مؤلفا هذا الكتاب هما محلل نفساني وفيلسوف، وكان كل منهما قد قدّم عدة أعمال في ميدان اهتمامه، ومن مؤلفات جاك ايرينس نذكر: «هل هناك أب في المنزل؟» و«البحث عن الذات»، و«النجدة ..أبي وأمي على وشك الطلاق»، و«لماذا هذا القدر من الفشل في الحب؟». ومن كتب ناتالي سارتو ـ لاجوس «أخلاقية الديون» و«الإحساس بالذنب».

في هذا الكتاب يجمع الصوتان، صوت المحلل النفساني وصوت الفيلسوف، رؤيتهما «على الطريق الصعب للإرادة»، أو ربما بالأصح على الطريق الصعب لـ «غياب الإرادة» في عالم ما بعد الحداثة في المجتمعات الغربية المتقدمة. هذا الغياب الذي يبرز في الثقافة الحديثة عبر القلق الذي يولده الإحساس بـ «التكرار» وب«العجز» وما يترتب عليهما من شلل الإرادة أو «مرضها». وفي الحالتين يغدو من الصعب تصور أي طريق للمستقبل.

غياب الإرادة أو عجزها أو مرضها وبشكل عام كل الآليات التي تؤدي إلى كبحها يجدها مؤلفا هذا الكتاب في التجذر الكبير للروح الفردية لدى أبناء المجتمعات الاستهلاكية الحديثة. ذلك أن هذه المجتمعات التي فقدت إلى حد كبير قيمها ومرجعياتها الروحانية، وخاصة فيما يتعلق بمفهوم المصير، قد تقوقعت على ذاتها وأصبحت تتعلق بـ «قوى مجهولة» تحدد الكثير من آليات عملها، وغالبا دون وعي ذلك.

ويحدد المؤلفان أهم سمات المجتمعات الحديثة في شيوع نوع من «الإحساس المرضي بالفراغ» وما يتولد عن هذا من «ثقافة قمعية يمكن اعتبارها بمثابة لباس حديث لنزعة العدمية». وهذا يطرح بدوره أسئلة جوهرية حول العلاقة بين المصير الإنساني والحرية والحداثة.

لكن مركز اهتمام التحليلات المقدمة لا يتمثل في عرض موقف تشاؤمي ورفع «راية الحداد فوق جسد الحرية المفقودة» ولا في «انتقاد الحداثة»، ذلك أن مثل هذا الموقف يؤدي، برأيهما، إلى نوع من الدعوة إلى «فقدان الإرادة» و«الاستقالة» و«قبول» كل شيء دون بذل أي جهد.

ويفرّق المؤلفان بين ما يسميانه بـ «القناعة المتزمتة» التي تقوم على أساس الإيمان بقوى مجددة تتحكم بمصير العالم، مثلما هو الحال في جميع الأشكال العقائدية التي عرفها التاريخ الإنساني منذ تكوّن المجتمعات البشرية، وبين ما يسميانه بـ «الإيديولوجية القسرية ما بعد الحداثية» التي تقول بـ «مصير مجهول ولا تمتلك أية بنية». ويصفانها بالقول أنها «تنغلق داخل سجن لا تريد قياس حدوده وتؤكد نوعا من العبودية التي لا تفصح عن أسبابها». وهكذا يتولد لدى إنسان المجتمعات المعنية «وهم الحرية» لكنه يكتشف نفسه «غير حر» عند قيام الأزمات.

ويذكر المؤلفان بهذا الصدد ما كان قد كتبه جان جاك روسو في كتابه الشهير «الاعترافات» الخاص بسيرة حياته. ويقول أنه كان ذات يوم في الغابة حيث كان يتسلّى برمي الحصى فقال لنفسه ذات لحظة أنه إذا أصاب جذع شجرة مقابله فإن الأمور ستسير كلها بشكل جيد بالنسبة له.

