مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور جاك جوليار أستاذ العلوم السياسية في جامعة باريس ونائب رئيس تحرير مجلة النوفيل أوبسرفاتور. وقد درس فيما مضى التيارات السياسية في فرنسا المعاصرة. وهو يحضر الآن كتاباً ضخماً عن اليسار الفرنسي منذ البداية وحتى اليوم.
غني عن القول إن الرجل مقرب من الحزب الاشتراكي، على الأقل من الناحية الايديولوجية. وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف بنوع من الأسى والحسرة عن أحوال فرنسا المعاصرة ويقول بما معناه: كلنا يشعر بأن هناك أزمة في فرنسا. فالضواحي الفقيرة للمغتربين انفجرت قبل بضعة أشهر واشتعلت النيران في كل مكان وحرقت الأخضر واليابس.
والحكومة الحالية ليست شعبية على الإطلاق، وأكبر دليل على ذلك المظاهرات الطلابية الحاشدة ضدها. وهناك تذمر في أوساط الشعب، هناك يأس أيضاً وإحباط كبيرين.
يضاف إلى ذلك أن فرنسا رفضت العام الماضي التصويت بالإيجاب على الدستور الأوروبي، وفاجأت العالم كله بهذا الموقف السلبي غير المفهوم من أكبر مشروع سياسي في العصور الحديثة.
وعندما تقدمت في يوليو الماضي لترشيح عاصمتها من أجل استقبال الألعاب الأولمبية المقبلة رفضتها اللجنة وفضلت عليها لندن.
وقد شكل ذلك صدمة للفرنسيين وأشعرهم بالمهانة لأنهم كانوا يعتقدون أن باريس أفضل العواصم وأجملها.
باختصار فإن الفرنسيين يشعرون بالقلق على الرغم من كل الإنجازات التي حققوها في الماضي.
فالبطالة عندهم تقارب العشرة في المئة من عدد السكان، ولم تستطع أية حكومة أن تخفض هذه النسبة على الرغم من كل المحاولات التي جرت، بالمقارنة نلاحظ أن البطالة شبه معدومة في أميركا على الرغم من كل مشكلاتها الداخلية والخارجية.
يضاف إلى ذلك أن معدل النمو الاقتصادي في بلاد العم سام يتجاوز 5 ,3% في حين انه محصور في فرنسا بنسبة 5 ,1%.
ثم يردف المؤلف قائلاً: في الماضي كانت فرنسا قدوة للعالم كله، وأما الآن فإن جامعاتها تجيء في المؤخرة بالقياس إلى جامعات الولايات المتحدة أو كندا أو ألمانيا أو إنجلترا، فما الذي حصل لكي تتأخر فرنسا عن الركب؟ ولماذا حصل الطلاق بينها وبين العالم الحديث بعد أن كانت رائدة الحداثة في السابق؟ على هذا السؤل يجيب البروفيسور جوليار قائلاً:أولى علائم الاختلاف العميق بين بلدنا وزمننا الحالي تعود إلى عام 1989.
في ذلك الوقت كان ميتران قد انتخب رئيساً للمرة الثانية. وكانت فرنسا تحتفل بالذكرى المئوية الثانية للثورة الفرنسية. بعد فترة قصيرة من ذلك الوقت انهار العالم الشيوعي كقصر من كرتون. وجاءنا غورباتشوف بالإصلاحات والشفافية التي لم تمنع هذا الانهيار وإنما عجلت به.
وماذا كان موقف القادة الفرنسيين من هذا الحدث الجليل؟ كانوا مشغولين بالتحدث عن الحجاب الإسلامي!
وكانوا يتساءلون: هل نتسامح مع الحجاب أم لا؟ وبعد انتهاء المناقشة البيزنطية هذه قامت سيدة وخرجت على المسؤولين الفرنسيين الكبار بهذا السؤال الذي أخجلهم وأربكهم فعلاً:
هل تعتقدون بأن مشكلة الحجاب الإسلامي أهم من انهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية بأسرها؟ أيها السادة نحن نعيش اليوم أهم حدث في التاريخ المعاصر وأنتم تلهون أنفسكم بالقشور والأمور الثانوية.
ثم يردف جاك جوليار قائلاً: والواقع ان موقف القادة الفرنسيين وبخاصة الرئيس ميتران من انهيار الشيوعية كان مخيباً للآمال.
فقد خشي الرئيس الفرنسي من أن يؤدي هذا الحدث إلى توحيد ألمانيا. ولذلك سافر بسرعة لملاقاة غورباتشوف في مدينة «كييف» لإقناعه بالاستمرار على الخط الشيوعي وضرورة المحافظة على الاتحاد السوفييتي كما هو!!
بل وسافر إلى برلين الشرقية لدعم معنويات القادة الشيوعيين ومنعهم من الاستسلام للأمر الواقع والخضوع لألمانيا الغربية وتوحيدالبلاد تحت رايتها!
ولولا أن المستشار هيلموت كول كان عاقلاً وحكيماً لانزعج جداً من موقف الرئيس الفرنسي ولربما حصلت أزمة دبلوماسية هائلة بين البلدين وتوقف بناء الوحدة الأوروبية. ولكنه استوعب الوضع وغفر لميتران غلطته وتسرعه.
