مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب محمد نوار والذي يحاول من خلال عمله الذي نعرض له هنا تقديم التجارب النهضوية لعدد من الدول من مختلف قارات العالم التي استطاعت أن تجد لها مكانا على الخريطة الاقتصادية بل والسياسية للعالم بعد ما كانت تعيش أوضاعا يرثى لها من قبل.
ويقوم محمد نوار بتقديم تلك التجارب من خلال عيون بعض المصريين الذين عاشوا تجارب هذه الدول سواء من خلال عملهم بها أو تعرضهم لأوضاعها بالدراسة. وحسبما يوضح المؤلف فإن مسعاه من ذلك هو أن تتم الاستفادة من هذه التجارب ووضعها نصب الأعين عند التفكير في إقامة تجارب نهضوية مماثلة سواء في مصر أو في الوطن العربي ككل.
ويركز المؤلف تناوله على عدة تجارب يرى أنها تعكس الفكرة الأساسية لموضوعه وهى تجارب اليابان والصين والمانيا والهند وماليزيا باعتبار ان هذه البلدان كانت حتى وقت قريب تعد في مصاف الدول غير المتقدمة او على الأقل التي تم تدمير نهضتها غير أنها نفضت عن نفسها ركام التخلف لتحتل موقعا متقدما بين تجارب التنمية في العالم.
من التجربة اليابانية يبدأ المؤلف حديثه عن التجارب النهضوية الحديثة. وعن معايير اختياره لها يوضح أن ذلك جاء لعدة أسباب يأتي على رأسها أن اليابان في الوقت الحالي تضع أقدامها وبكل ثقة على قمة الهرم العالمي من حيث التقدم العلمي والتكنولوجي والاقتصادي والاجتماعي ورغم هذا كله لم تتخل عن هويتها وخصوصيتها.
فرغم التقدم الياباني إلا أن أحدا لا يستطيع أن ينكر المظاهر التي يحياها هذا البلد والتي تؤكد أنه بلد له حضارته وتاريخه الضارب العريق. وعلى ذلك يشير الى أن أحد أبرز ملامح النهضة اليابانية عدم التفريط في مظهرها وعمقها التاريخي على الرغم من أن ما تعرضت له من دمار خلال الحرب العالمية الثانية كان كفيلاً بأن يقضي عليها لمئات السنين المقبلة.
ومن المعايير الأخرى التي يشير اليها المؤلف وهى معايير تصب في ذات الإتجاه الذي يؤسس عليه مادة كتابه وتتمثل في اتخاذ العظات والعبر من نهضة الآخرين فيتمثل في حدوث النهضة اليابانية رغم الظروف التي كانت تواجه اليابان وكان من الممكن ان تمثل عقبة أمام نهضتها.. ومن ذلك مثلا ما يذكره المؤلف بخصوص الظروف المناخية لليابان والموارد الطبيعية، حيث أنها لا تؤهلها بأي حال من الأحوال أن تتبوأ أي مكانة عالمية في أي من المجالات.
غير أن اليابان تمتلك ما هو أكبر وأهم من كل الموارد الطبيعية وهو الإنسان الياباني وقدرته على تحدي الصعاب وتحدي قسوة الطبيعة والاهتزاز اليومي للأرض تحت قدميه ليؤكد للعالم كله أن التقدم والحضارة لا يصنعهما سوى الإنسان.
