مؤلف هذا الكتاب هو «بوريس كامبريلان» مراسل وكالة الأنباء الفرنسية في بكين خلال أعوام 2001 ـ 2005، والذي قام بتغطية الأخبار حول آسيا والصين بالنسبة للصحيفة الأسبوعية «كورييه أنترناسيونال» بين أعوام 1990 ـ 1997.
وعدا عن كونه يجيد اللغة الصينية ويحمل إجازة التاريخ المعاصر حول الصين، فإنه ما انفك عن زيارة هذا البلد باستمرار مما يعطي لكتابه أهمية خاصة من التوثيق والتحليل والاستشراف. هل يمكن القول بمعجزة صينية؟ وعلى أية قاعدة تستند هذه المعجزة؟ وهل التنمية المتسارعة الصينية تشمل جميع الفئات الاجتماعية؟ وما هي السياسة التي يقودها الحزب الشيوعي الصيني؟ وهل بروز الصين كقوة إقليمية ودولية سيكون سلمياً؟
تلك أسئلة عديدة يريد أن يرد عليها الكاتب خاصة وأن اختيارات الصين فيما تقوم به وبما يتعلق بالمستقبل لم تعد تعنيها وحدها بقدر ما تعني العالم كله.
في الفصل الأول يتحدث المؤلف عن الصين كـ «ورشة للعالم»، فخطوة خطوة، انفتحت بلاد ماوتسي تونغ، محرر الصين، على الخارج وتبنت الرأسمالية، واستهدفت استقطاب الاستثمارات الدولية.
كيف حدث ذلك؟ لقد تم عبر تحولات متدرجة في الاقتصاد أطلقها «دينغ هسياو بينغ» أحد قادة الحزب الشيوعي الصيني الذي كان معزولاً أثناء «الثورة الثقافية» الصينية والذي عاد إلى ممارسة نفوذه بعد وفاة «ماوتسي تونغ» عام 1976.
بحيث قضي على مقولة «صراع الطبقات» وأصبحت المردودية الإنتاجية الهدف الأساسي للاقتصاد وذلك تحت شعار «ليس مهماً أن تكون القطة بيضاء أو سوداء ولكن المهم أن تصطاد الفئران».
هكذا سمح بإقامة المنشآت الخاصة، وخلقت مناطق اقتصادية لكي تستقطب الرساميل الأجنبية التي دخلت بقوة بين أعوام 1984 ـ 1988 وأصبح المجتمع الصيني أمام ولادة طبقة من الأثرياء الجدد الذين لا يطالهم قانون.
وفي الوقت الذي حاول فيه بعض القادة الشيوعيين إعادة النظر بالأوضاع الجديدة المتسمة بالتفاوتات الاجتماعية الحادة وبالفساد المتفشي، فإن إقصاء بعضهم أو وفاة البعض الآخر.
قد دفع الطلاب عام 1989 إلى احتلال ساحة تيانانمين (رمز السلطة في بكين) للاحتجاج على هذه الأوضاع والمطالبة بالديمقراطية إلا أن «هسياو بينغ» واجه ذلك برفض الإصلاحات وإنزال القوات العسكرية من أجل سحق الحركة الطلابية الاجتماعية مما أسفر عن مقتل المئات بل الآلاف من المتظاهرين.
ومقابل استبعاد الإصلاحات السياسية استمر النهج في تعزيز التحولات الاقتصادية الجديدة وبوجه خاص في المدن. لقد سمح لشركات الدولة أن تصبح شركات مساهمين، وأقيم مركزان للبورصة وفي الوقت الذي عرفت فيه الكثير من المدن حركة بناء واسعة وارتفع مستوى المعيشة لسكانها، فإن الأرياف عانت انخفاضاً في مستوى معيشتها وخضعت لهجرة واسعة بحثاً عن العمل في المراكز الاقتصادية الجديدة المزدهرة.
ومنذ عام 1989، قامت السلطات بالتفاوض مع المنظمة العالمية للتجارة من أجل إدخال الصين فيها، وكان من نتائج ذلك فرض آلية جديدة على الاقتصاد الصيني، أي اندماجه في حلبة التبادل الحر والتنافس الدولي.
والحقيقة أن النمو الاقتصادي يقوم على التصنيع المرتكز على الصناعات التصديرية، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان.
