مؤلف هذا الكتاب هو الصحافي الفرنسي إريك ماير المقيم في العاصمة الصينية بكين منذ عام 1987. فقد أخذ معه زوجته وأطفاله من فرنسا وذهب إلى الشرق الأقصى لكي يعيش هناك. ولكي يكسب عيشه فإنه راح يراسل العديد من الصحف ووسائل الإعلام الناطقة بالفرنسية:

كراديو فرنسا، وراديو ؛ كندا، ومنبر جنيف، وآخر أخبار الألزاس، الخ. هذا وقد نشر حتى الآن أربعة كتب عن الصين هي التالية: بكين، ساحة تيانانمين (1989)، كن غنيا واسكت! (2002)، أن ترى الصين من أعلى حصانك (2003)، الإمبراطورية كراقصة (2005).

وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف عن انطباعاته عن الصين منذ أن وصل إليها لأول مرة ويقول:في الخامس من شهر سبتمبر عام 1987 كانت السماء صحواً والشمس مشرقة عندما نزلت من الطائرة ووطأت قدماي لأول مرة أرض الصين.

وقد أنزلوني في إحدى المباني الفخمة المخصصة للضيوف الأجانب المهمين. ثم نظرت في الجهة المقابلة فوجدت ما يدعى هناك بمخزن الصداقة. وهو عبارة عن سوبرماركت محروس من قبل البوليس المدجج بالسلاح. ويشكل هذا المخزن المقهى الوحيد في المدينة كلها.

وهناك فقط يمكن لك أن تجد المواد الاستهلاكية الممنوعة على الصينيين بل والتي نسوا حتى اسمها أو لونها أو رائحتها. هناك تجد الخبز الأوروبي، واللحوم الطازجة، والخمور، والفواكه المتعددة الأنواع والأصناف. وهذه المواد الاستهلاكية التي تعتبر ملكا مشاعا لجميع الناس في عواصم أوروبا والتي تجدها في كل مكان هي في الحقيقة ممنوعة على الشعب الصيني ومخصصة فقط للأجانب أو لأعضاء الحزب الشيوعي.

ثم يردف المؤلف قائلا: كانت هذه أول صورة أشكلها في ذهني عن الصين فور وصولي. وبسرعة رحت أجد نفسي ضحية مشاعر متضادة. كنت أجد نفسي أمام عالم ثقافي معقد ذي تاريخ طويل عريض من جهة. وأما من جهة أخرى فما كنت أستطيع أن أشاطر أي قارئ هذه المشاعر والانفعالات لأني لا أعرف الكتابة بالصينية، ولأن الشعب الصيني لا يفهم لغتي.

لقد عشت صدمة التلاقي بين الغرب والشرق عندما وصلت إلى الصين. وهي صدمة كبيرة ومذهلة. وكان ينبغي عليّ أن أعبر عنها بأي شكل لكي أفرّج عن نفسي. ولهذا السبب أصبحت مراسلا لعدة جرائد ووسائل إعلام فرانكوفونية. ولهذا السبب أيضا ألفت هذا الكتاب.

وتخيلت في بعض اللحظات نفسي وكأني روبنسون كروزو الذي وجد نفسه يوما ما وحيدا على ظهر جزيرة ضائعة في عرض البحر. وكان ينبغي عليه أن يدبر أموره بنفسه لكيلا يموت من الجوع أو لكيلا يضيع تماما.وقد شعرت وأنا أمشي في البحر الصيني، في بحر البشر المتلاطم الأمواج، بأني ضائع. وحصلت لي عدة حوادث وقصص غريبة الشكل. ولكن من أهم الحوادث التي شهدتها كانت بالطبع مجزرة ساحة تيانانمين في وسط العاصمة الصينية.

فقد فتح الجيش النار على المتظاهرين المحتشدين في الساحة وحصد منهم ما لا يقل عن ألف أو ثلاثة آلاف شخص! يضاف إلى ذلك أني جئت إلى الصين في فترة انتقالية حاسمة من فترات تاريخها.

فقد ابتدأت تدير ظهرها للمرحلة الماوية (مرحلة ماو تسي تونغ) وتدخل في العهد الرأسمالي، على الأقل من الناحية الاقتصادية. ولكنها في ذات الوقت ظلت وفية للنظام الشيوعي القديم في الناحية السياسية. وهذا وضع تناقضي عجيب الشكل: فالصين رأسمالية اقتصاديا،

ولكنها دكتاتورية سياسيا!وفي كل يوم تلمح الصراع الصامت بين الشارع الصيني من جهة، والسلطة السياسية من جهة أخرى. وهذا دليل على أن الشعب الصيني يريد الحرية في كل المجالات وليس فقط في المجال الاقتصادي. إنه يريد أن يتمتع بكل ما تتمتع به شعوب الغرب من حياة استهلاكية مرفهة، وحياة سياسية ليبرالية، وحياة ثقافية متعددة ومنفتحة.

