائل ينهال إلى الداخل.

وكان أبدايك قد تخيل بطل الرواية مسيحياً شاباً، يعد امتداداً لشخصية الفتى المراهق المضطرب التي تظهر في قصة أبدايك المبكرة بعنوان «ريش الحمام»، والذي يشعر بأن قساً يخونه ويخذله، ويقول أبدايك في هذا الصدد: لقد تخيلت أحد الدارسين الشبان في مدرسة مسيحية ينظر إلى كل من حوله باعتبارهم شياطين يحاولون اختطاف يقينه منه. واعتقد أن القرن الحادي والعشرين يبدو على هذه الشاكلة بالنسبة للكثيرين في العالم العربي.

وهو يوضح أنه عندما نقل ديانة البطل من المسيحية إلى الإسلام فإن ذلك كان راجعاً إلى أنه: «اعتقد أن لديه ما يقوله من وجهة نظر البطل».

ويواصل الحديث: «أعتقد أنني أحسست بأن بمقدوري تفهم مشاعر العداء والكراهية التي يحس بها الكثيرون من المسلمين حيال نظامنا، وما من أحد يحاول رؤية الأمر من هذا المنظور، وأحسب أنني قد خاطرت في غمار ذلك على أكثر من وجهة، ولكن ربما كانت تلك على وجه الدقة هي مهمة الكتاب».

ويتابع أبدايك: في بعض الأحيان أجد نفسي قائلاً: لماذا أقوم بهذا؟ إنني أمضي إلى ما قد يكون موضوعاً شائكاً بالنسبة لبعض الناس، ولكن عندما تمر هذه الظلال بذهني، فإنني أقول: إنهم لا يمكنهم أن يجدو صورة أكثر تعاطفاً، صورة أكثر محبة لبطل من هذا النوع مما قدمته في كتابي.

يبدو البطل شخصية يمكن أن بحبها المرء، أو على الأقل شخصية جذابة، وهو في الكثير من الجوانب الشخصية الأكثر اتساماً بالطالع الأخلاقي والأكثر رصانة في الرواية بكاملها، وهو يكتسب حيوية وتوهجاً من خلال رسمه في المشهد الأبدايكي المألوف، أي المدرسة الثانوية الأميركية.

قال أبدايك: ربما كان جوهر الأمر إنني بعد ذهابي إلى المدرسة الثانوية وبحكم كون أبي مدرساً في مدرسة ثانوية، فإنني مثقل بالعناصر التي تتحكم في القلب والمرتبطة بالمدرسة الثانوية، وعلى الرغم من ذلك فقد خطر لي أنني أقوم بنوع من الخوف الحقيقي فيما يتعلق بإمكانية حدوث ما يقع، فالمدرسة الثانوية على نحو ما أقدمها ليست حافلة بالهواتف والحواسب النقالة.

ويتضمن الكتاب بعض الفقرات باللغة العربية، مكتوبة بحروف انجليزية بحسب نطقها العربي، وفي هذا الصدد يقول أبدايك لقد قرعني ضميري حيال فكرة أنني أضع في الكتاب شيئاً لا يمكننني نطقه.

ومع ذلك فإن اللغة العربية هي لغة فاتنة والأذان يأسر القلب، حتى لتوشك أن تؤمن لتوك لدى سماعه إن كنت من غير المسلمين، ولدى سماعي له كان إحساسي ان تلك لغة ربانية، وحقيقة كونك لا تفهم معناها أنك لا تعرف القدر الكافي عن الذات الإلهية.

وعلى الرغم من اهتمامات أبدايك هذه فإن روايته الثانية والعشرين هي رواية أبدايكية بامتياز مليئة بكل العناصر المألوفة في روايته بما في ذلك أجواء المدرسة الثانوية والصلة التي تربط تيريزا، أم البطل الشاب، بجاك ليفي الاختصاصي الاجتماعي بإحدى المدارس الثانوية.

ويقول أبدايك: لقد كنت سعيداً لأنه في كتابة هذه الرواية كان هناك الكثير مما يمكن أن تدعوه بالأرض المتقلقلة، وعلى سبيل المثال هناك المشهد الذي يبدأ فيه جاك ليفي في ضرب تيري مولوي، أم البطل.

وقد أحسست بأنني أمام مشهد يمكنني معالجته، وهذه اللمحة الرومانسية كانت واقعية للغاية بالنسبة لي على الأقل، وقد أحببت هاتين الشخصيتين لأنهما شخصيتان عاديتان وساخرتان تنتميان إلى عالمنا الحديث بكل مزاياه وعيوبه.

وخلال انتظار صدور رواية «ارهابي»، عكف أبدايك على العمل على إنجاز أحد مجلداته الضخمة المألوفة، ولكنه قال إنه ليس واثقاً مما سيأتي عقب ذلك.

وهو يضيف: طوال عمري، كان هناك عمل واحد أعتقد أن بمقدوري تأليفه، ولكنه عمل واحد فحسب، وطوال حياتي العملية كنت أحس بأنني في قاع برميل ابداعي، فأنا لست مثل دستويفسكي، الذي كانت لديه كراسة حافلة بالأفكار والمشروعات لدى وفاته.

وأنا أحاول أن أتصور في ذهني الكتاب المقبل، وأرى كتاباً ضخماً قليلاً يضم الكثير من الناس بين دفتيه، كتابا من نوعية (حديقة جوسفورد)، ولكنه لا يضم لغز جريمة قتل لأنني لست ماهراً بما فيه الكفاية لتأليف كتاب من هذه النوعية.