الباحث الأثري، الدكتور عدنان البني له من البحوث : أعمال التنقيب في سيانو، مجلة دراسات تاريخية 1993. الكتابة المسمارية وإيبلا 1981، إيبلا من الألف إلى الياء 1984، وأبولو دور الدمشقي 1990. وفي كتابه هذا بين التراب والتراث يأخذنا برحلة إلى شواطئ الزمن البعيد في ضوء المكتشفات الأثرية الحديثة.

ففي ميدان بدايات النوع الإنساني، بدأت القصة المثيرة منذ بضعة ملايين من السنين، وفي إفريقيا الشرقية، هناك تمّ اكتشاف هيكل عظمي لأنثى عاشت منذ ثلاثة ملايين عام ونصف وجد هذا الهيكل في إقليم (عفار) بجمهورية جيبوتي ويستدل من خصائص الهيكل العظمي أن قامتها كانت بحدود متر وعشرة سنتيمترات، ووزنها حوالي ثلاثين كيلوغراماً، وتسير منتصبة على قدميها.

وقد تستعمل ما يقع لها من خشب أو حجر، ولكنها لم تكن تعرف صنع الأدوات الحجرية، إذ أن معرفة ذلك كان بعد زمنها بحوالي مليون ونصف مليون عام.

أسماها أعضاء البعثة الدولية الفرنسية ـ الأمريكية (لوسي)، و(لوسي) هذه لها مزايا بشرية، لكن دماغها صغير لا يزيد عن 500 سم مربع، وإفريقيا تتمتع بمناخات معتدلة ملائمة لحياة الإنسان، كانت نهايات الدور الثالث ومطالع الدور الرابع الجيولوجي، لذلك كانت (لوسي) بيضاء البشرة.

وما دمنا في إفريقيا، سنعرض لأنثى أخرى عاشت منذ قرابة مئتي ألف عام، أي في البليوستوسين الأوسط من الدور الجيولوجي الرابع وفي زمن موات مناخياً.

وقد أخذت عينات من مشيمات العديد من النساء في أماكن متفرقة من العالم وعزل منها DNA الجسيمات الكوندرية، وأنشئ نوع من شجرة نسب للنوع البشري، فكانت المفاجأة الكبرى.

ان السلف المشترك لجميع الشعوب (الحالية)، كانت أنثى عاشت منذ حوالي مئتي ألف عام، وفي إفريقيا على الأرجح، مما يدل على أن مجموعة صغيرة من الناس انطلقت من هناك لتعمر العالم من جديد بعد وقوع حدث ما على الأرض.

ظهرت عبادة الربّة الأم، التي كانت المعبود الأول والأقدم في كل المجتمعات البدائية.

وقد ظهرت في بلادنا منذ أكثر من عشرة آلاف سنة قبل الآن، في مواقع عدة أشهرها: تل المريبط على الفرات، وتل أسود قرب دمشق.

ولما كانت المرأة في اعتقادهم العامل الفاعل الأوحد لتكون الفائدة، لذلك يجب أن تكون قوية، تنجب التوائم وتشبع البطون الجائعة، إنها كملكة النحل يجب أن تؤمن للجماعة خير الغذاء وأكثره، ولا بدّ أن تقدم لها طقوس العبادة وأن تمثل ربة قوية عظيمة الثديين والبطن والردفين.

إن المحاسبة في الشرق القديم تطورت على مراحل، فقبل الزراعة كان الصيادون واللاقطون قلما يحتاجون للمحاسبة، ومنذ عشرة آلاف سنة كانت المحاسبة على شكل حزوز على قطع العظام، وعند بدء الزراعة حوالي الألف الثامن قبل الميلاد اخترعت طريقة الأشكال الصينية.

وفي أواخر الألف الرابع قبل الميلاد التي رافقت نشأة المدن تضاعفت الحاجة إلى المحاسبة وتعقدت عمليات التجارة وظهرت الرقم التي تحمل الكتابات التصويرية والأرقام المجردة وهذه الرُقُم كانت نقطة الانطلاق في المحاسبة الحديثة.

إن الإنسان في عصر البرونز كان يتكلم ويكتب بصورة أكيدة، ومن ماري حتى إيبلا وأوغاريت، وفي الشمال والجنوب والشرق والغرب واحدة أو أكثر من لهجات الجزيرة العربية، أكادية كانت أم أمورية ـ كنعانية أو أرامية وغير ذلك.

لقد كانت الزراعة في شكلها البعلي والمروي، العنصر الأقوى والحاسم في استقرارهم وبخاصة في مناطق محددة تدل عليها كثافة المواقع الأثرية شمال خط جبل سنجار وجبل عبدالعزيز حيث المياه الغزيرة والنسبة المطرية العالية، وكذلك في وادي الفرات وروافده ونهر العاصي وسهول حلب وسهول الساحل، لقد حصل في هذه الأرجاء استقرار بعد نشاط رعوي وتنقل طال أو قصر.

كانت الثقافة الهيلينستية معيناً لا ينضب بالنسبة للرومان الذين أغنوا تراثهم اللاتيني الضعيف، ورغم انتشار اللغة اليونانية المشتركة، فإنها لم تخرج لدى السوريين عن نطاق النخبة والطبقات العليا في المدن والمراكز والتجمعات السكنية المحدثة، وظلت الآرامية سائدة لدى طبقات الشعب الأخرى، وكانت الآرامية طاغية في أسماء المواقع والأماكن وأسماء الأعلام.