ومن أبرز القيم التي يتم ترسيخها في الإنسان الياباني القدوة. وعن هذه القيمة ينقل لنا المؤلف عن أحد من تابعوا التجربة اليابانية بالبحث والدراسة موقفا لإمبراطور اليابان إبان انتهاء الحرب العالمية الثانية حيث قام بتوقيع معاهدة تقر بالهزيمة على ظهر إحدى البواخر ثم نزل وسار بين الناس وقد كانوا معتادين على الانحناء له، ولم يكن أحد يستطيع أن يرفع عينيه للنظر إليه إلا أنه عندما عاد من هذا الموقف قال لهم ان هذا الأمر قد انتهى ولابد لنا أن تكون تحيتنا للوطن
وقام بوضع بساط على أرض القصر وأتى بمعظم مجوهراته ووضعها أمام الناس قائلا «لكي نبني اليابان سأبدأ بنفسي»، فكانت النتيجة أن شعبه كله أخذ يبكي لسببين أولهما أن إمبراطورهم قد اهتزت صورته ووصل به الحال إلى هذا الأمر. وأما السبب الثاني فقد كان حزنا على الحال التي وصل اليها بلدهم، ومن ثم أخذ الناس جميعا بلا استثناء يأتون بذهبهم وفضتهم ووضعوها على البساط الذي وضعه الإمبراطور، ومن هنا بدأ اليابانيون من جديد بعد تجربة الحرب المريرة التي أتت على الأخضر واليابس في بناء بلدهم.
من العناصر الأخرى التي يتم التركيز عليها في بناء الإنسان الياباني من بداية نشأته الى الحد الذي أصبح من الممكن معه تحويله الى ذلك الإنسان القادر على تحقيق إنجاز مثل ذلك الذي تعيشه اليابان اليوم، كانت أهم تلك العناصر هي العقيدة والتي يتلخص مفهومها عند الشخصية اليابانية ـ كما يعلق أحد المشاركين في هذا العمل - في كلمة الضمير،
والمقصود هنا هو أن يقوم الإنسان بأداء عمله بشيء من الرقابة الذاتية لنفسه دون الحاجة لوضع الرقابة السلطوية له في المقام الأول ضمن العناصر المحددة لجودة العمل وهو ما يستطيع أي زائر لليابان أن يراه بوضوح فلا ترى عاملا في اليابان أيا كانت مهنته إبتداء من عسكري المرور وإنتهاء بالقاضي أوغيرهما إلا ويمثل له ضميره الرقيب الأول وكل شئ عند أدائه لعمله.
أما ثاني تلك العناصر التي يتم ترسيخها خاصة في الطفل الياباني فهي مجموعة من الأخلاق التي اشتهرت عن اليابانيين مثل عزة النفس وإنكار الذات والتواضع وحسن المعاملة والاحترام المتبادل بين الكبير والصغير هناك، وكما يذكر أحد المشاركين في هذا الكتاب بشهادته عن الفترة التي قضاها في اليابان فإنه خلال إقامته هناك لم يسمع في مرة من المرات أحدا يشتم الآخر.
أما ثالث العناصر التي يتم غرسها في الشخصية اليابانية ابتداء من الصغر أيضا فهى صفة الانتماء، وهو أمر تتضح محوريته في التجربة اليابانية بشكل قد يفوق أي دولة أخرى. حيث أنه في اليابان يتخذ بعدا مختلفا ومفهوما أكثر صرامة.
ويحاول المؤلف ان يثري مادة كتابه بتجارب حياتية معاشة فيذكر ما يرويه أحد المتحدثين عن تجربته التي عاشها في اليابان، حيث يقول لنا انه عندما سافر إلى هناك كان لديه من المال القليل جدا الذي يكفي بالكاد لحياة شديدة التقشف، غير أنه مع ذلك كله كان سعيدا جدا هناك،
والسبب وراء ذلك كما يرويه هو أنه كان لحظة أن يغيب عن المعهد الذي يدرس به كان يكتشف أن اسمه قد طاف المعهد كله تساؤلا عن السبب وراء غيابه كما لو أن المعهد متوقف عليه هو، فيقول ولذلك «شعرت بقيمتي كإنسان ونسيت الطعام والفلوس»، حتى أنه كما يصف عاد من هناك ووزنه 67 كجم بعد أن كان أكثر من 90 قبل أن يسافر إلا أنه كان في غاية الصحة والسعادة لأنه تعلم أهم ما يمكن للإنسان تعلمه وهو كيفية بحث الإنسان عن ذاته وإسعاده لنفسه. ويعلق على هذا الأمر قائلا :
«ان البحث عن الذات يجده الإنسان في نفسه وممارسة هوايته وليس في البحث عن النقود والجري وراءها، فماذا تعني النقود وأنت لا تجد نفسك»، ولذلك فإن أحد أهم العوامل التي كانت ضمن الأسس التي قامت عليها التجربة اليابانية هي إحساس الإنسان بقيمته وبذاته فهم يشعرون الشخص بأن البلد بدونه سوف ينتهي مما يؤدي إلى أن تكون ثقته في نفسه كبيرة، وفي أن أهميته لا تقارن بالمال، الأمر الذي ينعكس وبشكل غاية في الإيجابية على عمله وعلى إنتمائه لمكان عمله وبلده.
