إنها سيرة خصبة لمثقف وأكاديمي فلسطيني عاش 75 عاماً في حيّز جغرافيّ محدود قياساً إلى الحياة السياسية والفكرية التي عاشها في خضم ومتاهات السياسة العربية والدولية وفي زمن اتّسم بالكثير من التحوّلات والمفاجآت.

أو فلنقل في زمن انكسار الأحلام واحداً تلو الآخر بالنسبة لمفكر مناضل كان على مقربة من المسؤولين البارزين في منظمة التحرير الفلسطينية والكثير من الزعماء العرب باعتباره مديراً لمركز الأبحاث الفلسطيني، ورئيس تحرير لدورية شؤون فلسطينية، وكان دأبه تأكيد أهمية القلم والثقافة في السيرورة السياسية والنضالية الفلسطينية والعربية.

وبذلك فإنه سوف يؤكّد في تقديمه للكتاب أنه عاش جلّ حياته داخل صومعة الفكر والسياسة ولم يخرج في حياته العملية عن دائرتين ضيقتين: عالم الثقافة والقلم، وعالم النضال الوطني نظراً لأن فلسطين كانت بمثابة الإطار المرجعي والمحور الذي ستتكاثف عليه كلّ هذه السيرة المسرودة بضمير المتكلّم، منذ البدايات الأولى وعلاقاته مع الحاضنة والمحيط، ليتصدّر تاريخ العائلة القسم الأول من الكتاب.

حيث يتابع القارئ حركة انتقالاتها في الجغرافيا الشامية: لبنان، سوريا، وفلسطين في زمن له خصوصيته التاريخية كزمن استعماري هيمن على بلاد الشام والبلدان العربية الأخرى.

وما أفرزه هذا الوجود من حراكات مختلفة في أوساط الإنتلجنسيا العربية، وليتابع من ثمّ رصده لها لمرحلة ما بعد الاستعمار والنضال الوطني الفلسطيني وعلاقات منظماته وفصائله. وعلى اعتبار أن فنّ السيرة الذاتية، هو فنّ إخباريّ سردي تأريخي لوقائع محددة من حياة كاتبها من الناحية البنائية.

إلاّ أن المؤلّف، وبخبرته الكتابية سيسعى إلى الارتقاء بلغته لتقارب النصوص الإبداعية شكلاً ومضموناَ، حيث يتابع القارئ تعاقب الأحداث بشغف وكأنه يقرأ رواية مشوّقة يصعب عليه تركها، وهذه مزية تضاف إلى شهادة من مفكّر عايش مشاهير الفكر والسياسة في لحظة زمنية ذات خصوصيّة.

وهي إلى ذلك شهادة لا تخلو من أناها الخاصّة والرغبة الكامنة في الدفاع عن الذات والموقف الفكري والسياسي، ونعتقد أنها لو كانت كتبت قبل فترة من الزمن، ولنفترض هنا التسعينات مثلاً، لربّما طالها الكثير من التغيير في أحكام مؤلّفها، لأن المستجدات السياسية خلال هذه الفترة غيّرت الكثير من القناعات والمواقف السابقة، وأكّدت غيرها مما كان لا يستحقّ التفكير فيه.

وبالرغم من أن الرؤية الفكرية للكاتب لم تكن منسجمة مع الوعي الجديد في الألفية الجديدة وما حملته معها من متغيّرات بنيوية على صعيد العالم عموماً، والشرق الأوسط تحديداً، إلاّ أنها في الوقت نفسه، استفادت من هذه المتغيّرات في ما يخصّ عملية التقييم، ونعني بذلك تغيّر لغة الخطاب ذاته ما بين الأمس واليوم.

ومن هنا يمكن تقييم شهادته عن الزعيم الفلسطيني الأشهر ياسر عرفات، بأنها مزجت ما بين الذاتيّ والموضوعي إلى حدّ ما، وإن تغلّب الجانب الذاتي الذي انطلقت شرارته منذ اللقاء الأوّل بينهما، حيث عندما قُدّم لياسر عرفات على أنه مدير مركز الأبحاث، سيمدُّ عرفات يده بفتور قائلاً: بتاع الشقيريّ؟

ولربّما هذه الشرارة الأولى ستدفع بالخطاب نحو وجهات أخرى، وستعبّر كثير من الفقرات عما كمن في النفس من مرارات وخيبات في العلاقة مع مسؤول كبير بهذا الحجم، وسيسعى المؤلّف لتدوينها وكأنّهما ندّان حقيقيان في ساحة مبارزة ولا يلتقيان، وهذا المسعى ربّما يأتي من إشكالية العلاقة ما بين السياسي والمثقّف، فالودّ بينهما في العموم مفقود نظراً لاختلاف العقلية وزاوية الرؤية بالنسبة للأولويات.

وغالباً ما ينطلق المثقف من أهمية الثقافة والفكر في الشأن العام، بينما يسعى السياسيّ إلى تهميش هذا الدور باعتباره سلطة ينبغي على المثقفين الانضواء تحت لوائها نظراً لخصوصية الوضع السياسيّ والظروف الحرجة وما إلى ذلك من عبارات ما زالت توظّف بهذا الشكل أو ذاك في زمن الاستبداد العربي الذي طال كثيراً وساء كثيراً أيضاً.

