مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب والمترجم الأميركي المعروف دافيد ماسي. وكان قد نشر كتب عدة عن الشخصيات الثقافية الفرنسية. نذكر من بينها كتابه الشهير عن ميشيل فوكو، وكتابه الآخر عن جاك لاكان والتحليل النفسي. وبالتالي فهو من كتاب السيرة المعروفين في الولايات المتحدة،
وقد برع في هذا الفن كثيرا. وفي هذا الكتاب الجديد يخصص دافيد ماسي سيرة ضخمة للمناضل والمفكر الأممي الشهير: فرانز فانون. ومعلوم أن الجزائر احتفلت به وبذكراه عام 2004 بمناسبة انعقاد المعرض الدولي التاسع للكتاب فيها. ونظمت له مؤتمرا علميا حافلا شاركت فيه عشرات الشخصيات من عربية وأجنبية. وكان ذلك تقديرا لنضاله من أجل تحرر الشعب الجزائري من نير الاستعمار الفرنسي.
فمن هو فرانز فانون يا ترى؟ لقد ولد في جزر الأنتيل عام 1925 وهي جزر تابعة لفرنسا كما هو معلوم. وبعد أن أكمل دراساته الطبية الأولى انخرط في النضال من أجل الحرية منذ نعومة أظفاره. وكان ذلك أثناء الحرب العالمية الثانية.
ولكن حكام الجزيرة كانوا من أتباع الماريشال بيتان، عميل الألمان، لا أتباع الجنرال ديغول. ولهذا السبب فإنه سافر بالبحر عن طريق الزورق حتى وصل إلى إحدى الجزر التابعة للتاج البريطاني. وهناك انخرط في صفوف القوات التابعة للجنرال ديغول، قائد فرنسا الحرة. والواقع أن معظم سكان جزر الأنتيل كانوا معه في ذلك. ومعلوم أن عددهم آنذاك لم يكن يتجاوز العشرة آلاف شخص. كلهم كانوا مع ديغول ضد بيتان.
ثم يردف المؤلف قائلا: وعندما انخرط فرانز فانون في صفوف المقاومة ضد الفاشية والاحتلال الألماني لفرنسا ما كان عمره يتجاوز السبعة عشر ربيعا. وقد قال فرانز فانون آنذاك هذا الكلام الهام: أنا لست على وجه الأرض لكي أدافع عن السود فقط، وإنما عن كل مظلوم ومضطهد.
وسوف أدافع عن فرنسا لأنها محتلة من قبل الألمان على الرغم من أنها تحتل الآخرين، ولكنني سأقف ضدها في الجزائر بعد أن تخلصت من نير الاحتلال الألماني وأصبحت حرة تقمع شعبا آخر.. في الواقع أن فرانز فانون كان مناضلا أمميا أو كونيا. كان يعشق الحرية ويقدس العدالة ويقف إلى جانب المضطهدين أينما كانوا، ولأي دين أو عرق انتسبوا.
وفي أثناء انخراطه داخل الجيش الفرنسي فوجئ فانون بالعنصرية من طرف البيض الفرنسيين. فعلى الرغم من أنه يناضل معهم جنبا إلى جنب ضد هتلر والنازية إلا أنهم لم يستطيعوا إخفاء مشاعرهم العنصرية ضده. أو قل ان بعضهم كان كذلك وليس كلهم. فليس جميع الفرنسيين عنصريين.
وهذا ما دفع بفرانز فانون إلى التفكير بوضعه كإنسان محتقر ومنبوذ، إنسان ينتمي إلى عرق أدنى: هو العرق الأسود، وإلى جزيرة مستعمرة وملحقة بفرنسا. وراح يشكل لأول مرة نظريته عن وضع الإنسان الأسود، ونظام العبودية، وضرورة تحرير الإنسان من كل الأصفاد والأغلال.
واستقر رأيه على أن الاستقلال أو التحرر من نير الاستعمار لا يعطى كهدية وإنما يؤخذ عنوة وبالقوة. وبدءا من تلك اللحظة راح يقتنع بمشروعية العنف الثوري إذا كان الهدف منه تحرير الشعوب.
ثم يردف المؤلف قائلا: وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وتحرير فرنسا من الاحتلال الألماني ذهب فرانز فانون إلى مدينة ليون لدراسة الطب النفسي هناك. وقد اهتم بمعالجة الأفارقة والجزائريين الفقراء. ومعظمهم كانوا من العمال الذين يعيشون في الضواحي البائسة المحيطة بمدينة ليون ومعظم المدن الفرنسية الأخرى.
وكان هؤلاء يجيئون إليه لكي يشفيهم من مرض نفسي لا يعرفون سره ولا كنهه. ولكنه هو عرف سره وكنهه بعد فترة من التأمل والدراسة العميقة: إنه مرض الاقتلاع من الجذور أو البعد القسري عن الوطن. فهذا العامل الجزائري أو الافريقي الذي جاء إلى فرنسا لكسب لقمة عيشه اضطر إلى مغادرة قريته أو مدينته في الجزائر. لقد اضطر إلى ترك عائلته وأحبابه هناك. وهو يعيش مذلولا في المصانع والمعامل ويشتغل ليل نهار لكي يكسب بعض النقود ويرسل قسما منها إلى عائلته التي بقيت في الوطن.
