تنتقل الروائية زادي سميث في روايتها الجديدة الصادرة، مؤخراً، عن دار هامش هاملتون اللندنية من مسرح الأحداث المألوف في عمليها الأوليين، الذي يتمثل في لندن الكبرى، إلى مسرح مختلف تماماً هو هذه المرة بوسطن العتيدة في الولايات المتحدة بكل ملامحها الجامعية والثقافية والفنية المؤثرة.
بحسب إجماع النقاد، فإن رواية «عن الجمال» تنتمي إلى نوعية الروايات الأكاديمية الكوميدية الساخرة، وهي تستحضر أجواء رواية «نهاية هوارد» لاي. إم فورستر، الذي وصفته زادي سميث بأنه عشقها الأدبي الأول.
الرواية، في جوهرها، هي قصة عائلتين على رأس كل منهما رجل يعد خصم الآخر وعدوه بامتياز. نحن هنا مع هوارد بيلزي، وهو انجليزي أبيض يدرس في جامعة أميركية شهيرة، ويتصدى لإنجاز عمل استغرق منه سنوات طويلة يهدف إلى تحطم هالة القداسة التي تلف الفنان الكبير رمبرانت وتوجيه الاتهام إلى الضآلة باعتبارها قناعاً للسلطة.
بالمقابل هناك مونتي كيبز، وهو انجليزي أسود من أصول كاريبية ينتمي إلى اليمين المحافظ، وكتابه عن رمبرانت يجادل، في تناقض صارخ مع كتاب خصمة هوارد بيلزي، لإظهار رمبرانت باعتباره عبقري فن التصوير بلا منازع.
يلفت نظرنا أن هوارد بيلزي هو الشخصية المحورية في الرواية، ولذا فإن من الغريب حقاً، ومما له أهميته أيضاً، أن زادي سميث تطرح عن طريقه أفكاراً لا تؤيدها هي نفسها، فقد أعربت في مقابلة أجريت معها مؤخراً عن إعجابها بروائع رمبرانت ووصفت ابداعه بأنه مفعم بالحب.
والمعارك الايديولوجية التي تنشب بين كل من هوارد ومونتي، وبصفة خاصة عندما يمضي مونتي للعمل في جامعة هوارد تبدو جوهر الأمر، لكنها ليست كذلك في الحقيقة، حيث نرتحل طويلاً في حياة هوارد لنلتقي زوجته كيكي وهي مدير مستشفى من أصول افريقية ـ أميركية لنجد أنها هي جوهر المادة التي تتعامل معها هنا، فبعد ثلاثين عاماً من زواج سعيد أسفر عن ثلاثة أبناء، يخوضون مرحلة النضج الآن.
بدأت مسيرتهما المشتركة في التعثر، وقبل بدء أحداث الرواية عاش هوارد قصة حب خارج إطار الزواج، وستقودنا أحداث الرواية إلى قصة حب أخرى من النوع نفسه، بينما كيكي التي كانت تمتلك ذات يوم خصراً نحيلاً للغاية أصبحت الآن تزن 250 رطلاً وتبدو لنفسها غريبة تماماً عن فكرتها عن ذاتها.
نحن على موعد مع حبكة معقدة وحافلة بعناصر الانعطاف، ولكن التحولات في الشخصيات هي التي تجتذب القارئ وتجعل هذه الرواية عملاً محبباً إلى نفسه.
هكذا نجد أنفسنا مع حشد من الشخصيات والأحداث تكاد تقدم لنا مسرداً مدهشاً لحماقات البشر، لكن أياً من هذه الحماقات لا يتم تصويره من دون تعاطف وقدر معين من الابتهاج بخصوصية ما يقدم لنا متوهجاً بالحياة والدفء.
دعنا نتأمل على سبيل المثال اللقاء الذي طالما تاق إليه هوارد مع طالبة شابة جميلة، حيث تقدم أداء يبدو بالنسبة لهوارد خالياً من البهجة ومثيراً للحيرة، وربما كان هذا المشهد هو المشهد العاطفي الأكثر إثارة للحزن والأكثر قدرة على الاستقطاب الذي عرفه الأدب الانجليزي منذ سنوات.
وكان من الطبيعي أن يحظى عمل مثل «عن الجمال» باهتمام استثنائي حتى قبل فوزه بجائزة أورانج الأدبية، فها هو الناقد الكبير فرانك كيرمود يكتب مقالاً مطولاً عن هذه الرواية في مطبوعة «لندن ريفيو أوف بوكس» مشيراً إلى كونها تعد نوعاً من التكريم لإي. إم. فورستر الذي كانت زادي سميث تقدره كثيراً.
ولكنه يشدد على أن رواية فورستر العائدة إلى عام 1910 بعنوان «نهاية هوارد» لم تفلح في القاء ظلها على رواية زادي سميث.
وبدورها تشير مجلة «صالون» الالكترونية إلى أن رواية زادي سميث الجديدة تتجاوز في أبعادها عمليها السابقين وتخلو من اللمسات المسرحية التي واكبت نهايتي العملين السابقين.
حيث نلتقي مع هوارد وهو يخوض طريقه إلى فهم عالمه، وهو فهم محرر وباعث على الشعور بالعجز في آن، والجمال هنا قوي وعاجز معاً، والجامعة تبدو مكاناً غالياً وجحيميا وتتدفق الأفكار ضرورية وزائدة كذلك ويبدو لنا الناس شخوصاً طريفة ومأساوية.
