منذ السطور الأولى تبدو رواية جون أبدايك الثانية والعشرون التي تحمل عنواناً صادماً هو «إرهابي»عملاً مثيراً للجدل ومفجراً لمجموعة محيرة من التساؤلات وعلامات الاستفهام. من حيث الشكل، فإن أبدايك يطرق درباً لم تعتد قدماه الانطلاق فيه.
فهو يقتحم عالم رواية الحركة والإثارة الحافلة بالشخصيات وبالأحداث التي تدور حول ذاتها بسرعة قبل أن تصل إلى لحظة التصادم الحتمية، ومع ذلك فإنه كما يتساءل بعض النقاد الأميركيين: لم لا ؟ حقاً لماذا لا يقتحم أبدايك هذا اللون من الكتابة الروائية وقد جرب عملياً كل أشكال القص من قبل؟
ومن حيث الموضوع، تثير الرواية الكثير من التساؤلات. فنحن نعلم أن أبدايك كان يعتزم جعل البطل شخصية مسيحية متشددة، ترفض ما حولها وتلجأ إلى الصدام أسلوباً للحوار مع ما ترفضه.السؤال البديهي هنا هو: لماذا غير أبدايك اتجاهه الأول هذا؟ لماذا جعل البطل فتى مسلماً ينحدر من أب عربي وأم من أصول أميركية ـ ايرلندية؟
هل أراد أبدايك القفز إلى قطار الاتهامات الظالمة التي تربط الإرهاب ـ ظلماً وعدواناً بالإسلام والمسلمين؟
إن أبدايك يحرص على أن ينفي ذلك، ويبادر إلى القول إنه كان حريصاً على فهم جوهر الإسلام والسر في كراهية الكثير من المسلمين للسياسات الأميركية، وهو يشدد أيضاً على أن البطل كما يقدمه لنا هو شخصية محبوبة، وان ما يرسمه هو أقرب ما يمكن لهذه الشخصية أن تحلم به من الاقتراب من التعاطف أولاً ومن الفهم ثانياً.
وفي غضون ذلك لا ينسى أن يشيد بالإسلام والمسلمين، ولا يتردد في إبداء إعجابه باللغة العربية باعتبارها، كما يحسها، «لغة ربانية» على حد تعبيره.لكن إلى أي حد يمكن لطروحات أبدايك أن تكون مقنعة بالنسبة لنا؟ والأهم من ذلك إلى أي حد يقدم لنا شخوصاً من لحم ودم؟
هل نحن في مواجهة البطل مع شخصية تعيد إلينا أصداء شخصيات ديستويفسكي؟
أم نحن بإزاء شخصية تعكس اسقاطاً لما يعرفه علماء الاجتماع باسم «نماذج التوفيق»؟
هل نحن أمام مجموعة من الكليشيهات ربطت معاً لتقدم لنا شخصية في موقع البطولة؟
أم أننا أمام شخصية تردد أصداء البطل الإغريقي بسقطته التي تودي به في نهاية المطاف؟
وما هي السقطة في هذه الحالة؟
وهل هي وليدة الشخصية؟ أم أنها ابن مدينة نيو برسبكتف بكل ما تجسده وما ترمز إليه؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ليست لنا، فهي لا يمكن أن تكون كذلك، نظراً لتعقيدها البالغ وطبيعتها الشائكة، وإنما هي لعدد من النقاد الأميركيين الذين بادروا بالتصدي لهذا العمل تحليلاً وتشريحاً ومحاولة للاقتراب من عالمه الداخلي.
البداية هنا مع الناقدة جنيفر رييز في مقال مطول لها نشرته مجلة «انترتينمنت ويكلي»، حيث تشير إلى أن أبدايك يبلور في هذه الرواية وجهة نظر قوية حول موضوع معاصر يستكشف من خلاله عالماً مختلفاً تماماً عن عالم الضواحي ذات الشوارع التي تحفها الأشجار والذي ألفناه في روايات أبدايك السابقة.
وهي لا تتردد في وصف رواية أبدايك الثانية والعشرين بأنها رواية مرتبكة، وعمل درامي محسوم على نحو مبالغ فيه، تنطلق في رحابه شخصيات حضرية، لا يستطيع أبدايك أن يجعلها تمتلئ بالحياة وبالحركة على الرغم من استعانته بألوانه الوافرة وضربات فرشاته الرائعة.
وتتوقف رييز عند البطل طويلاً، وتشير إلى عدم قدرته على التفاعل مع العالم المحيط به في مدرسته الثانوية، فما من أحد يثير اهتمامه في هذا المحيط ربما باستثناء السمراء المغناج جوريلين غرانت وصديقها الذي يقترب من شخصية رجل العصابات والذي يدعى تايلينول والاختصاصي الاجتماعي بالمدرسة جاك ليفي وزوجته بيث التي تعيد إلى أذهاننا صورة هائل كلي الحضور.
