أشرفت على تأليف هذا الكتاب الجماعي الضخم الباحثة الفرنسية سيسيل بوييه ـ رونج التي تشتغل في المركز القومي للبحوث العلمية الفرنسية، قسم الشرق الأوسط. وقد شارك فيه فريق كامل من الباحثين والباحثات الفرنسيات من شتى المشارب والاختصاصات. فالباحث تييري زركون كتب الفصل الأول تحت عنوان: تركيا اليوم.
والباحث نديم غورسيل ذي الأصل التركي كتب الفصل الثاني تحت عنوان: جوانب من الأدب التركي المعاصر. وأما الباحث اميل بريتون فقد كتب الفصل الثالث بعنوان: السينما التركية المعاصرة. هذا في حين أن الباحث جاك دو كورتيلز استعرض تاريخ تركيا منذ البدايات الأولى وحتى سقوط القسطنطينة وذلك في الفصل الرابع من الكتاب.أما تييري زركون فيعود مرة أخرى للكتابة لكي يقدم لنا لمحة تاريخية دقيقة عن هذه البلاد تحت عنوان: تركيا من عهد السلجوقيين وحتى عهد الجمهورية المعاصرة لمصطفى كمال أتاتورك.
هكذا نلاحظ أن الكتاب يغطي كل مراحل التاريخ التركي قديمها والحديث. وبالتالي فيعتبر مرجعا لكل الباحثين حول الموضوع.
يقول الباحث تييري زركون منذ البداية ما معناه: إن التاريخ التركي الحديث هو عبارة عن سلسلة طويلة متلاحقة من التجارب الديمقراطية التي تخللتها الانقلابات العسكرية أو قل تخلّلها انقلابان فقط.
ولكن هذين الانقلابين اللذين أوقفا العملية الديمقراطية لفترة قصيرة لم يستطيعا القضاء على المسيرة الكبرى باتجاه هذا المثال الأعلى المتمثل بالتوصل إلى الحرية والحداثة والديمقراطية. وينبغي الاعتراف بأن مؤسس تركيا الحديثة، مصطفى كمال أتاتورك، فرض على بلاده النموذج الحضاري الغربي بالقوة وبدون أن يكون الشعب مهيأ لذلك أو راغبا فيه أو مدركا لكل أبعاده.
وحتى اليوم نلاحظ أن النموذج الذي فرضه مصطفى كمال لا يحظى بالإجماع في تركيا وإن كانت له محاسن وإيجابيات لا تنكر.
فقد استطاع أن يدخل تركيا في الحداثة بعد أن كانت قد أصبحت الرجل المريض لأوروبا طيلة القرن التاسع عشر وحتى أوائل العشرين.
ولا ريب في أن هناك قوى علمانية تؤيد هذا النموذج. وهي تتمثل بالبورجوازية الغنية في المدن الكبرى. ولكن الشعب الفقير لا يزال يحنّ إلى أيام الإمبراطورية العثمانية والتراث الإسلامي العريق، تراث الآباء والأجداد.
وهو التراث الذي حاول مصطفى كمال القضاء عليه أو تحجيمه إلى أقصى حد ممكن. ولذلك لاحظنا في الآونة الأخيرة انفجار الإسلام السياسي بعد طول كبت وحرمان. والمسألة الأساسية المطروحة على تركيا الآن هي التالية: كيف يمكن أن توفق بين علمانية أتاتورك وأصولية التيار الإسلامي السياسي؟ هذا ما يحاول طيب رجب أردوغان وعبد الله غول وزملاؤهما في القيادة السياسية الإجابة عليه الآن.
أما الباحث نديم غورسيل فيستعرض بعض جوانب الأدب التركي المعاصر ويقول: إن الأدب التركي المعاصر نشأ فعلا في لحظة الاستقلال الوطني لتركيا وتأسيس الجمهورية من قبل مصطفى كمال عام 1923. ففي ذلك الوقت تأسست الحداثة أيضا وانفصل الأدب التركي عن التيار التقليدي الذي كان سائدا في السابق.
ثم يردف الباحث قائلا: ويمكن القول بأن ناظم حكمت هو الأديب التركي الأكثر أهمية في القرن العشرين. فقد وصل بأشعاره وأفكاره إلى مرتبة الكونية أو العالمية وتجاوز بذلك حدود تركيا القومية. فهذا الرجل الذي عاش بين عامي 1902 ـ 1963 كان أوّلا أكبر مجدّد للشعر التركي المعاصر. وهو الذي أسس الشعر الحر في تركيا وقطع مع الأشكال والأوزان التقليدية السائدة.
وقد تأثر بالمستقبليين الروس من أمثال مايكافوسكي وراح يتغنى بالحرية والعدالة الاجتماعية ونضال البشر من أجل تحقيقهما. ثم تطور لاحقا في اتجاه تحقيق المصالحة أو التركيبة التوفيقية بين التراث والحداثة.