بعد أن تمّ تقزيم المثقف وتبخيس جهوده في الحياة وفي عملية التقدّم الاجتماعي والسياسي.ومن هنا فإنه في حديثه عن العلاقة بعرفات سيركّز كثيراً على موضوع الاستقلالية إبّان استعراض الخلاف بينهما، حيث يذكر في أحد المقاطع أن عرفات لم تكن لديه مآخذ واضحة وصريحة ومباشرة على إدارة مركز الأبحاث.

لأن المركز منذ صدور قرار إنشائه كان مستقلاً استقلالاً ذاتياً غير خاضع لأيّ جهاز في منظمة التحرير ومستقلاً في الوقت نفسه عن فصائل المنظمة المختلفة. بينما في المقابل وبتعبير المؤلّف كان يريد أن تكون التعيينات والاستكتابات تصدر عنه، أو على الأقل بعد التشاور معه وأخذ موافقته.

إذ إنه في الغالب كان يتعامل مع المركز كما كان يتعامل مع هيئات منظمة التحرير ودوائرها «بتقسيم الدوائر والمنح حسب الفصائل وعلاقاتها معه شخصياً، وليس حسب الكفاءات والحاجات والانتماء لفلسطين». وكما هو واضح في العبارة الخيرة (والانتماء لفلسطين)، فإن القارئ سيلاحظ طغيان الجانب الذاتي في تناول المشكلة والدفع بها نحو وجهات غير مستحبة في تقييم شخصية كياسر عرفات.

إذ لاحظنا أن المؤلّف سعى بمقصدية واضحة إلى إدانة عرفات كخصم شخصيّ له ولمركز الأبحاث عبر الكثير من الحكايات والمواقف التي رواها، ليبدو عرفات وكأنه لا همّ له في تلك الظروف العصيبة سوى تفتيت المركز أو تخريبه لأن أنيس الصايغ يترأسه.أما بالنسبة لانتمائه للحزب السوري القومي، فإنه سوف يفرد فصلاً خاصاً ومطوّلاً.

سيما وأن الحزب كان استقطب الكثير من النخب الفكرية والثقافية في بلاد الشام بعيد تقسيم فلسطين، وتبيّن مدى اهتمام الدول الاستعمارية في تفتيت وحدة بلاد الشام كمركز فعّال للفكر القومي وللنضال الوطني ضد الصهيونية. وبذلك فإن المؤلّف سوف يذكر أن أكثر من نصف أفراد العائلة انضموا إلى الحزب، واستلموا فيه مراكز قيادية متفاوتة.

بل إنهم تركوا بصمات واضحة في تاريخه ومسيرته الطويلة، وعلى حدّ تعبيره لم يكن غريباً أن يتأثر أشقاؤه بالعقيدة السورية القومية من حيث تشديدها على الواجب القومي والعلمانية ومناوأة الطائفية، ومن حيث مقاومتها للمخططات الصهيونية. وبالتالي فإنه يمكننا اعتبار هذه المحطة تلي مباشرة محطّة سيرة العائلة من حيث الأهمية، فهي من الناحية السردية بمثابة إطار مرجعي فكري وسياسي وذي دلالة على توجّهاته الفكرية الوحدوية التي لم تكتف بنظرية الحزب القومي ودعوته إلى وحدة بلاد الشام.

وإنما تجاوزتها إلى العقيدة القومية العربية، وسيفسّر ذلك من خلال استعراضه لمسيرة الحزب أيام زعيمه أنطون سعادة وما بعد سعادة، والخلافات التي نشبت بين العقليتين ناهيك عن الصراع الذي استجدّ ما بين القومية السورية والقوميين العرب. وبإمكان القارئ المهتم العودة للكتاب للاطلاع على كثير من التفاصيل التي يرويها كشاهد عيان لعب وأسرته دوراً مهماً في تطوير نظرة الحزب باتجاه البعد العربيّ.

وبعد إعدام أنطون سعادة وتسلّم جورج عبدالمسيح قيادة الحزب واشتداد الصراع بين مؤيّد ومعارض للتوجّهات الفكرية القومية، يخبرنا المؤلّف انه غادر الحزب نتيجة لكثير من المواقف والتصرّفات للقيادة الجديدة، ليتحوّل باتجاه العقيدة القومية العربية، وستتبلور أفكاره الجديدة عبر خمسة كتب ظهرت تباعاً ما بين 1958 ـ 1966.

وفي فصل لاحق يتناول المؤلّف جانباً من رحلاته وأسفاره إلى مدن العالم المختلفة، ويدوّن بمرارة الكثير من الأحداث المؤسفة التي حدثت له في المطارات العربية ورجال أمنها، وهو المفكّر والحامل لجواز سفر دبلوماسي.

ولكنه من جانب ثان سوف يشيد بالكثير من المدن العربية والغربية التي زارها، ومن ذلك دمشق على سبيل المثال، حيث يقول: أنا دمشقيّ الهوى، أقول ذلك علناً وبصوت جهوري، ولست أدري إذا كان العنصر الحوراني في انتمائي المثلث (الفلسطيني اللبناني السوري) هو مبعث هذا الهوى، أم أن الفضل يعود لفضائل المدينة... وهل هي صدفة أن يوزّع قلبي بين مدن ثلاث تشكّل رموزاً لانتماءاتي، وان دمشق الثالثة بين الأوائل بعد طبريا وبيروت.

عزت عمر

* الكتاب: أنيس صايغ عن أنيس صايغ

* الناشر:رياض الريّس للكتب والنشر ـ بيروت 2006

* الصفحات:534 صفحة من القطع الكبير