مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور فتحي العفيفي وهو أستاذ جامعي ومتخصص في الفكر الإستراتيجي الخليجي ومحاضر في العديد من مراكز الأبحاث الخليجية.

صدر له من قبل العديد من الكتب والأبحاث في مجال الدراسات الخليجية. ويتناول المؤلف من خلال كتابه الجديد الضربات العنيفة التي اهتزت بفعلها «الإقليمية الخليجية» وزلزلت بموجبها القيم السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواصلت في المنطقة لما يزيد على نصف قرن.

وذلك من خلال معالجة أكاديمية صارمة لكل القضايا والإشكاليات التي اجتاحت منطقة الخليج العربي في مرحلة تاريخية حاسمة من عمر الزمن المتحول والمنجرف نحو تحديات جديدة صاخبة ومروعة تحمل في طياتها تغييرات جذرية هي في حد ذاتها ملامح الغموض الحاد للمستقبل المنظور.

في التأصيل للفكرة الأساسية لموضوعه يشير المؤلف إلى أنه على مدى نصف قرن وتحديدا منذ انتهاء مباحثات البنتاغون في 1947 والتي تسلمت بموجبها الولايات المتحدة مفاتيح التحكم والسيطرة ثم القيادة من حليفتها بريطانيا بدأت علاقة شديدة الخصوصية يطلق عليها المؤلف «الإقليمية الخليجية».

بحيث حرصت الولايات المتحدة على أن يكون لهذا الإقليم سياساته وتصوراته الإستراتيجية بعيدا عن تعقيدات الشرق الأوسط ومنطقة الحزام الشمالي (إيران ـ تركيا) والتي لها حدود مشتركة مع الاتحاد السوفييتي السابق.

ويعالج المؤلف موضوعه من خلال تناول استعصاء التوازن في الإستراتيجية الأمنية الجديدة مركزا في هذا الخصوص على الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الإستراتيجية الأمنية الجديدة والتي برزت أهميتها إثر ظهور النفط حيث إن المسألة الأمنية، حسبما يشير المؤلف، لم تكن تثير جدلا من أي نوع في منطقة الخليج العربي قبل حقبة الطفرة النفطية. ويوضح أن هذه الإستراتيجية أصبحت صيغة أميركية خالصة.

ويعرض المؤلف في هذا الخصوص لإرهاصات التحول الأميركي الراديكالي من السياسة المثالية النموذجية الاستحيائية الخجولة في طرح استثماراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العالم إلى رؤية جديدة تعكس صيغة أمنية مغامرة تعظم الشأن الأميركي وتدعي أحقيته الزمنية في الهيمنة بعد نجاح الثقافة والاقتصاد الأميركي المذهل في استقطاب العديد من الشعوب والدول فيما عرف بالحضارة المعاصرة.

ومن ثم فقد انبرت النخب والميديا الأميركية للإعلان عن مفاهيم جديدة للإدماج السياسي والاقتصادي واختصار المرحلة في مصطلح الأمركة عوضا عن العولمة.

كما يعرض لكيفية التعاطي الإقليمي الخليجي حيال هذه التحولات القسرية الرعناء. ورغم إشارته إلى صعوبة التنبؤ بمدركات إستراتيجية لصيغ الأمن المحتملة إلا أن المؤلف يشير إلى أنه يمكن القول إن الولايات المتحدة سوف تحدث تغييرا جذريا في الهيكلة والأطر الاجتماعية والاقتصادية.

وإن لعبة السياسة في الإقليم أضحت شأنا أميركيا خالصا، وأن التغيير المنتظر في العراق سيكون بمثابة اللبنة التي سيتداعى بفعلها البنيان الخليجي الذي استقرت دعائمه لعقود طويلة.

بيد أن ما لم تدركه الإدارة الأميركية، حسبما يذهب المؤلف، حقا هو أنها تبذر بذور الفناء الحقيقي لحضارتها وأن طمس الهويات وسحقها تاريخيا كان مدعاة لتحديات تحفيزية نحو استجابات عنيفة وأن عولمة القهر وصناعة الكراهية هما التحدي الجديد للحضارة العربية الإسلامية وتلك فصول دراما جديدة ربما لا نعايش نهايتها التاريخية.

ثم يتطرق المؤلف بعد ذلك إلى ذرائعية الصراع الأميركي ضد العراق الراديكالي متطرقا إلى سعي العراق لقيادة النظام السياسي الخليجي ومقاومة الولايات المتحدة للأطماع العراقية في الكويت وكذلك عرقلة بغداد لمساعي الهيمنة الأميركية على الإقليم، الأمر الذي عزز من نهج واشنطن نحو تصفية جيوب الحرب الباردة.

ومما يشير إليه المؤلف في هذا الخصوص أن تغيير النظام السياسي في العراق كان هدفا إستراتيجيا أميركيا قائما منذ ما يقارب من نصف قرن حيث إن انقضاء النظام أو العهد الملكي إثر ثورة يوليو 1958 كان إيذانا بخروج العراق تماما من جوقة الغرب، والإعلان عن راديكالية جديدة ذات توجهات أيديولوجية عدائية الطابع وشديدة الحساسية حيال كل ما هو غربي وأميركي على نحو خاص.

ويتناول المؤلف في هذا السياق جذور الأزمة وأيديولوجيا الصراع ومن ثم الاتجاهات الراديكالية والبراغماتية بين الولايات المتحدة الأميركية وإحدى قطع الدومينو في رحلة طويلة عبر الزمن.