ثم يردف المؤلف قائلا: في الواقع أن القادة الصينيين أصيبوا بالرعب عندما رأوا بأم أعينهم انهيار جدار برلين وكل النظام الشيوعي من خلاله. وخافوا عندئذ على مستقبلهم ومستقبل نظامهم. ولذلك رموا ببعض العظام للشعب لكي يتلهى بها. تركوه لأول مرة يشعر بأنه حر في أن يكسب عيشه ويصبح غنيا. ولكن مقابل ذلك طلبوا منه ألا يمشي على خطى الاتحاد السوفييتي ويسقط الشيوعية.

ولذلك سمحوا بالليبرالية الاقتصادية ورفضوا الليبرالية السياسية. هكذا فشل ربيع بكين بعد أن أشعل الآمال في نفوس الملايين. ولكن من اغتنى يا ترى من جراء هذه الليبرالية الاقتصادية؟ أعضاء الحزب الشيوعي وأصدقاؤهم وزبائنهم. أما بقية الشعب فلا تزال تكدح لكي تكسب عيشها أو رزق يومها. وأكبر دليل على ذلك الأرقام الإحصائية التي قدمتها أكاديمية العلوم الاجتماعية عام 2005.

فهي تعطي فكرة دقيقة عن الأوضاع النفسية والاجتماعية للشعب الصيني. إنها تقول لنا ما يلي: مئة مليون صيني يعانون من إرهاق نفسي أو اكتئاب عصبي كبير. ومليونان منهم يحاولون الانتحار كل سنة. وثلاثمئة ألف منهم ينجحون في عملية الانتحار! وهذا يعني أنه في كل يوم ينتحر ألف صيني! قد يبدو هذا العدد صغيرا جدا بالقياس إلى بلد يضم مليارا ومئتي ألف شخص.

ولكنه ضخم بالقياس إلى فرنسا ولا يمكن أن تتحمله.ثم يتحدث المؤلف عن صورة الصين عندما وصل إليها لأول مرة عام 1987 ويقول: ماذا تشبه الصين آنذاك؟ للإجابة عن هذا السؤال أرجوكم أن تتخيلوا شخصا استفاق من عملية جراحية. في البداية يمشي بخطوات مهتزة وغير واثقة من نفسها. ثم شيئا فشيئا يستعيد عافيته ويصبح قادرا على التحكم بمساره ومشاعره.

وأنا شخصيا كنت كذلك في البداية. وما كنت أفهم شيئا من شيء في هذا البلد الغريب جدا علينا نحن الأوروبيين. ثم يردف المؤلف قائلا: عندما وصلت إلى الصين كانت تعيش في ظل خليفة ماوتسي تونغ: دينغ هيسياو بنغ. ولم يكن أحد يصدق الايديولوجيا الشيوعية.

ولكنهم كانوا مضطرين للتظاهر باحترامها. وكان أبناء العائلات يركبون سيارات المرسيدس الفارهة ويدرسون في أفضل الجامعات الأجنبية السويسرية أو الأوروبية أو حتى الأميركية. أما أبناء الشعب فتكفيهم الجامعات المحلية ذات المستوى المتدني والخاضعة للايديولوجيا الرسمية للنظام.عندما وصلت إلى الصين كانت كل الأقنعة الايديولوجية قد سقطت.

وكان جميع الصينيين منخرطين في بحث مسعور عن الثروة والغنى والكسب. هذا كل ما يهمهم والباقي تفاصيل. لقد فقد الصينيون أملهم في الليبرالية السياسية ونيل الحرية بعد مجزرة ساحة تيانانمين. فربيع بكين الواعد بكل الآمال والأزهار المتفتحة لم يتفتح في الواقع وإنما خضب بالدم.

وعن هذا الحلم المتكسر تولدت الصين الحالية. إنها بلد يعج بالمتناقضات. بلد يحلم بالحياة على الطريقة الغربية ولكنه لا يجد أمامه إلا القمع والكبت والحرمان. فكيف يمكن لبلد كهذا أن يصبح قوة عظمى يا ترى؟ ألن ينفجر يوما ما تحت وطأة تناقضاته التي لا تحتمل؟

* الكتاب:روبنسون في بكين

* الناشر:روبير لافون ـ باريس 2006

* الصفحات : 238 صفحة من القطع الكبير

Robinson à Pekin

Eric Meyer

Robert Laffont- Paris 2006

p. 238