لقد أخطأ الجذع في المرّة الأولى فاقترب أكثر فأكثر إلى أن نجح في إصابة هدفه. هكذا إذن «يفصح جان جاك روسو عن إيمانه بأهمية الصدفة لكنه يرفض نتائج التجربة إذا لم تناسبه». وهكذا تتشابه «الإيديولوجيات القسرية الحديثة» مع لعبة روسو إذ «يتم تأمل الحرّية ولكن يبقى التفكير قسريا». هكذا يبقى الإنسان محصورا داخل «الدائرة المغلقة» التي حددتها نزعته الفردية. ذلك أن الحرية الإنسانية لا يمكن أن تقوم إلا في أفق انفتاح مزدوج على الذات وعلى الآخر، حسب المنظور الذي يتبنّاه المؤلفان.

في القسم الأول من الأقسام الثلاثة التي يتألف منها هذا الكتاب والذي يحمل عنوان «آلام النزعة العدمية» يدرس المؤلفان مسألة «العدمية الحديثة» وذلك بمعنى شيوع أفكار «الفوضى والموت والحياة الفارغة وغياب المصير ذي المرجعية». أي ما يؤدي إلى قيام «عالم بلا دلالة» في ظل غياب الإرادة، أو «هزيمة الإرادة» كما جاء في عنوان الكتاب.

وفي مثل هذا الواقع تغدو «الحياة التي يتم قبولها كما هي ببساطة هي دائما حياة على حافة استهلاك نفسها. والشخص الذي لا يعود أي شيء يضعه على محك تجربة الحياة إنما يترك نفسه عرضة للغرق في مشاغل الحياة اليومية وبالتالي يفتقر إلى السمو والشجاعة الضروريين لمواجهة مسألة مصيره»، كما يقول مؤلفا الكتاب ليؤكدا بنفس الوقت أن كل مواجهة للتجربة الحقيقية للحياة تتضمن في داخلها تساؤلات حول الذات وتكشف عن «التمفصل» بين المصير الإنساني والحرّية.

إن الحداثة الأوروبية، كما يقدمها مؤلف هذا الكتاب، تفتقر إلى «الروح». وهذا ما كان قد تنبأ به في الواقع الفيلسوف فريديريك نيتشه منذ القرن التاسع عشر حيث كان قد أعلن عن تقدم النزعة العدمية في أوروبا، أو ما أسماه بالتحديد «انحطاط الروح في أوروبا». أمّا المظاهر الأساسية التي يتجلّى فيها مثل هذا الانحطاط فيتم تحديدها في «عجز الأهل الأوروبيين» عن مساعدة أبنائهم من أجل خوض تجربة الواقع بسبب غياب «مرجعيات القيم» بالدرجة الأولى. ولا تستطيع المدرسة أيضا أن تقدّم الكثير من المساعدة في هذا الإطار.

هناك إذن نوع من «الهرب إلى الأمام» في المجتمعات الأوروبية الحديثة. وفي ظل «الهرب من الآلام حتى دون معرفتها يضيع كل إحساس بالهوية»، وبالتالي تنامي «النزعة العدمية» والإحساس ليس بـ «عدم جدوى الحياة» وإنما أيضا بـ «عدم معناها».

وإذا كان المؤلفان يعيدان بدايات ظهور مثل هذه النزعة في أوروبا إلى الحركة الفكرية التي شهدها القرن التاسع عشر التي تجسدت بالدعوة إلى سيادة «العقل النقدي» و«مفهوم الشك» - «أنا أشك إذن أنا موجود»، كما قال ديكارت، فإنهما يريان بأن مثل هذه النزعة قد تعممت في سياق التطور الذي شهده العالم نفسه. ذلك أن «التطور العالمي بمجمله هو أكثر قربا من الميل الانتحاري على صعيد واسع مما هو إلى تنظيم عقلاني يرمي إلى الحفاظ على الذات». وهذا لا بد أن يؤدي إلى مسيرة انحطاطية للبشرية وشيوع اليأس.

ويرى المؤلفان في هذا السياق إلى أن تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن لم تكشف فقط عن شكل جديد للنزاعات المرتبطة بالعولمة وإنما أعادت أيضا «تنشيط» الإحساس بالقلق لدى البشر. ويشيران في هذا السياق إلى فيلم «غزوات البرابرة» عام 2003 والذي يذكّر بفيلم «انحطاط الإمبراطورية الأميركية» عام 1986... لكن «البرابرة»، ليسوا «المتطرفين»، كما يمكن أن يتبادر للذهن، وإنما بالأحرى وأولا «الأجيال الجديدة التي تعرف بالكاد القراءة والكتابة والتي ظلّت الطريق». ذلك «أن البربرية هي على صورة عالم فقد بوصلة الاتجاه».