ولد ناظم حكمت في سالونيكا داخل عائلة من الأدباء والمتعلمين. وقد درس في مدرسة البحرية أولا ثم في جامعة الأمم والشعوب في موسكو عام 1924 (أي جامعة باتريس لومومبا). وبعدئذ عاد إلى تركيا وانخرط في صفوف الحزب الشيوعي من أجل القضاء على الفقر والجهل في صفوف الشعب التركي. وفي عام 1933 اعتقلته السلطات وأدانته بتهمة الانتماء إلى حزب غير مشروع.
وفي السجن راح ناظم حكمت يواصل كتابة أشعاره وبقية مؤلفاته التي تدافع بشكل خاص عن الفلاحين المعدمين. وقد أمضى خمسة عشر عاما من حياته في السجن قبل أن يسافر إلى موسكو ويموت فيها عام 1963. وكان ذلك قبل سنتين من رفع الحظر عن أشعاره في تركيا وعودة الحرية إلى بلاد مصطفى كمال.
ثم يردف المؤلف قائلا: وأما الكاتب الكبير الآخر الذي وصل إلى مرحلة العالمية فهو من أصل كردي ويدعى: يشار كمال. وهو روائي وليس شاعرا على عكس ناظم حكمت. وقد ترجمت رواياته إلى الفرنسية ومختلف اللغات العالمية.
وقد عكس يشار كمال في رواياته أوضاع الفلاحين البؤساء في منطقة الأناضول التي ولد فيها. ففي ثلاثيته الشهيرة المدعوة «فيما وراء الجبل» نلاحظ أنه يروي قصة حياة قرية صغيرة في جبال طوروس على مدار الأجيال. وهي تعيش من زراعة القطن ومن خلال الكدح والنضال في جو طبيعي وبشري معاد. إنها تجسد البشرية كلها من خلال نضالها وكفاحها من أجل البقاء والاستمرارية.
وهناك روايات عديدة شهيرة كتبها هذا الروائي المبدع والعصامي الذي اعتمد على نفسه وموهبته الخارقة ولم يدخل الجامعة ولم يتح له القيام بدراسات عليا.
أما البروفيسور جاك دو كورتيلس أستاذ علم الآثار في جامعة بوردو فيقدم لنا لمحة تاريخية طويلة عن ماضي تركيا وحاضرها ويتوقف عند الفترة الرومانية والبيزنطية. يقول هذا الباحث بما معناه: في عام 31 قبل الميلاد انتصر الإمبراطور الروماني أوغسطس على ملكة مصر كليوباترا.
وكان ذلك يعني نهاية الهيمنة الإغريقية على آسيا الوسطى والشرق الأوسط وبداية الهيمنة الرومانية التي تلتها الهيمنة البيزنطية. أما الهيمنة العثمانية فستجيء لاحقا عندما استطاع السلطان سليمان القانوني أن يفتح القسطنطينة عام 1453. عندئذ ابتدأت الهيمنة العثمانية فعلا ليس فقط على تركيا وإنما أيضا على المشرق العربي وكذلك المغرب الكبير ما عدا المغرب الأقصى.
ولم تنته هذه المرحلة إلا بسقوط الإمبراطورية العثمانية عام 1918.
أما الباحث تييري زركون فيتوقف عند المرحلة السلجوقية في تاريخ تركيا ويقول: إن تاريخ السلجوقيين العثمانيين يبتدئ بوصول شعب بدوي إلى آسيا الصغرى. وهذا الشعب كان قادما من أطراف الشرق الأقصى. وقد استطاع خلال بضعة قرون أن يقضي على الإمبراطورية البيزنطية وريثة الإمبراطورية الرومانية في الشرق. وكانت نتيجة كل ذلك: تركيا الحالية التي يقارب عدد سكانها السبعين مليون نسمة.
وكان السلجوقيون هم سبب احتلال الأتراك لمنطقة آسيا الوسطى. ولكن غزوة المغول للمنطقة كنّست إمبراطوريتهم وقضت عليها. ثم حلّ العثمانيون محل المغول في السيطرة على إمبراطورية واسعة الأرجاء تضم أجزاء كبيرة من أوروبا، وآسيا، وإفريقيا.
وبالتالي فالسلجوقيون هم أصل الأتراك، ولذلك فإن العثمانيين راحوا، مثلهم، يتلقون الميراث الديني والثقافي للفرس والعرب والإسلام ثم بدرجة أقل الميراث الثقافي البيزنطي والأرمني.
هكذا نلاحظ أن تركيا المعاصرة هي حصيلة كل هذه التأثيرات الثقافية المتعددة المشارب. وقد كان تأثير الإمبراطورية العثمانية ضخماً على المنطقة من كل النواحي: السياسية، والاقتصادية، والدينية، والفنية العمرانية.
هذا وتوجد في الكتاب تحليلات عميقة لكيفية حصول الإصلاحات (أو ما يدعى بالتنظيمات) في تركيا.
وقد حصلت في القرن التاسع عشر كما هو معروف بعد أن شعرت الإمبراطورية العثمانية بأنها تخلفت كثيرا عن ركب الحضارة والتقدم وأن أوروبا المسيحية سبقتها بسنوات ضوئية.
* الكتاب: تركيا
* الناشر: هاشيت ـ باريس 2006
* الصفحات: 831 صفحة من القطع الكبير
Turquie
Cecile Boyer - Runge
Hachette - Paris 2006
p.83