ويشير إلى أن إشكالية العراق تمثل علاوة على كسر راديكاليته أحد أهم المعالم الرئيسية لعزم الولايات المتحدة على تصفية جيوب الحرب الباردة وإنهاء كافة الأطر والهياكل التي كانت تقاوم نزعة الهيمنة الأميركية وكانت الكويت هي المحك الذي ارتسمت بفعله مثل هذه الأيديولوجية النزاعية.

حيث لم يكن الارتطام العنيف الحادث في حرب الخليج الثانية من أجل تحرير الكويت وإنما لتحرير السياسة الأميركية من ربقة الأيديولوجيات والانعتاق من كلاسيكية الماضي والانخراط الكامل في عمق المشروع الامبراطوري الجديد.

ثم يرصد المؤلف سقوط دولة البعث وتداعي الإقليمية الخليجية موضحاً أن السياسة والإستراتيجية والإيديولوجية أرغمت على الانزواء وأن تتوارى خلف ضجيج الطائرات وصخب القاذفات وألسنة اللهب في إعلان صارخ عن غطرسة القوة والبداية الفعلية للزمن الأميركي الصعب.

وهنا فإنه يقرر أن الحرب على العراق لم تكن هي الحل الوحيد لإزاحة صدام حسين عن السلطة هناك وهو ما بدا في عجز كافة المسوغات والتبريرات عن إخفاء الهدف الحقيقي لكل ما حدث.

كما صار سقوط حزب البعث في العراق عنوانا بارزا وحادا لتداعي الإقليمية الخليجية والانتهاء الفعلي لكافة القيم والتفاعلات والأنماط السياسية التي حكمت المنطقة عرفا وقانونا لأكثر من نصف قرن من الزمان وتساءل الجميع:

هل كنا نعيش تاريخا ينسب برمته بأزمنته وشخوصه وجغرافيته إلى نسج المؤامرة؟ وهل كانت الولايات المتحدة بكل هذا القدر من التحمل والصبر وهي تنتظر هذا الزمن الجميل؟ وهل كان صدام حسين يخدعنا كل الوقت وهل تمت المقايضة الأخيرة بين حياته والصمت عن معرفته الأكيدة بحدود مثل هذه المؤامرة؟

وفي محاولته للإجابة يشير إلى أن الحرب على العراق كانت مجس اختبار مهما وناجزا للعديد من الأفكار والسياسات التي ظلت هاجسا أميركيا ملحا ترنو إليه في تلكؤ بطيء منذ انتهاء الحرب الباردة الدولية.

ويقرر أن انبطاحا مشرقيا وعربيا على هذا النحو الذي حدث سيغري ولا ريب الطموحين بهوس العولمة والفكر الإمبراطوري في الإدارة الأميركية على المزيد من التمادي في الاستهداف العنيف لكافة التيارات والقوى التي تشكل حالات رفض لأميركا.

وهذه المقصلة سوف تولد المزيد من الأحقاد والعنف المضاد وهي الأجواء التي من شأنها خلق مناخ عام من التوتر والإرباك وحالة من الفوضى التاريخية التي سيطول أمدها ويفتح المستقبل على مصراعيه أمام ظواهر تفضي حتماً إلى الاحتلال والارتهان السياسي.

ثم يتطرق بعد ذلك إلى ما يسميه قضية فراغ السلطة في الخليج والمنطقة العربية، مشيراً إلى أن الأقطار العربية عايشت بطرق متباينة وفي مراحل متفاوتة بعضا من الليبرالية والديمقراطية وآليات عملها من خلال جملة من الحريات الفردية الملازمة لليبرالية.

مثل حرية الفكر والاعتقاد وحرية التعبير وحرية العمل والتنظيم والتجارة وبناء المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية واحتوت إضافة إلى تلك العناوين الليبرالية على نوى المؤسسات الدستورية الديمقراطية التمثيلية (البرلمان ـ الأحزاب ـ الانتخابات ـ فصل السلطات).

وقد ابتدأت بذور هذه المرحلة في ظل دولة الاحتلال وتطورت مضامينها في عهود الاستقلال فشكلت في مناخها نخبة ليبرالية ضيقة النطاق خاضت معركة التفاوض مع المحتل لنيل الاستقلال وتبادلت فيما بينها السلطة والنفوذ وأظهرت الحرص على وضع العقبات أمام توسع دائرة المشاركين في العملية الديمقراطية.

ثم يعرض المؤلف بعد ذلك لما يسميه صراع المستقبليات البديلة في البيئة الإقليمية مشيرا إلى أنه في منطقة ملتهبة تموج بالعديد من التحديات السياسية والإستراتيجية من الصعب التنبؤ بما ستؤول إليه الأوضاع مستقبلا.

غير أنه يوضح أنه رغم ذلك يمكن رصد وتحليل مجموعة من التفاعلات العنيفة التي تمثل مفاتيح لفهم حرب معلنة على المنطقة منذ نصف قرن من الزمان وهى حروب غير منتهية ومعارك نصف بادئة.

كما يشير الدكتور فتحي العفيفي في سياق تناوله لهذا الجانب إلى أن العولمة حسب رأيه موجودة منذ بدء الخليقة حيث إن كل النظريات الكبرى من الأزل لم تخل من صبغة شمولية كونية أصلية بما في ذلك أن الأديان السماوية والنظريات الأرضية الكبرى.

الفرق الجوهري يكمن في أن الليبرالية الأميركية الجديدة مسلحة ومدعومة بالقوة الغاشمة غير المسبوقة في التاريخ ومن ثم من حق كل الأفكار أن تتزاحم من أجل صياغة مستقبليات بديلة.

* الكتاب: أمريكا في الخليج

* الناشر: مركز الأهرام للترجمة والنشر ـ القاهرة 2005

* الصفحات: 286 صفحة من القطع الكبير

ألفت عبد الله