وإذا كانت شخصية بيث هي التجسيد اللحمي لأميركا، فهل من العجيب أن يمقت البطل الولايات المتحدة؟ هل يدهشنا أن يرغب في الهرب من هذا الجحيم إلى نعيم يختاره بطريقته الخاصة؟
هكذا فإن جنيفر رييز ترد على الأسئلة بعلامات الاستفهام، فنجد أنفسنا أمام رحلة دائرية تعود بنا إلى حيث بدأنا من دون أن نقترب بصورة حقيقية من عالم رواية أبدايك الجديدة.
يقدم الكاتب براد زيللر في مقال آخر مطول بصحيفة «ستار تريبيون» محاولة أخرى لفهم رواية أبدايك، ويشير إلى أن أبدايك هو الوحيد بين مبدعي جيله، الذي لا يزال يواصل باستمرار وباقتدار اقتحام العالم الهادر للحظة الراهنة بدقة تكاد تكون مخيفة.
وانه قد قام بالكثير من العمل البحثي قبل أن يقترب من الخلفية الإسلامية لبطل روايته الجديدة.
ويشير زيللر إلى أن فكرة الكتاب نفسها ربما ستبدو لأول وهلة فكرة مستحيلة وغير مقنعة، لكنه يستدرك على الفور تقريباً، مشيراً إلى أن أبدايك أفلح في أن يقدم آلية مقنعة تماماً لنقد بالغ الحدة للمجتمع الأميركي في القرن الحادي والعشرين.
وهو يعرب عن اعتقاده بأن بطل الرواية يبدو لنا شخصية مقنعة لأن أبدايك يرصد التناقضات والفوضى في حياة فتى مراهق يتعرض لضغوط بالغة القوة إلى حد السحق.
ويذهب زيللر في ختام تناوله المطول للرواية إلى القول :إن من الصعب أن يشعر المرء بخيبة الأمل حيال نهاية رواية أبدايك، التي لا يتردد في وصفها بأنها رواية مؤثرة وتعكس انجازاً حقيقياً على الرغم من كل ما فيها من مخاطرات خاض المؤلف غمارها.
ويلفت اميتاف جوش نظرنا في مقال نشرته صحيفة «واشنطن بوست» إلى أن أبدايك بذل جهداً كبيراً للاقتراب من الإسلام قبل كتابة روايته. فهو لم يقرأ كثيراً عنه فحسب، وإنما لجأ إلى الثقافة المختصة لينهل من معينها، واستناداً إلى هذا حاول أن يقدم عملاً إبداعياً مختلفاً، لكن هذا العمل.
في نهاية المطاف، قطعت استمراريته عناصر اعتراضية تتعلق بأميركا المعاصرة والأمن القومي والسياسة الخارجية والثقافة الشعبية والتقنية وغير ذلك كثير.
ويشير جوش إلى الحضور المكثف لأميركا في العمل والغياب الواضح لكل ما يتعلق بالإنسانية، العائلة الصداقة، الرياضة، الشعر، الحب والضحك.
وهو لا يتردد في القول :إن رواية أبدايك توحي كما لو أن الإيمان بنزعة تعدد الثقافات الأميركية هي السبب الوجيه الوحيد الذي يدفع الإنسان للبقاء على قيد الحياة.
ويضع موقع «أمازون» الالكتروني يدنا على منظور جدير حقاً بالتوقف عنده بالقول إن رواية «إرهابي» هي تشريح مخيف لعقلية استحواذية، وقصة مثيرة للانزعاج ومع ذلك فإنها ضروروية لعالمنا المعاصر اليوم.
وبالإضافة إلى ذلك فإن تمكن أبدايك يقدم لنا عملاً بالغ الثراء والفني في نثره ونسيجه وتفاصيله إلى حد أن الشخصيات تكاد تقفز من الصفحات.
ربما كان هذا صحيحاً، ولكن ذلك بالقطع لن يمنع البعض من الاعتقاد بأن أبدايك في إطار حرصه على اللحاق بقطار القضية التي تشغل الجميع قد انزلقت قدمه، على نحو ما، وخرج بما هو أكثر من الكدمات والخدوش،على الصعيد النقدي.
* الكتاب: إرهابي
* الناشر:الفريد نوف - نيويورك 2006
* الصفحات: 320 صفحة من القطع المتوسط
Terrorist
Terrorist
John Updike
A.Knopf- N.y 2006
p.320
