مؤلفا هذا الكتاب: أحمد فرزة طرقجي، ومطر خشان، باحثان منقبان عن الآثار في المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية، عملا في العديد من المواقع الأثرية.و نظرا للأهمية التاريخية والأثرية لسبل المياه، وخشية من فقدانها أو ضياع معالمها، وكمختصين ومهتمين بتراث تلك المدينة، قاما بإحصاء واستقصاء جميع السبل التاريخية التي لا تزال تستخدم حتى الآن أو التي مازالت آثارها وبقاياها تدل عليها،
و المنتشرة في الأحياء والأزقة القديمة، حسب التسلل التاريخي للعصور المتعاقبة على إنشائها. كان الهدف من إنشاء تلك السبل هو توفير المياه للمارة في الطرقات من أهل المدينة أو للوافدين إليها مع مطاياهم لقضاء حاجاتهم أو إنجاز أعمالهم، وهذا شكل من أشكال التكافل الاجتماعي ضمن المدينة، الغاية منه الحصول على الأجر والثواب،
كان مصدر المياه العذبة هو نهر بردى وفروعه، الذي تنساب مياهه العذبة النظيفة إلى كافة أحياء المدينة، ومنها إلى الطوالع، ومن ثم تمر عبر قنوات فخارية أو حجرية مكشوفة أو مغطاة لتصل إلى كل دار أو مسجد أو حمام أو مدرسة.
بعد أن أصبحت دمشق تحت الحكم الآرامي، الذي قام باستخدام وسائل الري الحديثة آنذاك، حملت الاقنية المتفرعة عن نهر بردى أسماء (بانياس، ثورا) وبعد توسع المدينة إبان الحكم اليوناني وتزايد عدد سكانها واتساعها خلال الحكم الروماني، واكتسابها صفة المدينة.
اهتم قاطنو دمشق بعملية جر المياه إليها لارواء سكانها بواسطة قناة شقت في بداية القرن الثالث الميلادي، تتفرع عن النهر عند دخوله السهل ويحمل قسم منها على أقواس، تعرف حتى اليوم باسم (القنوات) يقال إنها كانت تتصل في العصور القديمة، بخزان ضخم تزينه تماثيل آلهة المياه.
اتبع فيها نظام لارواء المدينة وغوطتها فريد من نوعه، حيث أقيمت خزانات على جانب النهر سميت «بالطوالع» لتأخذ قسطا من مياهه لإيصالها إلى حارات دمشق ودورها السكنية. السبل التاريخية التي انتشرت في أحياء دمشق ومشيداتها المهمة كانت غاية في الإتقان والأناقة المعمارية، تزينها الزخارف والنقوش والكتابات، استعمل في عمارتها الحجر بأنواعه والرخام والقاشاني والفسيفساء والأبلق.
وقد تعقد أحيانا بالأقواس المعومدة، أو بالأقواس الملساء، أو المزخرفة بالعقود المفصصة، أو بالمقرنصات والدلايات والحنايا، والمحاريب التي تعلوها الطاسات والصدفات. وقد تحمى بعض السبل بقضبان الحديد المزخرفة والملونة.تنقش على السبلان عادة الكتابات القرآنية (وسقاهم ربهم شرابا طهورا ـ سورة الإنسان الاية21)، أو أبيات من الشعر تطلب الدعوات للشاربين بالارتواء والصحة والعافية، كما تنقش كتابة تؤرخ زمن إقامته أو اسم مجدده أو الذي انفق على بنائه وغير ذلك.
تعود السبل التاريخية في مدينة دمشق حسب تاريخ بنائها إلى ثلاثة عصور هي:
ـ (الأيوبي582 ـ 648هجرية، 1186 ـ 1250م)
ـ (المملوكي ـ 648 ـ 922هجرية، 1250 ـ 1516 م، (العثماني923 ـ 1334هجرية، 1516 ـ 1916 م)، إضافة إلى وجود عدد من السبل مجهولة الهوية أو التاريخ.
