هذه المقابلة أجراها روبرت ماكروم المحرر الثقافي بصحيفة «الأوبزرفر» اللندنية مع الروائي البريطاني والإعلامي البارز ويل سيلف بمناسبة صدور روايته الجديدة «كتاب ديف» التي أثارت سلسلة من ردود الأفعال المتباينة في دوائر النقاد والأدباء والقراء بصفة عامة،
حيث بادر سيلف إلى إلقاء الضوء على الملامح الرئيسية لروايته الجديدة واللغة التي اعتمدها في كتابتها وتطرق إلى تداخل عناصر الرواية والقصة والصحافة والإذاعة والتلفزيون في حياته العملية، وخلافاً لما قد يتوقعه المرء من أنه ربما يميل إلى التفرغ للعمل الإبداعي، فإنه لا يتردد في التشديد على انه لا يستطيع الاكتفاء بالعكوف على امتداد عام أو عامين على كتابة رواية واحدة، وإنما لابد له من التنويع في عمله بقدر ما يستطيع.
وفيما يلي نص المقابلة:
* فور صدور روايتك «كتاب ديف» انطلقت سلسلة كبيرة من المراجعات لها، يشدد الكثيرون على استمتاعهم بالرواية، بينما يعرب آخرون عن اعتقادهم بأن الرواية تعكسها إسرافاً في نسيج الاستعارات الذي تعتمده كأساس إبداعي لها، فما تعقيبك على ذلك؟
ـ كثيرا ما كنت أتساءل: من الذي قال إن لغتي في عالم الرواية تعكس ولعاً بالغرائبية؟ إن هذه اللغة التي أكتب بها هي انعكاس لعالم يزداد كل يوم تعقيداً وتركيباً، ورواية «كتاب ديف» هي على وجه التحديد في نسيجها حديث البطل ديف رودمان وهو ينطلق بسيارته الأجرة بعيدا عن عالمه وما يحيط به من أحزان ومشكلات،
وهو لا يجد خلاصاً من مشاعره إلا في كتابة كل ما يعن له في شكل يوميات على أمل أن تكون ذات يوم جسراً للتواصل بينه وبين ابنه الذي حرم منه بفعل انفصاله عن زوجته ميشيل ووقوع ركام حياته في قبضة المحامين والمسؤولين عن الرعاية الاجتماعية، وهو ما يلبث أن يدفن الكتاب في حديقة في هامبستيد،
وبعد خمسمئة عام يعاد اكتشاف الكتاب في عالم لندن التي غمرتها مياه الفيضان فإذا به يتحول إلى كتاب مقدس لدى الكثيرين، وبمعنى من المعاني فإن القارئ يجد نفسه أمام تأمل عميق في طبيعة الحياة الروحية وأمام قصة حب فاجعة وأمام سخرية لاذعة من الحياة كما تعاش في المدن وأمام رواية تحر تاريخية تجري أحداثها في المستقبل البعيد.
* متى أردت أن تكون كاتباً وأن تقضي جانباً كبيراً من حياتك عاكفاً على الكتابة الإبداعية بكل ما يرتبط بها من مشكلات ومتاعب ومصاعب؟
ـ لقد أردت أن أكون كذلك على الدوام، ولكنني حرصت على أن احتفظ بذلك سراً مودعاً في صدري لا أطلع أحداً عليه طوال فترة ليست بالقصيرة من عمري.
* من الذي قرأت لهم في طفولتك؟
ـ لقد قرأت للكثير من الكتاب والمبدعين الروس، في تلك المرحلة على وجه التحديد، قرأت الكثير من أعمال تورجنيف ومن أعمال دوستويفسكي، وقرأت كذلك لجوزيف هيللر، وقرأت لجوناثان سويفت، وفي وقت مبكر تماماً من حياتي قرأت لفرانز كافكا، وكنت شرهاً للقراءة بالمعنى الحرفي للكلمة وقرأت أعداداً هائلة من الكتب. ولكنني لم أدرس اللغة الإنجليزية في الجامعة، ولذا فقد بادرت إلى قراءة الكثير من الأعمال الكلاسيكية الأوروبية في ترجمات إلى الإنجليزية، ولم أدرس الأدب الإنجليزي بأي شكل من الأشكال في صورة مساقات مقررة على الطلاب.
