تعمل آن نيفا مؤلفة هذا الكتاب في إطار تحرير مجلة «لوبوان» الفرنسية، وهي تقيم في روسيا منذ ثماني سنوات حيث كانت قد قامت بتغطية الحرب الشيشانية لعدة صحف فرنسية. قدمت العديد من الكتب ونالت عام 2000 جائزة «ألبيرـ لوندر» الصحافية عن كتابها «كلبة الحرب».
في هذا الكتاب «في جبال آسيا وسهولها» تتعرض المؤلفة للرهانات الدولية حيال خمس دول في منطقة آسيا الوسطى هي كازاخستان وقرغيزستان واوزبكستان وطاجيكستان وتركمنستان . هذه الدول هي ذات أهمية إستراتيجية بالنسبة للقوى الكبرى في العالم بسبب وجود البترول والغاز الطبيعي، ولكن أيضا من حيث تطور حركات الإسلام السياسي فيها.
وما تؤكد عليه المؤلفة منذ البداية هو أن «كبار» العالم يتطلعون صوب هذه المنطقة فالصين ترسل إليها بانتظام وكثافة تجارها وممثلي قطاع الطاقة فيها بحثا عن عقود طويلة الأجل من أجل الاستهلاك الصيني المتزايد.
والولايات المتحدة تبحث عن تعزيز قواعدها العسكرية فيها وروسيا لا تريد «التخلّي» تماما عن هذه الجمهوريات السوفييتية السابقة وتسعى لإبقائها تدور في فلكها وتركيا وإيران تبحثان من موقعهما كقوتين إقليميتين عن حلفاء جدد بين دول آسيا الوسطى المجاورة. تتوزع مواد هذا الكتاب بين ثلاثة أقسام تخص «أهل السهل» و«أهل الجبل» و«أهل الإسلام»، أي ما يغطي جغرافيا مساحة كبيرة أكبر من مساحة أوروبا الغربية كلها، وهي منطقة جبلية عامة لكن تتخللها بعض السهول الشاسعة.
لكن بكل الحالات لا تتم زراعة سوى 1 بالمئة من مساحتها تقريبا وأغلبية سكانها هم من المسلمين ويزيد عدد هؤلاء السكان عن 60 مليون نسمة قليلا، أي أنها ذات كثافة سكانية ضئيلة لا تتجاوز 14 نسمة في الكيلومتر المربع. وليس لبلدان آسيا الوسطى أي منفذ على البحر، بل إن أوزبكستان، الأكبر عددا من حيث السكان، هي الدولة الوحيدة في العالم التي تحيط بها دولتان متتاليتان قبل الوصول إلى المحيط.
كانت منطقة آسيا الوسطى في القرن التاسع عشر محط أطماع إنجلترا وروسيا القيصرية اللتين تنافستا في إطار ما عُرف بـ «اللعبة الكبرى». وتشير المؤلفة إلى وجود «لعبة كبرى جديدة» اليوم بين الولايات المتحدة الاميركية وروسيا ما بعد الحقبة السوفييتية، ولكن أيضا مع وجود «لاعبين» جدد ليس أقلهم أهمية الصين وإيران.
وكانت دول المنطقة الخمس قد تبنّت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي (السابق) اسما ينتهي بـ «تان» (أي ما يعني «شعب») مسبوقا باسم الاثنية التي تمثل أغلبية السكان. هذا مع التأكيد على وجود تداخل بين اثنيات المنطقة داخل حدود الدول التي ورثت الجمهوريات السوفييتية (السابقة).
بمعنى آخر إن «الأقلياتز» متواجدة في جميع دول آسيا الوسطى المعنية بهذا الكتاب. وهذا ما يشكل «برميل بارود» قد ينفجر بأية لحظة. أما اللغات المستخدمة فهي كلها التركية باستثناء طاجيكستان التي تتحدث الفارسية.
كانت مؤلفة هذا الكتاب، كما تشير، قد قامت بأسفار متعددة وطويلة خلال الفترة الواقعة بين عام 2001 وعام 2005 وخاصة في وادي «فرغانة» الذي يبلغ طوله حوالي 300 كيلومتر وعرضه 100 كيلومتر، والذي زتتبلور فيه كل مشاكل المنطقة».