والنتيجة التي يخلص اليها الكاتب من استعراضه لهذه التجربة هي أنه اذا أردنا وطنا ما فإن أول ما يجب علينا هو أن نبني الإنسان الذي يعيش في هذا المكان شريطة أن نضع له المثل والقدوة التي يقتدي بها. من التجربة اليابانية التي استحوذت على مساحة كبيرة من الكتاب الى التجربة الصينية متناولا إياها من خلال بعض من عاشوها.
ويقدم لنا المؤلف هنا سردا لبعض أهم الأحداث التاريخية التي مرت بها الصين على مدار النصف الثاني من القرن العشرين والسياسات الحكيمة التي تستند أولا وأخيرا إلى العقل والحكمة الصينية التي اتبعتها الحكومة الصينية والتي بدأت أول ما بدأت بجهود حثيثة لتوحيد أجزاء الوطن الصيني الذي قطعته الحروب، والمثال على ذلك جزيرتي «هونغ كونغ ، وماكاو»
وأخيرا جزيرة تايوان التي لايزال النزاع قائما حولها بين الصين من جهة والحكومة التايوانية والغرب من جهة أخرى. غير أن العبقرية الصينية تجلت في التعامل مع مثل هذه القضايا من خلال العمل بما أسمته «سياسة دولة واحدة ونظامان»،
فعلى الرغم من اتباع الصين لسياسات اقتصادية وإدارية معينة إلا أنه عند توحيد هذه الجزر وعودتها للوطن الأم لم يتم إرغام أهالي سكان تلك الجزر على التخلي عن الأنشطة التي يعملون بها طوال سنوات الاحتلال الغربي لهذه الجزر والتي اعتادوا على ممارستها والتربح منها، بل شرع لهم القانون الصيني الاستمرار في أعمالهم دون الإضرار بهم ودون أن يحول ذلك دون عودتهم إلى أحضان وطنهم الأم الصين .
وتتجلى أيضا العبقرية الصينية من خلال السياسة الخارجية التي اتبعتها وتتبعها الصين، فعلى الرغم من أنها قد تبدو على خلاف مع معظم دول الغرب وخاصة الولايات المتحدة، إلا أنها تعمل من جهة أخرى على ألا يكون لهذا الأمر تأثيره على حركة نمو الاقتصاد الصيني، وعلى ذلك فإن أي متابع للشأن الصيني سوف يلحظ استمرار التعاون الاقتصادي الصيني الأميركي دون التأثر بالقضايا الخلافية بين الجانبين حتى أنك لا تجد مدينة صينية، حسبما يذكر المؤلف، إلا وبها مشروع صيني أميركي مشترك!
ومن ناحية أخرى، فإننا نجد رغم ملامح الخلاف بين بكين وواشنطن أن العديد من الطلاب الصينيين يذهبون للولايات المتحدة للدراسة ويعودون إلى بلادهم بتكنولوجيا أميركية من أجل تنمية بلدهم.
ألفت عبد الله
* الكتاب: العالم في عيون مصرية
*الناشر:جهاد للنشر والتوزيع - القاهرة 2006
*الصفحات: 138 صفحة من القطع الكبير
