يواصل الكاتب والمسرحي المغربي سعيد الناجي في كتابه الأخير «مسرح المغاربة: أنفاس مسرحية» الصادر أخيرا عن «دار ما بعد الحداثة» بفاس، النبش في قضايا المسرح المغربي والمسارات التي بدأ ينتهجها خصوصا مع تجربة الدعم المسرحي التي بلغت سنتها الثامنة هذا العام، والتعثرات التي شهدها صدور قانون الفنان المغربي الذي لم يتم تفعيله لحد الآن.

فبعد كتاباته النقدية المسرحية السابقة والفردية من مثل: «التجريب في المسرح» 1998 و«المسرح المغربي: خرائط التجريب» 2002 و«قلق المسرح العربي» 2004، ومساهماته في العديد من الكتب الجماعية التي نذكر من بينها: «الفرجة بين المسرح والأنثربولوجيا» 2002 و«الفنون في المنظومة التعليمية بالمغرب» 2003 و«المرتجلة في المسرح» 2003 و«المسرح المغربي بين التنظير والمهنية» 2004، وكذا بعد انخراطه في لجنة دعم الإنتاج المسرحي لموسمين متتاليين .

قام المسرحي والكاتب سعيد الناجي في تلك الفترة بنشر زاوية في ملحق فنون الأسبوعي بصحيفة «الإتحاد الاشتراكي» المغربية سماها «أنفاس»، تطرق فيها لمجموعة من القضايا والإشكالات التي يعرفها المسرح المغربي.

كما تابع فيها تجارب مسرحية بعينها وقارب بعض الظواهر والعادات شبه المسرحية عند المغاربة، خاصة طريقة استعمالهم للجسد ولإمداداته البروكسيمية، وهو ما مكنه من مادة مسرحية متنوعة شكلت المادة الأساس لكتابه الأخير «مسرح المغاربة»، الذي يعد وثيقة مهمة عن مرحلة من مراحل المسرح المغربي، الذي نحا في السنوات الأخيرة إلى التجريب بمختلف أشكاله والبحث عن مسرح تترسخ فيه صناعة الفرجة الأصلية.

جاء هذا الكتاب موزعا إلى ثلاثة أقسام: قضايا مسرحية، مسرح المغاربة وعروض مسرحية، حيث يضم القسم الأول بعض القضايا المسرحية المغربية كسياسة دعم الإنتاج والترويج المسرحيين، التي بقدر ما ساهمت في ترويج الحركة المسرحية بالمغرب ودفع الفرق المسرحية إلى إنشاء مقاولات مهنية وفنية بقدر ساهمت في تفريخ العديد من الفرق التي تسعى جاهدة للاستفادة من الدعم بأي شكل من الأشكال.

هذا بالإضافة إلى ذاكرة المسرح المغربي ودور المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي في إحداث القطيعة بين الجيل الجديد من المسرحيين وبين الذاكرة الجمالية للمسرح المغربي.

وذلك من خلال اعتماده على الربرتوار المسرحي العالمي، وتهميشه للمسرح المغربي الذي ظهر منذ عشرينات القرن الماضي، وهو ما ندد به العديد من المسرحيين المغاربة كعبد الكريم برشيد وعبد الرحمن بن زيدان والراحلين عبد الصمد الكنفاوي ومحمد الكغاط.

هذا إلى جانب قضية قانون الفنان المهني الصادر عام 2003 والذي لم يتم تفعيله لحد الآن بسبب العديد من المشاكل والمعوقات، وذلك على عكس السينما التي لم تظهر بالمغرب إلا في نهاية الستينات من القرن الماضي ومع ذلك استفادت مبكرا من صندوق الدعم ومن بنية تحتية مهمة مما مكنها من تحقيق تراكم أكثر من المسرح، هذا على الرغم من كون هذا الأخير كان أول نوع أدبي وفني حديث في تاريخ المغرب.

فإذا كان النقد المسرحي والجامعة المغربية بفضل ثلاثة أقطاب ما زالت أسماؤهم محفورة في الذاكرة: الراحل محمد الكغاط، حسن المنيعي ومحمد السرغيني، قد ساهمت في بلورة المسرح المغربي والعربي بالدراسات العلمية القيمة وبأجيال من الباحثين والدارسين والمبدعين، الذين أثروا المسرح المغربي بأسئلتهم القلقة والمؤسسة في نفس الآن.

