ولد الشاعر رديارد كيبلنغ الايرلندي الأصل في بومباي بالهند عام 1865 لأب فنان ومعلم وتوفي في عام 1936 في لندن.وحاز على جائزة نوبل عام 1907. عاش سنواته الأولى حياة شبيهة بحياة بطله كيم، و يتحدث الهندستانية مثله.
في السادسة أرسله أهله مع أخته إلى إنجلترا لدخول المدرسة وقد أمدته السنوات الأولى في إنجلترا، والتي كانت سنوات عذاب، وتحت اشراف امرأة اسمها مسز هولوواي بموضوع دائم للكتابة هو التفاعل بين الشباب والسلطة المنغصة، بعدها ذهب إلى مدرسة اقل شأنا مخصصة لأطفال موظفي الإدارة الاستعمارية، وعاد إلى الهند 1882.
إلى عائلته كما يخبرنا في سيرته الذاتية «شيء من نفسي»، عمل صحافيا في البنجاب لمدة سبع سنوات أولا في النشرة المدنية والعسكرية ثم في صحيفة الرائد، كتب الشعر والقصص وقصص الأطفال والرواية.
اكتسب شهرة عظيمة، ولقب بوريث ديكنز، وقضى فترة في أميركا وتزوج فيها، وعاش أيضاً في جنوب أفريقيا، واستقر في إنجلترا عام 1900.
كان أصدقاؤه أغنياء وأقوياء بينهم ابن خالته ستانلي بولدون، والملك جورج الخامس وتوماس هاردي وقد تحدث عنه هنري جيمس وكونراد باحترام. بعد الحرب العالمية التي قتل فيها ابنه جون أصيب بالتشاؤم واتصفت كتاباته الإمبريالية بالسواد خاصة حول اللاهوت والحيوانات، و أنذرت بتحول في سمعته.
أغدقت عليه إنجلترا الشرف عند موته بدفنه في كنيسة وستمنستر وتحول إلى علم في الأدب الإنجليزي.
تدور رواية «كيم» حول الابن اليتيم لرقيب ايرلندي في الجيش الهندي وأم بيضاء أيضاً يدعى كيم بال اوهارا نشأ ابنا لأسواق لاهور القديمة حاملاً معه تعويذة وبضع أوراق تشهد على أصله.
يلتقي البطل الايجابي «الشاطر» ـ الذي يسافر متنكرا في أرجاء الهند عبر الحدود وسطوح المنازل والقرى، مندوبا أزليا للقوة البريطانية ـ براهب بوذي قدسي يبحث عن النهر الذي يؤمن بأنه سيطهره من آثامه (اختار كيبلنغ الراهب بوذيا لأسباب قد يكون أهمها هو عدم وجود تحريمات تشريعية في البوذية كما هي في الهندوسية والإسلام ولمعرفة أبيه الكبيرة بالديانة البوذية).
يصبح كيم مريد «اللاما» ويطوف الاثنان مغامرين، طوباويين، رعويين تربطهما علاقة غريبة، في بيئة صعبة وعدائية أحيانا، يعيشان على الصدقات في أرجاء الهند مستمدين بعض العون من الأمين الإنجليزي لمتحف لاهور وفي الوقت نفسه يتورط كيم في خطة للمخابرات البريطانية لإحباط مؤامرة تقف وراءها روسيا بالتعاون مع فرنسا لإحداث قلاقل وتمرد في أحد أقاليم البنجاب الشمالية.
الراهب البوذي الصالح يحتاج إلى شباب كيم ودهائه، كما يعترف له مرة، كما كيم أيضاً يقرّ بأنه يحتاج له في «بعض الأمور الأخرى» التي قد تكون اليقين الديني والهدف الذي لا يضعف.