في الواقع ان مارغريت تاتشر كانت تخشى توحيد ألمانيا مثل الفرنسيين، ولكنها لم تعبر عن هلعها، ولم تفضح نفسها بمثل هذا الشكل المخجل. كانت حذرة جداً في ردود فعلها على الأحداث.
وهكذا بدت فرنسا متخلفة عن العصر وتطوراته، بدت غير قادرة على فهم حركة التاريخ. وهذا دليل على أنها تعاني من مشكلة قيادة، على أنها دخلت في مرحلة الانحدار إن لم نقل الانحطاط. وهذا هو مصير كل من لا يفهمون حركة التاريخ.
انهم يتخلفون عن الركب بكل بساطة. وهذا ما حصل لفرنسا ليس فقط في مجال السياسة وإنما أيضاً في مجال الاقتصاد. فقد ظلت اشتراكية تقليدية، في حين أن العالم أصبح ليبرالياً أو اشتراكياً ديمقراطياً على الطريقة السويدية.
أما قادة اليسار الفرنسي ومن بينهم ميتران فقد ظلوا متشبثين بالأفكار القديمة البالية. وكانت النتيجة ان تخلفت فرنسا عن العالم الانغلوساكسوني اقتصادياً أيضاً وليس فقط سياسياً.
والسبب يعود إلى أنها لم تستطع أن تتأقلم مع المعطيات الطارئة أو التغيرات المستجدة، في السابق كان الجنرال ديغول قد وضع خطة متكاملة لسياستها الخارجية.
وكانت هذه الخطة تقول بضرورة استقلالية القرار الفرنسي بالقياس إلى القوتين الأعظم: الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، ولكن مع الانضمام إلى المعسكر الأطلسي إذا ما حصلت أزمة خطيرة.
وقد أمنت هذه السياسة لفرنسا مكاسب عديدة في الخارج وبخاصة لدى الدول العربية ودول العالم الثالث عموماً.
وأما اليوم فإن هامش الحركة في السياسة الخارجية أصبح ضيقاً جداً بالنسبة لفرنسا. وذلك لأن الهيمنة الأميركية ساحقة ولا تسمح بالاختلاف، كما كان عليه الحال سابقاً في ظل وجود قطبين كبيرين لا قطب واحد.
وقد وصل الأمر بدولة كايطاليا إلى حد «تأجير» سياستها الخارجية لأميركا! وكذلك تفعل دول أخرى عديدة. كلها أصبحت تابعة للعم سام بشكل أو بآخر.
ثم يردف المؤلف قائلاً: ولكن هل يعني ذلك أن انحطاط فرنسا أمر محتوم ولا مرد له؟ بالطبع لا. فبلاد فولتير تمتلك أوراقاً عديدة ولا يستهان بها، ففرنسا على الرغم من كل مشكلاتها لا تزال القوة الاقتصادية الرابعة في العالم بعد أميركا، واليابان، وألمانيا. يضاف إلى ذلك انها تتمتع بثروات طبيعية وبشرية هائلة.
وبالتالي فالانحطاط الذي نتحدث عنه نسبي جداً وغرضنا منه تنبيه الفرنسيين ودفعهم إلى شحذ هممهم لإعادة الأمجاد من جديد إلى بلاد نابليون وديغول.
فمن الواضح أن وضع فرنسا أفضل من غيرها بكثير. ولكن بإمكانها أن تكون في وضع أحسن إذا شاءت وتغيرت سياستها.
ان فرنسا قادرة على إيقاف حركة التدهور والانحطاط التي تريد أن تشدها إلى الأسفل، نحو القاع. فعمالها ماهرون ومحترفون، ومهندسوها من أفضل المهندسين في العالم، ومقاولوها نشطون جداً، وباحثوها يخترعون يومياً أشياء جديدة في مختلف المجالات.
يضاف إلى ذلك أن عدد سكانها كبير ولا يتناقص بشكل مخيف كما يحصل في ألمانيا مثلاً أو غيرها من الدول المتطورة.
واما تراثها العمراني والفني والثقافي فهو فريد من نوعه في العالم. ولا داعي للتحدث عن جمال المناطق الفرنسية فهي ساحرة بلا شك. فهناك الشاطئ اللازوردي جنوباً، حيث يوجد البحر الأبيض المتوسط. وهو أجمل شاطئ في العالم ويجذب إليه ملايين السياح سنوياً. وهناك باريس، المدينة الخالدة التي يؤمها الملايين سنوياً أيضاً.
ويقال إن عدد السياح الذين يزورون فرنسا كل سنة يفوق عدد سكانها: أي ستين مليون نسمة! في العام الماضي أو الذي قبله كان عدد الزوار سبعين مليوناً، وهذا رقم قياسي نادراً أن يحققه أي بلد آخر في العالم. وبالتالي ففرنسا قادرة على استلام زمام المبادرة من جديد وإيقاف حركة التدهور والانحطاط واليأس.
* الكتاب: المرض الفرنسي
* الناشر: فلاماريون ـ باريس 2006
* الصفحات: 141 صفحة من القطع الصغير
LE MALHEUR FRANCAIS
JACQUES JULLIARD
FLAMMARION - PARIS 2006
P.141