وهو وادٍ محاط بالجبال العالية وهو الأكثر سكانا والأكثر تصنيعا بحيث يشكل «قلب آسيا الوسطى». والمؤلفة تصف أهل الوادي (السهل) وأهل الجبال المحيطة به. تعتبر مؤلفة هذا الكتاب أن حدثين مهين قد وضعا آسيا الوسطى في مقدمة اهتمامات وسائل الإعلام العالمية لفترة من الزمن.
الحدث الأول هو ما عُرف بـ «ثورة الزنابق» في كازاخستان خلال شهر مارس 2005 أثناء عملية فرز نتيجة الانتخابات التشريعية التي كانت قد عرفتها البلاد حيث قامت مظاهرات كبيرة طالب المشاركون فيها باستقالة الرئيس عسكر أقاييف وفرض رئيس جديد منتخب في شهر يوليو من نفس السنة هو كرمانبيك باكييف.
الحدث الثاني شهده شهر مايو 2005 في مدينة انديجان حيث قامت حكومة أوزبكستان بقمع شديد لمظاهرة شعبية في المدينة. هذان الحدثان، المحدودان بحد ذاتهما، تجد فيهما المؤلفة دلالة كبيرة لواقع حالة التوتر الكامن الذي تعيشه آسيا الوسطى وأن هناك أسبابا كثيرة لقيام أشكال من التمرد في الأفق وأن المنطقة قد تكون مهددة بحالة من عدم الاستقرار.
كما أن تنامي نشاط الحركات الإسلامية المتطرفة التي أصبح وجودها ملموسا أكثر فأكثر في العديد من البلدان إنما يعود بالدرجة الأولى إلى عاملين أساسيين أولهما حالة الفقر الكبير المنتشر لدى أغلبية الشرائح الشعبية، رغم حالة الغنى النسبي المهم للبلدان المعنية، وثانيهما حالة القمع البوليسي المنتشرة والانغلاق الكبير الذي تعرفه في العلاقة مع العالم الخارجي.
وعلى السؤال المتعلق بمستقبل آسيا الوسطى؟
تجيب مؤلفة الكتاب بالقول ان البلدان المعنية سوف تتابع مسيرة تنميتها في ظل النفوذ الروسي الذي لا يزال قويا جدا، ذلك أن الفترة الانتقالية على الصعيدين السياسي والاقتصادي التي تلت تفجر الاتحاد السوفييتي عام 1991 هي أبعد من أن تكون قد انتهت، بل تؤكّد أنها سوف تستمر لعدة أجيال لاحقة أيضا.
أمّا بالنسبة للعملية «الديمقراطية»، بمعنى إعادة توزيع الثروة بشكل مختلف وإزالة واقع الفقر لدى الشرائح الشعبية والتي يمكن لها أن «تقطع الطريق أمام مختلف أشكال التطرف» فإنها تتطلب، حسب التحليلات المقدّمة في هذا الكتاب، انتظار «جيل جديد» من أصحاب القرار يصلون إلى السلطة عن طريق صناديق الاقتراع، وذلك على أساس أن جيل القادة اليوم إنما هو بأغلبيتهم الساحقة نوع من «الإرث السوفييتي».
وتشير المؤلفة في هذا السياق أيضا إلى أنه عند إعلان الاستقلال عام 1991 كان أغلبية أولئك القادة ينتمون سابقا إلى الحزب الشيوعي السوفييتي، بل كان أربعة منهم قد أيدوا محاولة الانقلاب التي قام بها المتشددون في النظام السوفييتي ضد النهج الذي كان ميخائيل غورباتشوف قد شرع به من أجل «إصلاح» النظام.
