مؤلف هذا الكتاب هو أحد كبار أساتذة الجامعة الفرنسية. فهو أستاذ متقاعد في جامعة «تور» وعضو سابق في المعهد الجامعي لفرنسا.

وكان قد نشر سابقا عدة كتب نذكر من بينها: «وداعا أيها الفلاسفة: ماذا تبقى من عصر الأنوار»؟ وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف عن تاريخ المكتبات في العالم ومصيرها على مرّ العصور. كما ويتحدث عن حبه للمكتبة منذ نعومة أظفاره ويقول بأنه أمضى أكثر من نصف عمره في المكتبات كباحث علمي وأستاذ جامعي.

وبالتالي فهو يعرف عما يتحدث. ومنذ البداية يقول بما معناه: في البداية كانت هناك مدينة الإسكندرية ومكتبتها التي تضم اللفائف أو المخطوطات المقبلة من مختلف أنحاء العالم. ولكن حدود العالم آنذاك كانت هي البلدان الواقعة على حوض البحر الأبيض المتوسط من كل الجهات وليس الصين أو الهند... الخ.

وفي الثقافة الأوروبية الحديثة تحتل مكتبة الإسكندرية القديمة مكانة ذات أهمية خاصة. نقول ذلك على الرغم من أنها لم تكن الأولى. فقد وجدت مكتبات أخرى قبلها وبخاصة مكتبات أثينا. ولكنها لم تصل إلى حجمها أبدا. ولم يكن لها نفس المشروع الضخم علميا وسياسيا. فأرسطو كان من كبار هواة الكتب. وبالتالي فكان يمتلك مكتبة خاصة به.

ولكنه بعد أن يستخدمها لتحضير دروسه كان يضعها تحت تصرف تلامذته ولا يحتفظ بها لنفسه. ولكن لا يمكن اعتبارها بمثابة مكتبة عامة كمكتبة الإسكندرية المقبلة.

ثم يردف المؤلف قائلا: وبعد موت أرسطو راح بطليموس الفيلاديلفي يشتري مكتبة الإسكندرية التي كان سلفه بطليموس السويتري قد أسسها من قبل.

وبدون أن ندخل في التفاصيل نستطيع القول بأن الكهنة والملوك والفلاسفة كانوا يمتلكون مكتبات خاصة بهم وغير مفتوحة للعموم. بل وحتى قبل مكتبة أثينا كانت هناك مكتبات أقدم بكثير في منطقة وادي الرافدين، فهو أول حضارة في العالم.

وهنا تطرح مسألة الكتابة نفسها علينا. فالواقع أن الهدف من أول مكتبة في العالم، أي مكتبة وادي الرافدين، هو أن تحفظ التاريخ مكتوبا لكيلا يضيع أو ينسى. فالذاكرة الشفهية لا تكفي لحفظ مآثر الملوك والرجال العظام.

وبالتالي فلا بد من الكتابة على ورق الشجر، أو عظام الحيوانات أو سعف النخيل أو أي مادة أخرى لحفظ تاريخ السلالات المالكة. وكانت أول مكتبة ظهرت على سطح الأرض هي تلك التي بناها الملك آشور بانيبال عام 668 قبل الميلاد.

وقد استطاعت البعثة الأركيولوجية الإنجليزية التي بحثت في العراق إبان القرن التاسع عشر أن تستخرج من باطن الأرض مئات الصفائح والألواح التي كتبت عليها نصوص تلك الفترة السحيقة من تاريخ البشرية.

فقد اكتشفوا خمسمئة صفيحة كاملة غير منقوصة، ومئات القطع المتبعثرة من الصفائح الأخرى. وقدروا عدد محتويات مكتبة هذا الملك الآشوري بما لا يقل عن ثلاثين ألف صفيحة أو لوحة. وكانت هذه الصفائح تحتوي على كل المعرفة المتوافرة في ذلك العصر. ولكنها كانت تعاني من بعض النواقص التي سدتها مكتبة الإسكندرية المقبلة.

ومعلوم أن هذه الأخيرة كانت أول مكتبة عامة بالمعنى الحقيقي للكلمة. وقد أسست في القرن الثالث قبل الميلاد ثم ازدهرت فعلا في القرن التالي على يد أحد جنرالات الإسكندر المقدوني، بطليموس السويتري. بالطبع لا نقصد بكلمة مكتبة عامة أنها كانت مفتوحة لعموم الشعب.

وإنما نقصد أنها كانت علنية ومشهورة في كل مناطق حوض البحر الأبيض المتوسط. وكان العلماء يستطيعون الدخول إليها واستشارة مخطوطاتها.الجميع في اليونان أو إيطاليا أو مصر أو فلسطين كانوا يعرفون أنه توجد مكتبة ضخمة في الإسكندرية، وأنها تحتوي على كافة العلوم والمعارف السائدة في ذلك الزمان. وكانت شهرتها تسدّ الآفاق وتتحول إلى أسطورة.

ويقال إنها كانت تحتوي على سبعمائة ألف لفيفة أو مخطوطة عندما غزا يوليوس قيصر مصر ودمر أسطولها في عرض الإسكندرية، الشيء الذي أدى إلى حرق جزء من المكتبة الشهيرة. ولكن إذا كان الحرق الأول لها فإنه للأسف لن يكون الأخير.

ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن إعادة بناء مكتبة الإسكندرية من جديد بالتعاون بين مصر وفرنسا في العشرين سنة الماضية. وهكذا أعادوا إلى مكتبة الإسكندرية القديمة سابق عهدها وأمجادها.

فالآن توجد فيها أهم مكتبة في الشرق الأوسط وربما لا تتفوق عليها من حيث الحجم إلا مكتبة الكونغرس في أميركا أو المكتبة الوطنية الجديدة في فرنسا. ولكن ليس من المؤكد أنهما تتفوقان عليها.

ثم يخصص المؤلف بعدئذ فصلا للكتب التي يحرقونها، أو يبترون بعض أجزائها أو يشوهونها ويقول: لم أر في حياتي كلها شخصا يحرق الكتب أو ينتقم منها. ولكني أعرف أن ذلك حصل في الماضي لأسباب عديدة من دينية، أو إيديولوجية، أو سياسية.

فمنذ أقدم العصور والسلطات الدينية أو السياسية تمارس عملية حرق الكتب من وقت لآخر وبنوع من الحماسة والفرح أحيانا. وليس صحيحا أن الجلاديين الهمجيين أو الفاتحين العسكريين لم يكونوا يعرفون ماذا يفعلون عندما كانوا يحرقون الكتب.

فالواقع أنهم كانوا يقومون بتحقيق دقيق عن نوعية هذه الكتب ومحتوياتها قبل أن يقرروا إتلافها.

وكانوا ينظمون حفلة رسمية أو جماعية للشعب لكي يشهد الناس حرق الكتب على الملأ. وفي معظم الأحيان كانوا يحرقون كل الكتب باسم الدفاع عن كتاب واحد يمتلك الحقيقة المطلقة.

وكانوا يقولون: بما أنه يمتلك الحقيقة المطلقة فما حاجتنا إلى الكتب الأخرى؟ أرموها في النار أيها الناس ولا تأسفوا عليها! وعلى هذا النحو حرقوا كتب فولتير وجان جاك روسو وسواهما من فلاسفة التنوير في فرنسا إبان العهد القديم.وعلى هذا النحو كانت الكنيسة الكاثوليكية تحرق الكتب المدعوة مهرطقة أو زنديقة أثناء العصور الوسطى.

وكانوا يقولون: بما أن الكتاب المقدس يحتوي على الحقيقة المطلقة فما الداعي للاحتفاظ بكتب الفلسفة والعلوم؟ وهكذا حرقوا جميع الكتب أحيانا ما عدا الكتب الدينية المسيحية. بل وحتى الكتب الدينية حرقوها عندما حكموا عليها بأنها تنشر البدع والزندقات في المجتمع. وعلى هذا النحو حرق الفاتيكان كتب مارتن لوثر مؤسس الإصلاح الديني في أوروبا. وقد رد عليهم بأن حرق رسائل البابا شخصيا! !

ثم حرقت الكنيسة كتب إيراسموس، أمير عصر النهضة الأوروبية بحجة أنها خارجة على الصراط المستقيم والدين الصحيح. وطيلة التاريخ السابق على الحداثة حرقت الكنيسة العديد من كتب الفلاسفة والعلماء. وأحيانا كانت تكتفي بوضعها على لائحة الكتب المحرمة: أي المحرم قراءتها على جمهور المسيحيين.

فكتب ديكارت مثلا وضعت على هذه اللائحة الشهيرة من قبل الفاتيكان عام 1666، أي بعد عشر سنوات أو أكثر من موته.

وهذا ما فعلوه مع كتب غاليليو وبقية «الهراطقة». فنظريات هؤلاء الفلاسفة أو العلماء كانت تتعارض مع عقائد الكنيسة المسيحية المقدسة.

ومن بينها نظرية مركزية الأرض أو دورانها حول الشمس. فكل من يقول بأن الشمس هي مركز الكون وليس الأرض، أو كل من يقول بأن الأرض هي التي تدور حول الشمس وليس العكس، كان يعتبر زنديقا كافرا وينبغي فصله من الكنيسة وملاحقته وحرق كتبه إن لم يكن حرقه هو شخصيا!

فهناك علماء حرقوا أيضا، نضرب عليهم مثلا الفيلسوف الإيطالي الشهير جيوردانو برينو الذي سجنوه مدة ثماني سنوات في كهوف الفاتيكان قبل أن يقطعوا لسانه لأنه خالف العقائد المسيحية ثم ألقوا جسده طعمة للنيران.

ثم يختتم المؤلف كلامه قائلا: وبالتالي فلحسن الحظ إننا لم نعد نعيش في عصر حرق الكتب وإنما في عصر تمتلئ فيها المكتبات بالكتب وتفتح أبوابها لكل الناس لكي يتثقفوا ويتعلموا ويوسعوا مداركهم وعقولهم. وهذا هو معنى الحضارة الحديثة، حضارة التنوير والعقلانية.

* الكتاب: حب المكتبات

* الناشر: سويل ـ باريس 2006

* الصفحات: 293 صفحة من القطع الكبير

L'amour des bibliothèques

Jean Marie Goulemo

Souil - PARIS 2006

P.293