* حدثني عن أبويك؟
ـ كان أبي، بيتر، أستاذاً للعلوم السياسية بكلية لندن للاقتصاد، وقد توفي عام 1999، وكان رجلاً لطيفاً، لكنه في الوقت نفسه كان اشتراكيا ينتمي إلى الجناح الطوباوي الذي يقطع الشوط كاملاً في التمسك برؤيته الايديولوجية،
أيا كانت النتائج المترتبة على هذا التمسك، وقد كان من المشاركين البارزين في اتحاد التعهد بالسلام الذي قاده ديك شيبرد في الثلاثينات من القرن العشرين وممن اعترضوا لأسباب تتعلق بالضمير على الحرب العالمية الثانية ولكنه كان ينحدر من خلفية غريبة تنتمي إلى الشريحة العليا من الطبقة المتوسطة الإنجليزية.
وأنا أفتقده كثيراً، وخلال حياته كانت صلتنا سيئة، الأمر الذي يشعرني الآن بالذنب، وقد هجر أمي عندما كنت في التاسعة من عمري، وقد كانت سيدة عاصفة، مندفعة في مشاعرها، سوداوية المزاج، واستحواذية إلى حد كبير، وهي من أصول يهودية أميركية، وقد استخدمت الكثير من ملامحها النفسية في شخصية ليلي بلوم في روايتي «كيف يحيا الموتى».
* من هم الكتاب الذين أثروا فيك بعد أن تجاوزت سنوات يفاعتك؟
ـ هناك ميل إلى أن يكون الكاتب الذي أثر فيَّ هو آخر كاتب قرأت له. هل تعرف هذا الشعور؟ القلق من التأثير. لقد حرصت على إنكار تأثير مارتن إيميس فيّ، ولكنني أعتقد أن هذا التأثير موجود. وبالارد هو أحد الكتاب الذين أشير إليهم باعتبارهم من الكتاب الذين أثروا فيّ بعمق.
وقد أعدت قراءة رواية «ارتطام» عندما كنت في العشرين من عمري. وذلك هو الكتاب الذي جعلني أمعن التفكير حقاً في أن من الممكن أن أبادر إلى الكتابة. وكان هذا الكتاب، وكذلك «رحلة سيلين إلى نهاية الليل» هما اللذان دفعا بي قدماً في أوائل العشرينات من عمري وجعلاني أحدث نفسي بأني لابد لي من كتابة الرواية والقصة القصيرة.
* ما هو الغرض من كتابة أعمال القص؟
ـ لا أدري.
* ما الغرض من كتابتها بالنسبة لك؟
ـ إنني لا أقرأ الروايات إلا نادراً، فأنا أقرأ التاريخ العسكري، ولكنني عندما أقرأ أعمال القص، فإنني ألاحظ هذا الكم الكبير من ذاتك الذي يتعين أن تعطيه لتلك الأعمال. وأعتقد أن الرواية هي قالب إبداعي ينتمي إلى العلاقة الإنسانية. والرواية قالب روحي بطريقتها الخاصة.
* هل هي قالب اعترافي؟
ـ ماذا؟ بالنسبة للمؤلف؟ يا إلهي، أرجو ألا يكون الأمر كذلك! هل تظن هذا حقاً؟
* هناك جزء من روايتك «دوريان» يبدو للقارئ كما لو كان مرثية لثمانينات القرن العشرين. وهو يعطي الإحساس كذلك بأنه احتفاء سوداوي ببعض السنوات شديدة السوداوية.
