منذ ما يزيد عن عقد ونصف كان لقائي الأول مع الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي، وكانت قد بدأت في مشروع ثقافي وحضاري هام أطلقت عليه اسم «بروتا» وهو اختصار لاسم المشروع باللغة الانجليزية Project for Translation form Arabic ويعني هذا المشروع بترجمة نتاجات الأدب والفكر العربي في مختلف العصور إلى اللغة الانجليزية.

وعلى الرغم من حماستي لهذا المشروع الأدبي والثقافي الرائد أنني أشفقت على هذه الأكاديمية العربية المتحمسة من خيبات الأمل العديدة التي تنتظرها ومنها على سبيل المثال وليس الحصر: اختلاف الواقع العملي بمشكلاته وتعقيداته البيروقراطية والإدارية عن عالم الإنتاج الأكاديمي النظري.

عدم إدراك النخب العربية لأهمية الترجمة سواء من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية أو من اللغة العربية إلى اللغات الأجنبية، عدم تقدير المجتمع الذكوري العربي للمساهمة الأنثوية العربية وحساسيته من رغبتها في إثبات وجودها على الخارطة الثقافية، حساسيات وانقسامات الوسط الأدبي العربي بمختلف اتجاهاته وتياراته.. الخ.

وخلال السنوات الفائتة كنت ألتقي بالدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي اثناء زيارتها لدولة الإمارات العربية المتحدة أو في بعض المؤتمرات الأدبية في عواصم ومدن عربية مختلفة.

وكانت تسرد على المصاعب والمشكلات وأكثرها لم يكن من الأجانب الذين تحمسوا لمشروعها الثقافي المهم بل من النخب العربية التي كانت تتوقع منها المؤازرة والتأييد والدعم، ولكن المشكلات والمصاعب كانت تزيدها اصرارا وعزما على اكمال المسيرة، وكانت كلما أغلق في وجهها باب طرقت أبوابا أخرى.

وكلما خاب أملها في جهة دعم معينة استأنفت نشاطها بمفاتحة جهات دعم جديدة. ولم تفت في عضدها السلبيات، ولم تعيقها الصغائر، ولم تؤثر فيها النكسات بل كانت على الدوام تحول السلبيات إلى ايجابيات وتترفع فوق الصغائر وتتعلم الدروس من النكسات لكي تحولها إلى انتصارات.

وخلال ما يزيد على عقدين من الزمان استطاعت الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي أن تحقق ما عجزت عنه العديد من المؤسسات الرسمية، حيث أشرفت على ترجمة العديد من المجموعات الأدبية والأعمال الإبداعية المستقلة العربية إلى اللغة الإنجليزية، واستعانت في ذلك بأفضل المترجمين والمترجمات ونشرت تلك الأعمال في أهم دور النشر الأكاديمية الأميركية والغربية.

وحصلت تلك الأعمال الأدبية المترجمة على الإشادة والتقدير من كبار المتخصصين والنقاد في مجالات الأدب العالمي المقارن.

آخر إنتاجات الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي صدر من دار النشر الأكاديمية الشهيرة والتابعة لجامعة كولومبيا العريقة بعنوان «الأدب الروائي العربي المعاصر»، ولكي نعرف أهمية هذا العمل يجب أن نعرف أن صفحاته زادت على الألف صفحة وأن النماذج الروائية والقصصية العربية ضمّت معظم الأسماء المعروفة في مجال الإبداع الروائي والقصصي العربي خلال القرن الفائت.

من الرواد حملت المجموعة أعمال مارون عبود، ومحمود البروي، وتوفيق الحكيم، ويحيى حقي، ومحمود طاهر لاشين، وميخائيل نعيمة، والمازني، والمويلحي، وغيرهم.

وفي مجال القصة القصيرة ظهرت نماذج لأعمال معظم كتاب القصة القصيرة في العالم العربي، وتزيد تلك الأعمال على مئة عمل قصصي وفي مقتطفات الرواية هنالك نماذج لأبرز الروائيين العرب.

إن هذا العمل الموسوعي تطلب العديد من المواهب في مجال الترجمة، حيث شارك فيه كوكبة من المترجمين والمترجمات ومنهم: مي الجيوسي، وكرستوفر تينغلي، ونعومي شهاب، وفاتح عزام، وأوليف كيني، ومنى ميخائيل، وروجر ألن، وبيتر كلارك، وجيرمي ريد، ولينا الجيوسي، ودنيس جونسون ديفز وغيرهم.