وإذا لم يعلنوا تأييدهم فإنهم كانوا قد انتظروا حتى «يتوضح الوضع» قبل أن يتخذوا موقفا وحده «عسكر اقاييف» كان مؤيدا بشدة لـ «خط موسكو» حتى إرغامه على الاستقالة في شهر مارس 2005. وتفتح المؤلفة هنا قوسين للإشارة إلى أن «اقاييف» كان قد وعد عدم ترشيح نفسه لفترة رئاسية ثالثة، لكنه كان يحضر ابنه وابنته، اللذين كانا، كليهما، عضوين في برلمان قرغيزستان.
وفي معرض تحليل موقف الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، فإن المؤلفة «تراهن» على أن الغربيين قابلون تماما للوضع القائم، أي لـ «الإرث السوفييتي» في هذه المنطقة من العالم، وأنهم لن يحركوا ساكنا من أجل إحداث أي تغيير، أو المساعدة على أي تغيير، طالما أن الوضع يخدم مصالحهم الإستراتيجية.
وطالما أن الشركات الغربية الكبرى تحقق مكاسب هائلة من بترول تركمنستان وغيرها. إذا كانت مؤلفة هذا الكتاب تقدّم أهل سهول وجبال آسيا الوسطى عبر أحداث بسيطة شهدتها أو لقاءات عابرة مع أناس عاديين أو أوصاف لاحتفالات الأعراس والموسيقى،
فإنها تقدم بنفس الوقت رؤية شاملة لآسيا الوسطى باعتبارها مجالا جغرافيا شاسعا وملتقى تاريخيا لجميع الحضارات التي تمركزت حول «طرق الحرير» أو تفاعلت مع العالم عبر غزاة اشتهروا في التاريخ وليس أقلهم شأنا جنكيز خان وتيمورلنك، والذين تصفهم المؤلفة بالقول: «أولئك الغزاة الذين انطلقوا على أحصنتهم من ـ سقف العالم ـ حسب تعبير ماركو بولو ليصلوا إلى أماكن بعيدة».
وكانت آسيا الوسطى أيضا عرضة للاجتياح من قبل إمبراطورية الفرس في ظل داريوس حتى التوسع السوفييتي، وكان العرب قد وصلوا إلى هذه المنطقة خلال القرن السابع. هكذا اشتهرت جبال وسهول و«سهوب» آسيا الوسطى أنها كانت أيضا محط اهتمام «الفاتحين» ولكن أيضا الرحّالة والمسافرين.
وبعد أن تصف المؤلفة حياة أهل المنطقة في القسمين الأولين من الكتاب تكرّس القسم الثالث والأخير لدراسة تنامي ظاهرة التطرف، مع التركيز على دراسة بعض الحركات مثل «حزب التحرير» المحظور في بلدان آسيا الوسطى الخمسة والذي يحظى بشعبية كبيرة رغم افتقاره إلى أي برنامج اقتصادي مستقبلي لمعالجة واقع الفقر المفتشي والذي تعتبر المؤلفة أنه غير بعيد عن تنامي ظاهرة التطرف نفسها.
وقد قامت بعدد من اللقاءات مع مسؤولي هذا الحزب في قرغيزستان وأوزبكستان وطاجيكستان الذين، ورغم أنه «ليس من الميسور كسب ثقتهم»، كما تشير، قبلوا الحديث على الأقل من أجل الدعاية لحركتهم.
هذا وتفرّق المؤلفة بين ما تسميه «الإسلام الرسمي» الذي تدعمه الحكومات و«الإسلام الراديكالي» المعارض للأنظمة القائمة.
وفي المحصلة هذا الكتاب ليس دراسة تاريخية، وليس بحثا في البنية الاجتماعية لبلدان المنطقة المعنية به، وإنما هو بالدرجة الأولى كتاب في السياسة بالمعنى الذي حددته المؤلفة نفسها بالقول: «إن الحديث في السياسة هو ترك الناس يتحدثون عمّا يأكلون وعمّا يملكون ولا يملكون، وعن أحلامهم وأشكال قلقهم».
* الكتاب: في جبال آسيا الوسطى وسهولها
* الناشر: فايار ـ باريس 2006
* الصفحات:381 صفحة من القطع المتوسط
Par les monts et les plaines d'Asie Centrale
Anne Nivat
Fayard - Paris 2006
p. 381
