مؤلفة هذا الكتاب د. وضحى يونس من مواليد اللاذقية في العام 1966م، تحمل الدكتوراه في الآداب، وتعمل مدرسة لمواد الأدب والنقد القديم في جامعة تشرين. لها مقالات ودراسات أدبية عدة منشورة في الدوريات والمجلات المحكمة. يشتمل كتابها «القضايا النقدية في النثر الصوفي حتى القرن السابع الهجري» على مقدمة وأربعة فصول وخاتمة وثبت بالمصادر والمراجع العربية.

تنوه الباحثة في مقدمتها إلى أن حظ النثر الصوفي من النقد يكاد يكون معدوماً، لأنه هُمِّش ولم يُعر اهتماماً.

وإذا كان ثمة حركة نقدية تناولت الصوفية مثل كتاب «اللمع في التصوف» للسراج الطوسي، وكتاب «طبقات الصوفية» لأبي عبد الرحمن السلمي، وكتاب «حلية الأولياء» لأبي نعيم الأصفهاني، فقد تناولتها بوصفها ظاهرة.

إذ تمحورت حول التأريخ، والتصنيف، والتراجم، والجمع، والتحقيق، وتدوين الانطباعات العامة والذاتية عنها، والاهتمام بأبعادها الدينية والفلسفية، لا بأبعادها الفنية. فقد أهمل النقد روح الأدب التي تسري في نصوص النثر الصوفي على الرغم من ظهوره المبكر في القرن الأول الهجري.

ومن هنا فإن هذا الكتاب يتصدى لدراسة القضايا النقدية في النثر الصوفي ـ معرفياً وتعبيرياً ـ باستخدام معايير النقد القديم، في محاولة لاكتشاف مدى استجابة ذلك النثر لتلك المعايير.

كما تستعين الباحثة بأكثر من منهج منها المنهج البنيوي الذي يدرس نماذج النثر الصوفي، من خلال إحصاء الألفاظ وتحديد معانيها الرئيسة المفردة والسياقية لإبراز المجالات الدلالية الرئيسة وكذلك المنهجان التاريخي والاجتماعي في دراسة موضوعات النثر الصوفي ومدى تأثرها بواقع عصرها وحياة كتابها، والمنهج الأسلوبي للكشف عن الطاقات التعبيرية الكامنة في اللغة الصوفية ودورها الجمالي.

في قضية الشعر والنثر، ترى الباحثة أن فن النثر كان مهمّشاً في النقد العربي القديم لأن الثقافة الرسمية السائدة كانت مرتبطة أشد الارتباط بالشعر، ما دفع النقاد إلى تفضيل الشعر على النثر.

وكانت إحدى أخطر نتائج هذا التفضيل انقسام النص الإبداعي إلى مضمون سابق وشكل لاحق، إلى اعتبار المعنى محور اهتمام النثر، واللفظ محور اهتمام الشعر.

ولكن طغيان الاهتمام بالشعر وتفضيله على النثر، لا يعني إهمال النقاد القدماء للنثر إهمالاً مطلقاً، فقد قاربوا الكثير من القضايا النقدية المتعلقة به ووضعوها محل اهتمامهم، مثل أدب الرسائل، والخطب، والبلاغة النثرية، والمفاضلة بين الشعر والنثر.

وفي قضية اللفظ والمعنى تشير الباحثة إلى أن نقاد اللفظ والمعنى انقسموا إلى فريقين: الأول يرى أن اللفظ بائد والمعنى باق، يمثله الجرجاني وأبو حيان التوحيدي، والثاني يرى أن المعنى هو البائد، واللفظ هو الباقي، يمثله الجاحظ. وكان الفريق الثاني هو الأقوى، بدليل انصراف أغلب الدراسات النقدية إلى أدب الصنعة، شعراً كان أو نثراً.

وكان من أخطر نتائج الفصل بين اللفظ والمعنى، طغيان ظاهرة اللفظية على التراث الأدبي والنقدي على حد سواء.

أما فيما يتعلق بالتنظير للبلاغة والبيان فترى الباحثة أن كتب النقد القديم حفلت بالتنظير العلمي للبلاغة والبيان، وبتقديم تصورات مثلى للكلام الأفضل والأجود، وبتعريفات للبلاغة والبيان، ولضروب كل منهما، وتقرير أصولها ومدارسها بين الطبع والصنعة، وكيفية كون المرء كاتبا.

والحديث عن قضايا أسلوبية بديعية، وبيانية، وشروط استخدام فروع هذين العلمين، وتحديد خصائص أسلوبية، وألوان جمالية في الكلام، وإثارة مسائل بلاغية، وتصورات عن نضوج العمل البياني البلاغي.

وتشير الباحثة إلى الجهود المميزة لكل من بشر بن المعتمر، وأبي سليمان المنطقي، والتوحيدي، والجاحظ، وعبد القاهر الجرجاني، وحازم القرطاجني، وابن الأثير، في هذا المجال.

ثم تنتقل المؤلفة إلى أبرز القضايا النقدية المعرفية في النثر الصوفي، وهي الحب والمعرفة، والجدل، والخيال، والكمال، وعلاقة كل قضية بالأخرى.

