تكشف أرقام توزيع الكتب العربية عن عقلية متأخرة في هذه الصناعة الرائدة التي يعطيها الغرب موقع الصدارة، وكثيرا ما تقوم مؤسسات النشر هناك بالترويج للكتاب قبل صدوره بأسابيع.

الأمر الذي يدفع القارئ على ترقب وانتظار ما تسفر عنه حملة ضخمة من الإعلانات المبكرة ترافقها مقتطفات من الكتاب وجميعها تروج لمنتج يبدو عاديا قياسا بعقليتنا المتأخرة، ولكنه ليس كذلك أبدا عندما يتعلق الأمر بالمجتمعات التي تقرأ .

ترى كم دار نشر عربية تروج لكتبها، أو على الأقل ترسل أخبارا عنها إلى الصحف وفي أضعف الأحوال تنشيء موقعا على الانترنت تسوق من خلاله كتبها!، إن أرقام التوزيع تكشف ليس عما هو متأخر في صناعة الكتاب فقط، بل تكشف أيضا عن عدم إيلاء التسويق اهتماما مما يؤخر صناعة الكتاب شكلا ومضمونا.

فإذا كانت دور النشر العربية تطبع ألف نسخة من كل كتاب يصدر حديثا فإنها لا تألو جهدا في تكديس تلك النسخ داخل المعارض ثم ترسلها إلى المخازن لتشبع غبارا ونسيانا.

لقد أوضح ناشر ألماني أن همه الأكبر أن يتوفر كتابه في مكتبة داخل المطار حيث أن المسافر يميل إلى تمضية الوقت برفقة الكتاب ريثما يصل إلى وجهته، فقد أثبت واقع السفر أن المكتبات داخل المطارات هي الأكثر توزيعا، وأن قراء المسافات الطويلة يشكلون القاعدة الأوسع للكتب الصادرة حديثا.

لذلك يبدو حرص الناشرين كبيرا على توافر كتبهم في صالات السفر، ولذلك أيضا يتم الترويج الجيد للكتاب قبل صدوره لأن الناشر يؤمن أن ما يتم صرفه على الترويج سيجري تعويضه وبشكل مضاعف لاحقا.

مع بداية موسم السفر ماذا يحمل المسافر العربي في حقيبته، قطعا الكتاب ليس من مفردات الحقيبة، لأن ثقافة القراءة خلال السفر تبدو ضربا من السخرية في مجتمعات تقلل من شأن الكتاب.

وتقتصر صالات السفر على أكشاك صغيرة للصحف والحلويات والسكائر وغيرها مما يمكن تسميته مستلزمات الرحلة، ولعل الطعام يصبح قاسما مشتركا بين معظمهم، ونادرا ما تجد شخصا يطالع كتابا خلال الرحلة قياسا بالذين يثرثرون ويتعرفون إلى جيرانهم .

عندما لا تجد صناعة ما مستهلكا فإنها تتأخر، والكتاب صناعة قليلة الطلب عربيا، لذلك لا تشكل دخلا قوميا أو لا تدخل في عداد الصناعات التنافسية، فإذا أشرنا إلى كتب المسافرين فإننا لن ننسى أن ملايين الأطفال لا يعرفون من الكتب سوى ما تقدمه لهم المدرسة.

وجميعنا نعرف أن الكتاب المدرسي فيه من البؤس ما يدفع المرء إلى سؤال عن جدواه وليس فحواه، ومن هنا تبدو ثقافة القراءة أو المطالعة ليست من قيم المجتمع، فما جدوى تقديم الكتب إلى أناس لا يقرأون .

hussain@albayan.ae