وفي هذا الإطار يتعرض المؤلفان لما يسميانه «قوة دافع الموت». وهذا ما يدل عليه واقع أن «جيلا كاملا قد أُبيد خلال الحرب العالمية الأولى 1914-1918»، وإن «شعوبا» كاملة كانت مهددة بمجازر إبادة في أواسط القرن التاسع عشر. هكذا ظهرت للمرّة الأولى فكرة إمكانية فناء الجنس البشري كله، ودون أي ذكر لأسباب اقتصادية أو إيديولوجية أو سياسية أو عقائدية وراء ذلك.

بل برزت «قوة دافع الموت» بكل ما فيها من وحشية. وكان فرويد قد أعطى عشية نشوب الحرب العالمية الثانية لـ «دافع الموت» دور أحد العوامل «الحقيقية المادية» على مستوى تاريخ الشعوب. ذلك أنه قد يؤدي إلى «تدمير الآخرين» أو «تدمير الذات».

ويضم المؤلفان بالتوازي عملية «الانحطاط الروحاني والسياسي في أوروبا» و«عدم تمكن الحضارة الأوروبية من رفع البشر نحو إنجاز مهمات سامية». نقرأ: «لم تعد الكرامة الإنسانية اليوم قيمة مطلقة، وإنما غدت قابلة للتفاوض، خاصة عندما تكون الحياة في مرحلتها الجنينية أو في مرحلة انحطاطها ـ سن الشيخوخة. هكذا لم يعد انتحار الطاعنين في السن يثير الكثير من ردود الأفعال رغم أنه أكثر عددا من انتحار المراهقين. وهذا يشهد على اليأس المتعلق بفقدان الكرامة الإنسانية في مرحلة نهاية الحياة».

وفي هذا الإطار يعتبر المؤلفان أن حركة «المعارضة» التي شهدتها بلدان أوروبا الشرقية والوسطى في ظل الأنظمة الشيوعية كانت تجسيدا لروح الحرية والقيم الموروثة من الحضارة الأوروبية «السابقة». ثم إن فقدان مثل هذه الروح تتم ترجمته بنوع من الإحساس بـ «العجز السياسي» وعدم القدرة على الفعل بل وفقدان «معنى الفعل» في البلدان الديمقراطية الغربية. إذ أن «الحرية التي لا تقوم على شيء تتطلع إلى الانحلال في العدم« و«الفرد بدون طريق يمكن أن ينهكه التيهان الذي كان قد رأى به في البداية وعدا بالتحرير وبولوج حياة ثرية».

وفي محصلة التحليلات المقدّمة في هذا الكتاب يصيغ المؤلفان نوعا من «الإدانة» لما وصلت إليه الأمور بالنسبة للإنسان الفردي في الغرب، والذي غدا يعيش دون مرجعيات ولا واجبات ومما كان مثل وعد بـ «الحرية» لكنه تكشّف عن واقع فيه الكثير من الفوضى والعجز عن إيجاد «الانسجام» في الحياة، بل والإحساس المستمر بالتعب أنه «التعب الذي يسبق كل معركة»، أي التعب الذي يدفع نحو «التخلّي» وعدم تمكن الإنسان من الارتفاع إلى مستوى المهمة الأساسية المطلوبة منه أي «أن يصبح إنسانا».والحل للخروج من هذا الفراغ؟

الإجابة عن هذا السؤال يمكن أن تلخصها الجملة التالية التي يقدمها المؤلفان كـ «زبدة» تفكيرهما. نقرأ: «إن الاختيار وفعل الإنسان في توجيه مسار حياته، يعني أولا الخروج من حالة نوم الإرادة، وحتى لو كان ذلك القرار هشا أصلا إذ أنه معرض للفشل وللعودة عنه إلى الوراء، وبعد ذلك الانفتاح على الآخرين».

* الكتاب:هزيمة الإرادة

* تأليف : جاك ايرينس - ناتالي سارتو ـ لاجوس

* الناشر: سويل ـ باريس 2005

* الصفحات :241 صفحة من القطع الصغير

La défaite de la volonté

Jacques Arenes, Nathalie Sarthou-Lejus

Seuil - Paris 2005

p. 241