حيث تتداخل قضية الحب وقضية المعرفة، لأن المعرفة الصوفية هي معرفة القلب. وتتداخل قضية الحب ـ أيضاَ ـ وقضيتي الخيال، والكمال، لأن الخيال يصور المحبوب بجمال وجلال وكمال، فضلاَ عن كون الخيال قضية معرفية تتصدى لابتكار المثل الأعلى، وأما الجدل فكان القضية الأكثر تعبيراً عن المعاناة الصوفية.

كما يدرس هذا الفصل ثنائية الموت والحياة، وثنائية العقل والقلب، وثنائية الظاهر والباطن. وتتوقف الباحثة في دراستها لهذه القضايا ومفاهيمها عند كل من أبي يزيد البسطامي، ورابعة العدوية، وفريد الدين العطار، والعباسة، والحلاج، والنفّري، وابن عربي، وأبي سليمان الداراني، وابن طفيل، والسهروردي، والجيلي، والغزالي. كما تتوقف عند جهود المعاصرين وفهمهم للظاهرة الصوفية، ومنهم نصر حامد أبو زيد، وأدونيس.

وتحت عنوان «القضايا التعبيرية في النثر الصوفي» تتناول الباحثة قضية اللفظ والمعنى ومعنى المعنى، والرمز، والشطح، والبيان والبديع. وترى أن النثر الصوفي حقق درجة الاتحاد بين اللفظ والمعنى، فاللفظ ليس مجرد أداة توصيل، بل مستوى تعبيري يناظر الشحنة النفسية والروحية في الأحوال والمقامات الصوفية، ولأن التجربة الصوفية تجربة في اكتشاف معنى الكون والوجود.

حيث يكتشف الصوفي لكل شيء معنى، ويغدو اللفظ معنى أولاً في داخله معان كثيرة هي وليدة معنى المعنى، تلك الطاقة الإيحائية بلا حدود، فقد خلّص الصوفيون مفهوم (المعنى) من جموده، ونبّهوا من موقع الفكر الديني والفلسفي إلى ضرورة اكتشاف المناطق المجهولة من المعنى، بوساطة الكشف للوصول إلى معنى المعنى، وأبرز سماته التحرر من قيد اللفظ.

أما الرمز في النثر الصوفي فهو قضية تعبيرية وأسلوب للتعبير الأمثل عند المتصوفة، لأنه مخرج آمن لأفكارهم الجديدة الجريئة، ومن أبرز سماته أنه قد يكون رمزاً لنقيضه، فالموت مثلاً رمز للحياة لأنه حياة أخرى.

وترى الباحثة أن دراسة الرموز الصوفية من حيث صياغتها، يكشف عن ثلاثة أنواع، هي الرمز الذهني والرمز الحسي، والرمز المجازي، فالرمز الذهني ليس رمزاً مفرداً بل هو تركيب لفظي ولا يُستمد من الواقع، لأن معادله الموضوعي لا ينتمي إلى الواقع بل إلى الذهن، والرمز الحسي هو رمز مباشر يقع في كلمة واحدة كرمز الطير والبحر..

أما الرمز المجازي فهو المعاني الثواني التي أحرزها المجاز، لأن المجاز هو التعبير غير المباشر، وهو الإيحاء والإشارة، ومنه الاستعارة والكناية.

وعلى الرغم من تنوع الرموز الصوفية، فالرمزان الذهني والمجازي هما الأقرب إلى طبيعة التجربة الصوفية، لأنها تجربة في عالم الشعور، والمعنى، والخيال.

وتخلص الباحثة إلى القول إن النثر الصوفي إبداع نهل من الموهبة والتأمل والباطن، فلا تكلّف فيه، ولا تقليد، لأن النص الصوفي هو التجربة ذاتها التي يصفها وهي تجربة نفسية انفعالية تنشد الكشف، تبتكر لغتها الخاصة الغامضة والمجردة للتعبير عن رؤاها. وإذا كانت العلاقة بين القديم والمحدث علاقة يهيمن فيها القديم ويثبت الأصول دينياً وفنياً.

فقد كانت الصوفية من المواجهات البارزة لهذه الهيمنة، حيث طورت الإيمان التقليدي إلى معركة كشفية، والمحبة الأرضية إلى محبة سماوية مبحرة في الكون، ومن هنا فإن نصوص النثر الصوفي نصوص ثرة بمضامين وأساليب متفردة، فيها ابتكرت أسس بنائية جديدة، ولغة توازي العالم المكتشف قوامها الصورة، والرمز، والإشارة.

وفي ختام الكتاب تقدم المؤلفة دراسة تطبيقية تتناول نصوصاً نثرية لأئمة هذا الفن في التراث الأدبي، كالحلاج، والنفّري،والسهروردي، والبسطامي، والتوحيدي، وابن عربي، في محاولة لاكتشاف القيم الجمالية فيها،والبحث عن طريقة دراسة مثلى توفّق بين كونها نصوصاً فلسفية ونصوصاً أدبية في إطار تحليلها شكلاً ومضموناً، وتفسيرها بدراسة ألفاظها، وتحديد المعاني الأساسية لهذه الألفاظ.

* الكتاب: القضايا النقدية في النثر الصوفي حتى القرن السابع الهجري

* الناشر: اتحاد الكتاب العرب - دمشق 2006

* الصفحات: 232 صفحة من القطع الكبير

نذير جعفر