كما أنه يتمحور على التوظيفات الخارجية، إذ يكفي القول إنه منذ عام 1980 حتى عام 2004 فإن 508000 شركة أجنبية قامت بتوظيف مباشر في الصين يصل إلى 562 مليار دولار وهذا لا يفسره إلا النهج الاقتصادي الليبرالي وحماية الملكية الخاصة بما يجعلها على قدم المساواة مع ملكية الدولة، وإلا التكلفة الرخيصة للأيدي العاملة الصينية التي تستخدمها مختلف الشركات العالمية.
بهذا أصبحت الصين تغطي 75% من السوق الدولية للعب الأطفال و40% من صناعة الأحذية، وأضحت المنتج الأول للصلب في العالم وهي تشارك منذ عام 2001 بـ 25% من المنتوج الداخلي الدولي الخام، وبـ 60% من منتوج التجارة الدولية. أضف إلى ذلك أنها البلد الأول المجهز بالخطوط الهاتفية الثابتة وبالخطوط اللاسلكية.
وبالنسبة لبيع السيارات، فلقد عرف قفزة بعد تباطئه عام 2004 ليزداد بحدود 26% عام 2005، وهي بذلك أيضاً البلد الذي يبني طرقاً وسككاً حديدية ومفاعلات كهربائية أكثر من أي بلد آخر في الوقت الذي أصبحت فيه معظم المنازل الصينية مجهزة بالتلفزة اللونية المتقنة علاوة على أن الصينيين هم المصدر الأول للتكنولوجيا الإعلامية والاتصالية حسب تقرير منظمة التجارة والتنمية الأوروبية عام 2005.
ولا بد من الإشارة أيضاً إلى أن الصين أصبحت بلد إطلاق الأقمار الصناعية المختلفة وأنها تتوجه إلى وضع تجهيزات فضائية على القمر من أجل توظيف الهيليوم 300 الذي سيسمح بفضل الصهر الحراري بإحداث ثورة في بنية استهلاك الطاقة على الأرض. باختصار لقد أضحت الصين «قادرة على إنتاج كل شيء» حسب تعبير المؤلف.
هذه القوة الصناعية العلمية التكنولوجية حدثت لا بفعل المتوجهات الجديدة للقيادة الصينية وحسب، وإنما أيضاً من جراء انتقال التكنولوجيا الحديثة إلى الصين بالذات، الانتقال الذي وافق عليه شركاء الصين المتنافسين على الأرباح وعلى السوق الصينية.
وهذا الانتقال شمل جميع الميادين من سيارات ومفاعلات نووية مدنية، وطيران، وتلفزة متقدمة، وصيدلة، وسمح للصينيين امتلاك الخبرة والمهارة، خاصة مع سياسة إرسال البعثات إلى الخارج بحيث إن 700000 طالب قد غادروا الصين لتلقي العلم في الخارج بين أعوام 1979 ـ 2003 وأصبحوا يعودون إلى وطنهم الأم للعمل في كافة القطاعات.
إن الصين بذلك إنما تتجه، وهذا أمر رئيسي، نحو تكنولوجيا «المتناهي في الصغر» أو «تكنولوجيا النمنمة» التي ستدخل كافة المجالات الصناعية والتي ستشكل ثورة جديدة في عالم البشر والتي تقدر مردوداتها الاقتصادية منذ الآن حتى عام 2015 بـ 2600 مليار دولار.
لكن المعجزة الصينية تحمل نقاط ضعفها لماذا؟ لأن الصين لا تستطيع الاعتماد على مقدراتها وحسب. إنها تحتاج إلى الرساميل والتكنولوجيا الأجنبية من جهة ومن جهة ثانية فهي مضطرة لاستيراد المواد الأولية التي لا تملكها بشكل كاف وبما يسمح لها الاستمرار في وتائر نموها.
فالصين متهمة بارتفاع أسعار هذه المواد وبوجه خاص أسعار البترول وذلك بنسبة 40% حسب وزارة الطاقة الأميركية. لقد استوردت 117 مليون طن زيادة على إنتاجها الوطني الذي وصل إلى 175 مليون طن وذلك عام 2004، الأمر الذي جعلها البلد الثاني في العالم بعد الولايات المتحدة وقبل اليابان في استهلاك الذهب الأسود.