فإن ما تشهده الجامعة المغربية اليوم من إصلاح ومن اعتماد وحدات تكوين لا تبشر بالخير، لأن خريجيها أصبحوا بعيدين عن الشفافية والوضوح والجرأة والنقد الموضوعي، وأقرب ما يكونون إلى «ممارسة التزلف والمغازلة والرياء»، كما يرى المؤلف.

أما القسم الثاني المعنون بـ «مسرح المغاربة» فيقارب فيه سعيد الناجي بعض عادات المغاربة التي لها علاقة وطيدة بالمسرح من مثل تحريك اليدين عند الكلام أو النقاش بشكل كبير لدى الإنسان المغربي والتحدث بصوت مرتفع. وهو ما يظهر في المسرح، بحيث لا يفهم المرء لماذا يومئ الممثل لما يقوله بلسانه بيديه، كما لو أن الكلام لا يكفي للتعبير.

وما يعد حقا ظاهرة غريبة هو تلويح الممثل بيديه قبل أي حوار أو حديث وقبل أي حركة بشكل مبالغ فيه لدرجة جعلت الكاتب يذهب بعيدا في تحليلاته عن علاقة الممثل المغربي بجسده ويتساءل «هل نملك ممثلا مسرحيا في المغرب؟

وهل يملك المتخيل المغربي صورة ذهنية عن التمثيل المسرحي وعن الممثل؟».

تلك بعض من الأسئلة التي أثارها الكاتب والمسرحي سعيد الناجي في هذا الجزء من الكتاب الذي لا يتوانى فيه من طرح مسألة توقيع المغرب على اتفاقية التبادل الحر مع أميركا وما يمكن أن تلحقه بالفن والثقافة المغربيين من تحولات لا يمكن أن نتعرف فيها على المسرح المغربي مثلا لأنه سيقع تحت سلطة «رعاة البقر الجدد».

ولهذا يدق الكاتب ناقوس الخطر في هذا الجزء من الكتاب ويدعو الجهات المسؤولة إلى حماية الثقافة والفن والقطاع السمعي البصري بالمغرب من تداعيات اتفاقية التبادل الحر.

وتحصين هذه القطاعات بتقنين التدخلات والاستثمارات الأجنبية وفق دفتر تحملات دقيق حتى يظل المغرب سيد تجربته الثقافية والفنية، وذلك حتى لا يأتي وقت عبثي وتمنع فيه مسرحيات مغربية بدعوى أنها «ضد أميركية» أو بدعوى أنها تساند الإرهاب لأنها تساند الشعب الفلسطيني أو العراقي أو حتى المغربي..

وفي القسم الثالث والأخير من الكتاب يقدم الكتاب قراءة في مجموعة من المسرحيات المغربية منها: «أربع ساعات في شاتيلا» لفرقة مسرح اليوم، و«لا لا جميلة» لفرقة مسرح ابن خلدون، و«شاري الهم» لفرقة لايبزيك للمسرح، و«دار الأمان» للفرقة الجهوية بالرباط، و«بنات لا لا منانة» لفرقة الكعب العالي، و«أهل المخابيء» لفرقة مسرح نون.

ويخلص إلى أن مجمل المسرحيات المقدمة في السنوات الأخيرة بالمغرب تتميز بالعودة القوية للتجريب والانتصار للبحث عن مسرح تترسخ فيه صناعة الفرجة الأصيلة وينفتح على المسرح العالمي.

لكن تلك العودة تطرح سؤال نص المسرحي المغربي الذي مازال فقيرا ولا ينهل منه ومن الكتابات الإبداعية المغربية إلا القليل من المسرحيين المغاربة الذين يجدون متعة كبيرة في النهل من نصوص مشرقية وعالمية ولا يعيرون الإبداعات المغربية أي اهتمام، بل منهم من لا يطلع عليها على الإطلاق لأسباب يحير النقاد في تفسيرها.

فهل هو قدر المسرح المغربي أن يعيش في قطيعة مع الذاكرة ومع الإنتاج الإبداعي الحاضر؟.

* الكتاب: مسرح المغاربة

* تأليف: سعيد الناجي

* الناشر: دار ما بعد الحداثة - فاس 2005

* الصفحات: 139 صفحة من القطع المتوسط

سعيدة شريف