يستخدم كيم رسولا بين تاجر الخيول الأفغاني الذي يعمل في خدمة البريطانيين محبوب علي وبين العقيد كريتون رئيس الاستخبارات الباحث في علم الأعراق وفيما يلتقي كيم بالعضوين الآخرين في فريق كريتون، في لعبة الاستخبارات البريطانية في الهند وهما لورغان صاحب وهوري بابو الاعراقغرفي أيضاً.
(علم الإنسان أكثر العلوم الاجتماعية تواشجا مع الاستعمار كما يقول تلميح كلود ليفي شتراوس إذ كثيراً ما قدم علماء العرقغرافيا النصح لحكام الاستعماريين) وقبل ان يتم لقاء كيم مع كريتون ينكشف بياض كيم المتنكر وقتها (الايرلندي الأصل والذي يعني انه من فئة اجتماعية أدنى وذلك مما يحسن في نظر كيبلنغ صاحب مقولة الشرق شرق والغرب غرب ولا يلتقيان فرصة ترشيحه للخدمة الاستخباراتية).
فيرسل إلى مدرسة سانت كزافيير من اجل ان يستكمل تعليمه كصبي ابيض، وينجح الراهب البوذي في جمع أموال لدفع تكاليف تعليم كيم، وأثناء الأجازات يستأنف الراهب ومريده الشاب ترحالهما وسفرهما الذي يستغرق أربع سنوات.
يلتقي كيم والراهب بالجواسيس الروس ويسرق منهم بطريقة ما بعض الأوراق التي تدينهم، لكن ذلك لا يتم إلا بعد اعتداء «الأجانب» الروس على الراهب ورغم انكشاف المكيدة فإن كلا المريد ومعلمه الرهب ينفطر قلباهما غما ويمرضان وتشفيهما من المرض القوى الخلاصية الترميمية التي يملكها كيم الحامي والتواصل الجديد مع الأرض ويدرك الراهب انه عثر على نهر الخلاص من خلال كيم.
ومع اختتام الرواية يعود كيم إلى ما يسميه الناقد ادوار سعيد (اللعبة العظيمة التي يكني بها المخابرات البريطانية) ويدخل فعليا سلك الخدمة الاستعمارية البريطانية موظفاً متفرغاً.
كيم رواية مغامرات وتجارة ومكائد وصعلكة (أدب كدية وعيارين) ورواية ذكور أيضاً (يتهمها بعض النقاد بتوفر متخلل مثلجنسية شأنها شأن دي اتش لورانس).
يحتل مركزاها ذكران جذابان بشكل مدهش هما : صبي ينمو وناسك كهل (مثل جيسن واوديسوس ودون كيشوت وسانشو بانزا.. وتراث قصص المغامرات العريق يستمر هنا) وحولهما حفنة من الرجال يصنعون واقع الرواية أما النساء فقليلات وهنّ جميعا ممتهنات، غير جديرات باهتمام الرجال، عاهرات أو أرامل أو نساء لجوجات وشبقات مثل أرملة شاملينغ.
لعبة الاستخبارات (بغرض السيطرة الشاملة البريطانية على الهند وعلى ممتلكاتها ما وراء البحار) تعني فضيلة احتقار النساء، أو على الأقل الاستغناء عن سحر العشق.
اللذة مكوّن من مكوّنات الكتابة الإمبريالية وهي هنا ملذات صبيانية مختلطة بالجدية السياسية، والاستعلائية الوطنية الاستعمارية. رواية «كيم» المنظمة والمرمزة والممتعة والسلسة تشي بفهم كيبلنغ الخارق لآليات عمل وإدارة السيطرة على المجتمعات المحتلة، ورؤية الهند جزءا من الإمبراطورية التي (لا تغرب عنها الشمس).
«كيم» إسهام رئيسي في صياغة هند مشرقنة حسب الخيال، كما هي إسهام في ما يسميه بعض المؤرخين «اختراع التراث»، يقول لوكاتش عن ذلك في نظرية الرواية (كل بطل روائي يسعى إلى استعادة وترميم عالم خياله المفقود).