كذلك فإنها تحتاج إلى استيراد نصف استهلاكها للغاز في المستقبل أي ما يقارب 100 مليار متر مكعب كل سنة بالرغم من استثمار آبار الغاز فيها.
وهي مسؤولة أي الصين عن ارتفاع أسعار الفحم وفلزات الحديد من أجل صناعاتها التعدينية بحيث إن إنتاج الصلب قد ازداد بنسبة 25% فيها.
من هنا تتبع الصين استراتيجية تنويع ووقاية تمويلها بالمواد الأولية، ولهذا فهي توظف استثماراتها في الآبار البترولية لأذربيجان وكندا وكازاخستان وفنزويلا واندونيسيا، وهي تعتمد نفس الاستراتيجية بالنسبة لآبار الشرق الأوسط خاصة في العراق وإيران إذ أن 50% من استيراداتها البترولية تأتي من هذه المنطقة.
وتقوم بنفس الوقت بتدعيم حضورها عبر الاتفاقيات البترولية والتجارية في افريقيا: الجزائر، أنغولا، نيجيريا، السودان، لكن هذه الاستراتيجية تصطدم بمقاومة أميركا لها التي تخاف على استقلاليتها في ميدان الطاقة البترولية، مثلها في ذلك مثل اليابان، الأمر الذي يفسر حدة التنافس بين هذه البلدان الثلاثة، واحتلال أميركا للعراق.
وما يزيد المعجزة الصينية ضعفاً هي التفاوتات الاجتماعية الحادة التي خلقتها السياسة الليبرالية والسوق الحرة، فالمستهلكون الصينيون يتوزعون بالخط العريض إلى أربع فئات:
الأغنياء القادرون على استهلاك مختلف المنتجات الكمالية وعلى شراء السيارات الأجنبية والقيام بالسياحة الخارجية، والذين تتراوح أعدادهم بين 30 ـ 50 مليون نسمة.
200 ـ 300 مليون نسمة من الطبقات الوسطى الصاعدة والذين تتراوح قوتهم الشرائية بين 200 ـ 500 يورو لكل بالغ في السنة.مليار نسمة يمتلكون قوة شرائية ضعيفة ومحدودة جداً.
200 مليون نسمة يعيشون بأقل من دولار في اليوم الواحد.
لقد ازدادت الجرائم، وافتقد الأمن في المدن، وبرزت ظاهرة الفساد، وتصاعدت الشكاوى ضد الظلم الاجتماعي، ووصلت التظاهرات الاحتجاجية إلى 74000 تظاهرة جمعت 7 ,3 ملايين من البشر عبر الصين خلال عام 2004 لتضف واقعة «المهاجرين الداخليين» الريفيين الذين يعتبرون مواطنين من الدرجة الثانية ولا يملكون نفس الحقوق في التعليم والعناية الصحية والخدمات التي يتمتع بها سكان المدن.
فالفلاحون «المهاجرون» يعملون 7 أيام كاملة في ورشات البناء ويصل عدد الموتى من الذين يعملون منهم في المناجم إلى 20000 شخص سنوياً، في حين يدخل سوق العمل 10 ملايين من الشبيبة في المدن كل عام بحثاً عن تشغيلهم.
إن صعود الصين يحذف أيضاً بروز مجتمع مدني من الجمعيات والنقابات والأحزاب وإذا كان القادة الصينيون قد نجحوا حتى اليوم في ضمان الاستقرار وزيادة معدلات الإنتاج وتحسين مستوى المعيشة بوجه عام، إلا أن دينامية هذا الصعود من شأنها أن تتوقف أو أن تنكسر بحيث لا يبقى إلا احتمالات: إما الديمقراطية وإما العنف أو الحرب الخارجية بحيث يبقى التساؤل قائماً حول إمكانية استمرار هذه المعجزة في علاقة سلمية مع العالم.
* الكتاب: هل يجب الخوف من الصين؟
* الناشر: ميلان أكتو - باريس 2006
* الصفحات: 96 صفحة من القطع المتوسط
FAUT-IL AVOIR PEUR
DE LA CHINE?
BORIS CAMBRELENG
MILAN ACTU-PARIS 2006
P.96