والحب الذي يشكل المبدأ الهادي والمرشد في كل أعمال سميث يبدو هنا أعمى، كما يقول المثل الشهير، ولكنه في غمار هذا العمل يرى كل شيء.
ويقول الناقد جوزيف أونيل في مقال مطول له في مجلة«أتلانتك مونثلي»إن زادي سميث تظهر في روايتها الثالثة كل جوانب قوتها، وفي مقدمتها الطاقة الساخرة ورحابة الخيال واللمسة الواثقة والطريفة في التعامل مع عناصر التداخل والتعقيد، وهو يشير إلى القدرة على الإقناع الفني باعتبارها العنصر الذي لا يغيب عن صفحات الرواية.
وتصف مجلة «ببلشرز ويكلي» المتخصصة رواية زادي سميث الجديدة بأنها انسانية حقاً ومليئة بذواتنا وحافلة بالشخصيات الجميلة والطريفة والمؤثرة، وهي بمثابة محاولة مفعمة بالحياة والطاقة لاستكشاف الجوانب الحزينة في حياة الكبار على طريقة القرن الحادي والعشرين، حيث نجد أنفسنا وجهاً لوجه مع الحياة وأزمات الهوية والاختناق العاطفي والصراعات بين الأعراق.
وتعبر الناقدة منشيكو كاكوتاني في عرض مطول للرواية نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» عن مشاعر الكثيرين عندما تقول إن زادي سميث تمتلك صوتاً إبداعياً آسراً، وهي تستخدم هذا الصوت في صفحات الرواية لاحداث تأثير هائل، مقدمة لنا ذلك الشيء النادر، رواية موثرة بقدر ما هي مسلية واستفزازية بقدر ما هي إنسانية.
وعلى صفحات «واشنطن بوست» نقرأ للناقد مايكل ديردا قوله: «بينما نقرأ رواية (عن الجمال) فإن من اليسير أن ننسى، ومن الصعب أن نعتقد أحياناً أن زادي سميث قد تجاوزت العشرينيات من عمرها لتوها، وروايتها الجديدة متمكنة على كل المستويات تقريباً. وكان حرياً بأي. إم فورستر أن يكون فخوراً بها».
شأن أي عمل كبير على هذا المستوى، فإن«عن الجمال» لابد أن تثير أيضاً وجهات نظر أخرى. ومن هنا فإننا نقرأ في صحيفة «بوسطن غلوب» عن هذه الرواية: «تتمتع سميث بموهبة كتابة حوار مرح، ولكنها تكتب هذه المرة رواية بالغة الطول. وأحداثها، خارجية وداخلية، لا تقتضي على الدوام هذه الصفحات الممتدة من الحديث والوصف».
غير أن موقع أمازون المتخصص يطالعنا بانتقاد أشد قسوة بكثير مما قرأناه حالاً، حيث نقرأ لبريدجيت لي قولها: «هذا الكتاب بولغ في تقديره حقاً، وهو يبدو زائفاً وأجوف، وقد أمضيت وقتاً طويلاً للغاية في محاولة ارغام نفسي على تصديقه.
ويتعين عليَّ تصديق أن أحداً قد صب بعض الجهد البحثي في هذا الكتاب، ولذا فإنني أتساءل لماذا يبدو هذا الشخصي كأنه لم يذهب إلى واشنطن قط؟ لقد أحسست باليأس في منتصف الكتاب، وذلك اعتقاداً مني بأنني لن أستطيع تجديد الخلايا الذهنية التي يقتلها».
أياً كان الأمر، فإن عملاً إبداعياً شيقاً هو وحده القادر على إثارة هذه النوعية المحتدمة من الاختلافات في الرأي، وربما لهذا على وجه الدقة فإن رواية «عن الجمال» تستحق المبادرة بأن نقرأها.
رسالة
يمكن للمرء أن يبدأ برسائل جيروم الالكترونية لأبيه: مرحباً، يا أبي، لسوف أواصل العكوف على إرسال هذه الرسائل الالكترونية، ولم أعد أتوقع أن ترد، ولكنني ما زلت أعلق الآمال على أن تقوم بذلك، إذا كان هذا له معناه.
حسناً، إنني أستمتع حقاً بكل شيء، وأنا أعمل في مكتب مونتي كيب الخاص (هل كنت تعرف أنه يحمل بالفعل لقب لورد مونتي؟) الذي يقع في منطقة جرين بارك.
وأنا أعمل مع فتاة تدعى إميلي، وهي فتاة لطيفة. وهناك ثلاثة من الأميركيين في الطابق الأسفل (أحدهم من بوسطن!) ولذا فإنني أحس كأنني في بيتي، وعملي يشمل تنظيم المآدب والحفاظ على السجلات والحديث مع الناس عبر الهاتف، تلك النوعية من العمل.
وعمل مونتي يتجاوز بكثير العمل الأكاديمي، فهو يتعاون مع لجنة الأعراق ولديه أنشطة خيرية، وهو يبقيني مشغولاً إلى حد كبير، ولأن المكتب محدود، فإنني أعمل بالقرب منه، وأنا أقيم الآن مع العائلة، بالطبع، وهكذا فإن الأمر يشبه الاندماج تماماً في شيء جديد.
مقتطف من رواية «عن الجمال»
* الكتاب: عن الجمال
* الناشر: هامش هاملتون ـ لندن 2006
* الصفحات: 432 صفحة من القطع المتوسط
On Beauty
Zadie Smith
Hamish Hamilton- London 2006
P.432