ولكنه يعاني من الغربة، من الابتعاد عن زوجته أو أمه أو أطفاله أو أحبائه. ولذلك يصاب بهذا المرض النفسي الذي لا يعرف سره ولا مصدره. وبما أن فرانز فانون كان شديد الحساسية ومفعما بالنزعة الإنسانية فإنه بذل كل ما في وسعه لمواساة هؤلاء الفقراء المسحوقين المقتلعين من جذورهم.
ثم شاءت الأقدار أن يسافر فرانز فانون إلى الجزائر لكي يشتغل فيها كطبيب نفسي. ولكن لماذا ذهب إلى هناك وليس إلى مكان آخر؟ لسبب بسيط هو أن فرنسا ما كانت مستعدة أن تعطي منصب طبيب محترم لرجل أسود. كانت لا تزال مغلقة على نفسها في ذلك الزمان. ولم تكن قد انفتحت بعد على السود والعرب وسواهم كما حصل لاحقا.
ثم لأنه لم يكن هناك أي مستشفى نفسي في جزر الأنتيل أو المارتينيك. وبالتالي فلا يستطيع أن يعود إلى وطنه لممارسة هذه المهنة. ولهذا السبب استقر رأيه على الذهاب إلى الجزائر. ينبغي العلم بأنه كان يحمل الجنسية الفرنسية وأن الجزائر آنذاك كانت تابعة لفرنسا. وبالتالي فيحق له أن يشتغل فيها وكأنه يشتغل في وطنه. وهكذا عينوه أستاذا للأمراض النفسية في مدينة «البليدة».
وهناك اصطدم بالواقع المر. فالمرضى الجزائريون كانوا يعاملون كالحيوانات في مستشفى البليدة. ومعظمهم كانوا مقيدين بالسلاسل باعتبار أنهم مجانين يشكلون خطرا على الناس. وعندما رأى ذلك لم يستطع تحمل المنظر من الناحية الإنسانية. هذا ما يقوله ابنه عنه. وبدءا من تلك اللحظة قطع فرانز فانون علاقاته مع فرنسا الاستعمارية.
وعرف فانون أن المرضى في ظل نظام كولونيالي تعسفي كهذا لا يمكنهم أن يشفوا من مرضهم، على العكس فإنه يزداد تفاقما. وبالتالي فلكي نداوي بشكل معقول المرضى الجزائريين ينبغي أولا أن نضع حدا للاستعمار الفرنسي.
ولهذا السبب استقال الدكتور فرانز فانون عام 1956 من منصبه كطبيب في مستشفى البليدة وانضم إلى جبهة التحرير الوطني وحركة المقاومة للشعب الجزائري. وقد قال فانون مرة هذه العبارة التي تدل على حقيقة فكره: عندما يدافع الإنسان عن كرامة الفكر، عندما يقول «لا» للاستعباد والاضطهاد فإني أشعر بالتعاطف معه، أشعر بأنه أخي وصديقي.
ثم غادر فرانز فانون الجزائر وعاد إلى باريس لمواصلة نضاله لصالح الشعب الجزائري. ولكن السلطات الفرنسية أصدرت قرارا بطرده من البلاد، فالتحق بتونس حيث واصل نشاطه المزدوج كمناضل سياسي وكطبيب نفسي. وقد أسس مركزا لمعالجة الأمراض العصبية النفسية في منوبة. وفي ذات الوقت التحق بقسم الصحافة الخاصة بجبهة التحرير الوطني الجزائرية. وراح يكتب بشكل منتظم في جريدة المجاهد، لسان جبهة التحرير قبل الاستقلال وبعده.
وبدءا من عام 1959 عينته جبهة التحرير الوطني كسفير متنقل يمثل الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية. وعندئذ راح يكثر من الرحلات وإلقاء المحاضرات في أماكن شتى. ولكن، واأسفاه، فإن الفحوص الطبية التي أجراها كشفت له عن وجود سرطان في الدم لديه.
وهكذا انقطع الحلم الكبير الذي يسكن هذا المناضل الفذ وعرف أن أيامه أصبحت معدودة. ولهذا السبب كتب بسرعة الكتاب الذي كان يفكر فيه منذ زمن طويل والذي سوف يشهره لاحقا: معذبو الأرض. هذا وقد رثاه جان بول سارتر وبعض المثقفين الفرنسيين الآخرين رثاء حارا. وتحول فرانز فانون إلى أسطورة بعد موته ولا يزال.
* الكتاب:فرانز فانون، قصة حياة
* الناشر: غرانتا بكس - نيويورك 2006
* الصفحات: 640 صفحة من القطع الكبير
Frantz Fanon. a life
David Macey
Granta BKS- New York 2006
p.640