ـ لقد كنت على وجه القطع شاهداً على ما يجري في تلك المرحلة ومشاركاً فيها. وبعض المشاهد مألوفة للغاية بالنسبة لي، أما إذا كانت تعكس اعترافاً من عدمه، فهذا أمر لا أدريه. نعم، ربما كانت كذلك، ربما كانت هذه هي جلية الأمر.
* ما هي العلاقة بين روايتك «دوريان» و«صورة دوريان جراي» لأوسكار وايلد؟
ـ إنها محاكاة، وتقدير، وأحسب باعتباري كاتباً أعاد كتابة عمل كلاسيكي بصورة كاملة أنها عمل فريد. إن «صورة دوريان جراي» هي النبوءة ورواية «دوريان» هي تحقق هذه النبوءة.
* من أين أتتك هذه الفكرة؟
ـ جاءت الفكرة من اقتراح بقيامي باقتباس «صورة دوريان جراي» لتقدم كفيلم. وفي اللحظة التي بدأت خلالها في النظر إلى الأصل الذي كتبه أوسكار وايلد هبطت علي هذه الفكرة من دون أن يعرقلها شيء. ولم أكن قد اقتربت من فكرة كتابتها في شكل رواية، وإنما تعاملت معها كفكرة لكتابة عمل مقتبس ينقل إلى الشاشة الفضية، وعندما جنحت فكرة كتابة الاقتباس وسط الرمال من خلال عجزي عن إكمال الاقتباس، قررت أن الطريقة الوحيدة لإخراج هذا العمل من صدري هي تحويله إلى نص إبداعي نثري مكتوب.
* هل تجد أن عملك الإعلامي يغذي أعمال القص عندك أم يهددها بالخطر؟
ـ بأمانة لست أدري. وإني لأجد الأمر عذاباً، أعني فكرة الجلوس والعكوف على كتابة أعمال القص وحدها، فأنا رجل شديد القلق، وأجد أن من الصعب أن أكرس نفسي حوالي عام أو عامين أو ربما أكثر من ذلك لكتابة رواية، حيث إنني بحاجة إلى أن أعرف أنني يمكنني في غضون عكوفي على ذلك القيام بإطلاق شيء آخر له تأثير قوي.
ولم يكن بمقدوري أن أواجه فكرة الجلوس في غرفة من دون القيام بشيء، ولم أرغب أبداً في أن أغرق تماماً في أعمال القص والأدب بتلك الطريقة، فأنا لست صحافيا أدبياً بتلك الطريقة في حد ذاتها. ولست أريد الدخول في جدل مع أناس ينتمون إلى هذه النوعية، ولكنني لا أنتمي إلى هذه الفئة، إنني أقوم بإنجاز القليل من التعليق السياسي وأقوم بهذا الذي ارتبط باسمي أي العمل الإعلامي الثقافي بالإضافة إلى كتابة أعمال القص.
محطات في حياة سليف
* ولد الروائي والإعلامي البريطاني ويل سيلف في لندن عام 1961، وتخرج من جامعة أوكسفورد، وعمل في مستهل حياته العملية رساماً للكاريكاتير في مجلتي «نيو ستيتسمان» و«سيتي ليمتس».
* أصدر عشرة أعمال تنتمي إلى عالم القص، أبرزها مجموعته «نظرية كم الجنون» الصادرة عام 1992 والتي فازت بجائزة جيفري فيبر التذكارية، ورواية «كيف يحيا الموتى» التي أدرجت في القائمة القصيرة للأعمال المرشحة للفوز بجائزة وايتبرد عام 2002.
* أصدر ستة كتب تضم مجموعات مقالاته، وأشهرها «بريد بلا قيمة» و«أوروبا سوربا» و«نيكولا هيكس» و«مواقع مزعجة» و«رجل غادر بطبعه» و«حمى الغذاء».
* يكتب ويل سيلف في عدد كبير من المجلات الكبرى، كما انه مذيع منتظم في برنامج «رجل عجوز غاضب» الذي تبثه محطة ال«بي. بي. سي».