العصر الأيوبي: المتتبع للسبل التي يعود تاريخها لذلك العصر يلاحظ إنها كانت قليلة العدد بسبب الخرائب والنكبات والاضطرابات التي تعرضت لها دمشق في فترة العصر المملوكي، ومن ثم العثماني، إضافة إلى الحريق الكبير الذي عم مدينة دمشق اثر غزو تيمورلنك لها سنة (803هجرية ـ 1401م) وقد بقي مما شيد في ذاك العصر خمسة سبل هي:
سبيل جامع حسان، سبيل عسقلان، سبيل زقاق الموصلي، سبيل جامع الجرن الأسود، سبيل وبحرة كنعان. العصر المملوكي: تتمتع تلك السبل بفنون العمارة المملوكية المتميزة بالجمال والعناية بالزخارف البديعة عن سائر المباني وهي من أجمل السبل المتبقية في دمشق (11سبيلاً)، حيث أنها معّرقة بالنقوش والكتابات المنصوصة على واجهاتها أبرزها: «سبيل المدرسة الشابكلية، سبيل ابن قرط، سبيل البريدي، سبيل الخزنة، سبيل حمام فتحي، سبيل البيمارستان النوري، سبيل جامع المعلق، سبيل حمام السلطان، سبيل سيدي صهيب (اراق)، سبيل التوريزي، سبيل تربة الشيخ حسن».
العصر العثماني: بلغ إنشاء السبل أوجه في ذلك العصر، وكانت تلك الفترة الأكثر عددا والأوفر حظا في إشادة السبل التي تعددت وتنوعت وتميزت بصنعتها وجمالها أبرزها: لم يتبق منها اليوم إلا السبل التي ألحقت بالمساجد القائمة، إضافة للكثير من السبل المهجولة والمنتشرة في أحياء مدينة دمشق القديمة وخارجها : سبيل زاوية أبو الشامات، سبيل النرجس، سبيل المدرسة الفتحية، سبيل محطة الحجاز، سبيل تربة درويش باشا، مجموعة سبل داخل مقبرة الشيخ رسلان،
سبيلا التكية السليمانية: يقع هذان السبيلان عند مدخلي التكية الشرقي والغربي، وقد أنشئ هذان السبيلان في عهد السلطان سليمان القانوني ـ 998 هجرية الموافق لعام 1560م ـ والسبيل الغربي يقع على الجدار الغربي للتكية السليمانية على يسار الداخل إليها من الباب الغربي، له واجهة مربعة الشكل من الحجر الكلسي الأبيض، تضم قوسا مدببة،
ويتألف القوس من أحجار بيضاء وسوداء ومزية، وتتقدم السبيل بحرة مستطيلة الشكل من الحجر المزي والكلسي الأبيض ووضعه جيد لا يزال يستخدم إلى الآن وهو مضاف حاليا لأقسام المتحف الحربي بعد إدخال المياه إليه بواسطة صنبور حديث.
نذكّر بأن السبل التي أنشئت في أواخر العصر العثماني في مناسبات خاصة جاءت على شكل نصب تذكارية أبرزها: سبيل المرجة الذي تصدر غلاف الكتاب، وبات شعارا بل رمزا لمدينة دمشق تعرف به أينما وجد: وهو عبارة عن نصب تذكاري قيم بمناسبة تركيب أول خط للاتصالات البرقية بين دمشق والمدنية المنورة عام 1907،
أيام ولاية حسين ناظم باشا وهو بشكل مسلة تنتصب فوق قاعدة مربعة الشكل، وعلى وجوهها الأربعة كتابة باللغة التركية القديمة»، في أسفل كل وجه، جرن متسع تصب فيه المياه، وهذا النصب مقام من البرونز، صممه الفنان الإيطالي(دارونكو) جعل على أعلاه مجسما سراي يلدز في استنبول.
وتعبيراً عن ظاهرة (السبيل) التي اختصت بها دمشق دون غيرها من المدن الشامية أصدرت المؤسسة العامة السورية للبريد طابعا سنة 1995 بمناسبة يوم المياه العالمي يحمل صورة لسبيل (الكباس) بوصفه واحدا من أوجه الخير وخلفه مشهد لحارة دمشقية رمزا لحميمة الارتباط بين دمشق ومياهها ليصل إلى مختلف أصقاع العالم.
* الكتاب: السبل في مدينة دمشق
* تأليف: أحمد فرزة طرقجي ـ مطر خشّان
* الناشر: الجمعية التعاونية للطباعة دمشق2005
* الصفحات: 196 صفحة من القطع الكبير
فاتنة صالح الكردي