وحملت هذه الترجمة الأدبية المميزة مقدمة أكاديمية تاريخية لفن الإبداع والكتابة القصصية العربية وذهبت فيها الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي إلى أعماق التاريخ.

حيث رجعت إلى أصول هذا الفن في أخبار العرب منذ أيام الجاهلية مروراً بالأعمال الكلاسيكية القصصية في العصور التاريخية المتعاقبة التي برزت منها أعمال مميزة مثل «كليلة ودمنة» التي صاغ ترجمتها ابن المقفع بلغة عربية ناصعة، ومقامات بديع الزمان الهمذاني، ورسالة الغفران للمعري والسير الشعبية وعلى رأسها كتاب «ألف ليلة وليلة» الذي لاقى قبولاً جماهيرياً كبيراً في أوروبا بعد ان ترجم إلى الفرنسية في بداية القرن الثامن عشر.

وانتقلت بعد ذلك إلى التجارب العربية المبكرة في فن الرواية مثل أعمال جورجي زيدان في روايات «تاريخ الإسلام»، ورواية «الأجنحة المتكسرة» لجبران خليل جبران 1912 ورواية «زينب» لمحمد حسين هيكل 1914 .

ورواية «عودة الروح» لتوفيق الحكيم وعرجت بعد ذلك على المساهمة الأبرز في مجال الفن الروائي والقصصي ألا وهي تجربة رائدة الفن الروائي الأديب المعروف نجيب محفوظ والحائز على جائزة نوبل للآداب وتحدثت عن أعماله الرئيسية: الثلاثية، والشحاذ، والسمان والخريف، واللص والكلاب، وثرثرة على النيل، وخان الخليلي، والقاهرة الجديدة، وأولاد حارتنا وغيرها من رواياته المعروفة.

وبعد ذلك انتقلت الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي إلى المعالم الفنية للقصة والرواية في العالم العربي وذلك من خلال دراسة الاتجاهات الرئيسية لقضايا الشكل والمحتوى والتجريب والتنوع مشيرة إلى أبرز التجارب الروائية والقصصية لدى عبدالرحمن منيف، وجمال الغيطاني، وإبراهيم نصر الله، وغسان كنفاني، وإدوارد الخراط، وغائب طعمة فرحان، ويوسف إدريس، وزكريا تامر.

ولا شك أن هذه المقدمة الضافية تعد مدخلا أكاديميا جاداً للقارئ الأجنبي الذي سيقرأ هذه المجموعة القصصية والروائية والتي تحمل إبداعات الكتاب والكاتبات العرب من أقطار مختلفة في تضاريسها وجغرافيتها وتاريخها وتطورها الاجتماعي والحضاري.

ان الأعمال التي أنجزتها الدكتورة سلمي الخضراء الجيوسي من خلال مشروعاتها الرائدة «بروتا» هي منجزات تدعو إلى الإعجاب ولاشك ان المرحلة المقبلة والتي تحمل العديد من تداعيات العولمة تتطلب مد الجسور مع مختلف الحضارات والثقافات ولا يوجد بديل عن ترجمة الأدب والفكر العربي إلى مختلف اللغات العالمية وعلى رأسها اللغات الانجليزية والأسبانية واليابانية والصينية وغيرها.

ان استمرارية مشروع «بروتا» أمر حضاري مهم ولابد ان تقوم المؤسسات الثقافية العربية ووزارات الثقافة العربية والشركات والمؤسسات الخاصة الكبرى بتقديم جميع أنواع الدعم لهذا المشروع الحيوي الذي لن يستمر بدون هذا الدعم.

بل أن المؤلفة تذكر في مقدمة هذا الكتاب أنه ما كان ليرى النور لولا الدعم السخي من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة ومن سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية في دولة الإمارات العربية والأستاذ أحمد السويدي.

المشاريع الثقافية الناجحة في عالمنا العربي قليلة جداً، لذلك من الواجب دعمها وتشجيعها، أما الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي فلها من كل العرب كل الحب والتقدير ونشد على يديها وندعو لها بطول العمر لمزيد من الإبداع والانجاز الثقافي.

* الكتاب: الأدب الروائي العربي المعاصر

* الناشر: جامعة كولومبيا ـ نيويورك 2006

* الصفحات: 1088 صفحة من القطع الكبير

Modern Arabic fiction

anthology

Salma khadra jayyusi

Columbia university press - n.y 2006

P.1088

محمد المر