أما البوادي الشرقية والجنوبية فإن العربية غير المكتوبة كانت هي المستعملة، واقتصرت اللاتينية خلال الحكم الروماني كله على أوامر الإمبراطور والشؤون الخاصة للحاكم والجيش وما تبقى يكتب باليونانية والآرامية.

على أن العامل الذي سهّل التمازج الثقافي السوري اليوناني هو تشابه المعتقدات وطقوسها، وبصورة أخصّ الأرباب السورية للأرباب اليونانية المختلطة مع تمثل الأرباب الرومانية بسهولة، والمعبودات اليونانية الرومانية أصبحت ضيوفاً مرحباً بها في المعابد السورية القديمة ساحلاً وداخلاً وقد جددت هذه المعابد شبابها لاستقبالهم.

إنّ أهم عنصر في الحضارة الهيلينستية والرومانية في سوريا كان تأسيس المدن، فقد أعاد سلوقوس الأول تأسيس عدد من المدن، يذكر المؤرخ إيبانوس أن عددها وصل إلى السبعين، وأبرز هذه المدن أنطاكيا العاصمة التي عمدها سلوقوس باسم أبيه أنطيوخوس، وسلوقية البحر التي اشتقتها من اسمه لاوديكية البحر (اللاذقية) التي خلد بها أمه، أما زوجته الفارسية، فقد أطلق اسمها على مدينة أفاميا في سهل الغاب.

وفي أيام السلوقيين نبغ في سوريا علماء وكتّاب في مقدمتهم الفلاسفة زينون الصيداوي وهو مؤسس الرواقية وأنطيوخوس العقلاني الذي أسس عدد من الأكاديميات في سوريا نفسها.

وكان منهم أبو سيدونيوس الأفامي الفيلسوف وعالم الطبيعة والفلكي والمؤرخ والشاعر أنتيباتر الصيداوي وميلياغر الجدري الذي يمثل الروح الهيلينستية. في العصر الإسلامي أسهم المؤرخون والإخباريون والجغرافيون والرحالة العرب والمسلمون إسهاماً جلياً في تعريف العالم بالآثار والمواقع الأثرية المنتشرة في بلادهم وخارجها، بين الصين والأندلس، فقد أرسل الخليفة العباسي الواثق بالله بعثة لاستكشاف بحر الخزر وسد الصين.

وقصدت بعثة استكشافية في عهد المقتدر بالله بلاد الترك والخزر والروس الصقالبة.

وكان لبعض الملوك العرب المسلمين نوع من المتاحف يحفظون فيها الآثار التاريخية، فقد احتفظ العباسيون بتحف من مخلفات أسلافهم الأمويين، وذكر المقريزي أن الفاطميين أنشأوا بيوتاً للتحف الأثرية سمّوها (خزائن) كخزينة الجوهر وخزانة الأسلحة وخزانة الفراش.

يتحدث الكتاب عن المؤلفات التاريخية، فيورد ذكر كتاب الأصنام لابن الكلبي وكتاب الإكليل للحسن الهمذاني وكتاب الإفادة والاعتبار للطبيب الرحالة عبداللطيف البغدادي، كما يورد أسماء أهم الرحالة والجغرافيين العرب والمسلمين ، كابن خرداذبة في كتاب (المسالك والممالك) واليعقوبي في مؤلفه (كتاب البلدان) والمسعودي في كتابه (مروج الذهب ومعادن الجوهر)، وما وصفوه في مؤلفاتهم من مدن وطبيعة وأشياء شاهدوها بأم أعينهم .

كذلك يعرض الكتاب لابن حوقل المتوفى في القرن الرابع الهجري ، والذي كان اهتمامه بالجغرافيا والتاريخ أكثر من الأوابد والمواقع، والمقدسي المتوفى حوالي 380 هـ الذي يعتبر جغرافياً قبل كل شيء وكتابه (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم) هو نموذج الكتاب العلمي المرتب والمبوب والمتمتع بالنقد العلمي، وأفضل مؤلف في الجغرافيا العامة، ويستفاد من بحوثه لأغراض أثرية مهمة.

كذلك ابن جبير، المتوفى في 674 هـ الذي يتمتع بالفضول العلمي، فهو يقيس بنفسه أبعاد الأوابد التي يزورها ويستوضح وينسب الكلام لقائله.

وكان ياقوت الحموي، المتوفى سنة 625 هـ أميناً في نقله عن الآخرين ويورد المصادر التي أخذ عنها، واشتهر الهروي، المتوفى في 611 هـ بجمعه للآثار والعناية بها واقتنائه للأشياء الثمينة والنادرة وقد جمع تماثيل ومتحجرات قديمة.

وابن فضل الله العمري في مؤلفه الشهير (مالك الأبصار في ممالك الأمصار) الذي يتطرق فيه كثيراً للآثار ويأتي على مجالات لم يتطرق إليها غيره.

حفل الكتاب بالكثير من الصور الأثرية والخرائط والسبائك والرسوم والنقوش والجرار ، فكان ببلوغرافيا للآثار في سوريا.

فيصل خرتش

*الكتاب: بين التراب والتراث

*الناشر: وزارة الثقافة - دمشق 2005

* الصفحات: 232 صفحة من القطع الكبير