مؤلف كتاب «قطب السرور في أوصاف الخمور» هو إبراهيم ابن اسحق المعروف ب«الرقيق النديم» وقد وصفه ابن رشيق القيرواني في «العمدة» وابن خلدون «في «المقدمة» وياقوت الحموي «معجم الأدباء»، وقد أجمع هؤلاء على أنه شاعر سهل الكلام محكمه. وانه مؤرخ إفريقية، والدولة التي كانت بالقيروان ولم يأت بعده إلا مقلّد،

وقد أشار «ياقوت الحموي «خاصةً إلى شعره وشاعريته، وأورد له أبياتا شعرية تنم على قريحة فنية وفهم للشعر عميق، كما أشار إلى حياته الخاصة، وأنه كان من أصحاب المجالس، ينادم أهل الشراب، ويسمر مع السامرين من الأدباء والعلماء، وقد ذكر مؤرخو الأدب، أن «للرقيق القيرواني» تصانيف كثيرة منها: «تاريخ افريقية والمغرب، كتاب النساء، كتاب الراح والارتياح، كتاب نظم السلوك في مسامرة الملوك».

ولعل المهمة التي أوكلت إليه في السفر لمقابلة الحاكم في مصر، تدل على مكانة المؤلف المرموقة ومكانه الرفيع بين رجال الدولة الصهناجية في القيروان بتونس، ومما لا شك فيه أن علمه وأدبه، هما اللذان رفعاه إلى هذا المقام، وأحلّاه المرتبة التي تؤهله للسفارة بين الدولتين.ويجمع المؤرخون على أن الصفة البارزة عند «الرقيق القيرواني» هي صفة الكتابة والتأريخ، وقد توفي بالقيروان سنة 417 هجرية.

ولعل اسم هذا الكتاب «قطب السرور في أوصاف الخمور» لا يدل عليه، بل لعل هذا العنوان قد ظلم الكتاب ظلماً فادحاً، بما يوحيه من انصراف كاتبه إلى بحث الخمرة وشرّابها والعاكفين عليها، وكان من الخير لو أنه اختار اسماً غير هذا، يدل على فحوى الكتاب ومحتواه، فهو موسوعة تبحث في أدب الخمرة، ومجالسها، والتداوي بها، والانتفاع بأخلاطها، والنصوص الواردة في تحريمها، وما قيل في الخلافات الفقهية حولها، يضاف إلى ذلك مختارات من القصص الأدبي الرائع، والشعر الفني الأخاذ.

بل يمكن القول: إن ما ورد من الشعر في هذا الكتاب ـ شعر الخمرة خاصة ـ لا يفوقه شعر في الكتب الأدبية الأخرى، فقد أورد المؤلف في نهاية الكتاب، مجموعة من الشعر تدل دلالة قوية على ذوق المؤلف المرهف، وعلى إحساسه العميق بالجمال الفني، واللفظة الشعرية،

واللمحة الموفقة التي تنبئ عن الشاعرية القوية،يضاف إلى ذلك، أن الكثير من الشعر الوارد في هذا الكتاب، لا يمكن أن نعثر عليه في كتب الأدب الأخرى، ولا في الدواوين المطبوعة. والكتاب قسمان: أولهما: خصص للبحث والرواية والشواهد الشعرية والنثرية، وقد وضع المؤلف لهذا القسم عناوين رتبها وفق ما رآه، وهي تقع في عشرين باباً،

منها مثلاً: «أخبار الشعراء المجان، منافع الأشربة ومضارها على مذهب الفلاسفة، ذكر ما جاء في المنادمة، باب الإكثار والإقلال من الشرب، ذكر ما جاء في الصبوح، ذكر ما جاء في الثقلاء، باب أدب السقاة، باب ما جاء في السكر،ذكر ما جاء في تحريم الخمر وشدة النهي عنها».

فهو يذكر لنا حوادث طريفة وأخباراً توضح بنية المجتمع الذي حدثت فيه، فمثلاً: قال إسحق بن إبراهيم الموصلي: دعاني «يحيى بن خالد» فوجدت الفضل وجعفر، وهما ابنا يحيى بن خالد بن برمك، جالسين بين يديه، فقال لي: يا اسحق، أصبحت مهموماً فأردت الصبوح لأتسلى، فغني صوتاً لعلّي أتفرّج وارتاح،فغنيته:

إذا نزلوا بطحاء مكّة أشرقت بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفرِ

فما خلقت إلا لجود أكفهم وأقدامهم إلا لأعوادِ منبرِ

فطرب وارتاح وأمر لي بمئة ألف درهم، وأمر لكل واحد منهما بمئة ألف تنقص ألفاً، فحملت المال بين يديّ وانصرفت.

ومما ذكر ما جاء في الثقلاء: قيل لبعض الحكماء: لمَ صار الرجل الثقيل أثقل من الحمل الثقيل؟ قال: لان الحمل الثقيل يشارك البدن والروح في حمله، والرجل الثقيل تنفرد الروح وحدها بحمله.

أما الجزء الثاني فقد قدّم المؤلف لنا ما جاء في الخمر من الشعر مرتباً على حروف المعجم، وبدأ بقصيدة «أبي نواس» المنتهية بالهمزة:

دع عنك لومي فان اللوم إغراء وداوني بالتي كانت هي الداء

صفراء لاتنزل الأحزان ساحتها لو مسّها حجر مسّته سراء

و يذكر في هذا الجزء كل ما قيل في الخمرة وقد انتهى بالهمزة ومنه ما قاله ابن المعتز ودعبل والبحتري، وصريع الغواني، ثم ينتقل إلى حرف الباء، بادئاً أيضاً بقصيدة أبي نواس:

أعاذل أعتبت الإمام واعتبا وأعربت عمّا في الضمير وأعربا

وهكذا وخلال قرابة ثمانمئة صفحة من القطع الكبير، يقدم لنا المؤلف ما قيل في الخمرة وأحوالها، مع حوادث شيقة ليكون الكتاب سفراً نادراً.