مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور سعيد اللاوندي وهو خبير في العلاقات السياسية والدولية بمؤسسة الأهرام الصحافية المصرية وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية وصدر له من قبل عدة كتب من بينها «القرن الحادي والعشرون.. هل يكون أميركيا؟»، «أميركا في مواجهة العالم .. حرب باردة جديدة»، «الشرق الأوسط الكبير مؤامرة أميركية ضد العرب».
وفي كتابه الجديد الذي نعرض له هنا بالتناول يتناول المؤلف للتطورات التي يعيشها النظام الدولي في الفترة الراهنة فيشير إلى ما يعتبره ملامح أولية لوفاق دولي جديد.
وينطلق الكاتب من أن العلاقات الأطلسية الأميركية الأوروبية شهدت منعطفا حادا وخطيرا منذ سقوط بغداد في 9 ابريل 2003 فالمياه التي كانت تجري في نهر العلاقات الدولية قبل هذا التاريخ ليست هي ذاتها التي تجري فيه اليوم.
والاعتراض والنفور والعدوانية التي كانت تتسم بها المواقف الأوروبية إزاء سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط قد اختفت تماما لتحل محلها تسويات ومقاربات أطلسية مشتركة بعد اتفاق الطرفين الأميركي والأوروبي على توزيع الأدوار واقتسام الغنائم واحترام قواعد اللعبة وفق سايكس بيكو جديدة يحكم المنطقة العربية شعوبا وحكومات ويطلق يد القوى الكبرى في ثروات المنطقة أرضا وسماء عبر استراتيجية شد الأطراف لتتفسخ بلداننا قطعا ودوائر ومحميات عرقية ودينية بحيث لا يتبقى منها سوى الأنقاض.
ومن هذه الفكرة التي تمثل محور الكتاب ينطلق الدكتور اللاوندي في استعراض ما يدعم رؤيته مشيرا الى ان الهيمنة الأميركية أصبحت مؤكدة اليوم ومفروضة كأمر واقع معاش نلمسه في كل شيء مستعرضا السياسات الأميركية التي أوصلت الولايات المتحدة الى هذا الموقع والتي بدأت في تطبيقها منذ بدايات القرن العشرين، وخلالها تمكنت من احتكار القرار وتواري أوروبا التي أصبح يشار اليها بالقارة العجوز.
ثم كانت حرب الخليج والتي أطلقت لمفهوم النظام العالمي الجديد وحرب كوسوفا التي روجت لوظيفة جديدة لحلف الأطلنطي بما يعني أن الحديث عن فقدان الحلف لوظيفته بعد اختفاء الاتحاد السوفييتي غير دقيق حيث ان الاستراتيجية الجديدة للحلف وضعت في اعتبارها ضرورة تأقلم الحلف مع الأوضاع المستجدة والتعامل مع مصادر التهديد الجديدة والمسرح الجديد للعمليات والمرجعية السياسية لاتخاذ القرار.
ورغم الخلافات الأميركية الأوروبية في هذه المرحلة حول تفاصيل هذه الاستراتيجية الجديدة إلا أن الولايات المتحدة تمكنت من تغليب وجهة نظرها وتحديث المفهوم الاستراتيجي الذي يجيز للحلف القيام بمهام وعمليات خارج إطار المادة الخامسة من ميثاقه التي كانت قد منعت اتخاذ القوة المسلحة إلا في حالة تعرض إحدى الدول الأعضاء فقط للهجوم العسكري.
في هذه الأثناء استيقظ حلم أوروبا العظمى وهو حلم عمره أكثر من نصف قرن وهو الامر الذي عبر عنه الرئيس الفرنسي جاك شيراك عندما قال في أول حديث له لصحيفة فرنسية عقب فوزه بمقعد الرئاسة في قصر الإليزيه «إنه من غير المعقول أو المقبول أن يظن البعض ان الإرادة والقرار سيكونان دائما من نصيب الولايات المتحدة وعلى أوروبا فقط أن تدفع الثمن».
وعلى طريق تحقيق هذا الحلم كان توسيع الاتحاد الأوروبي وتأكيد الوحدتين السياسية والاقتصادية ووصل الامر في هذا الخصوص الى طرح يوشكا فيشر وزير خارجية ألمانيا السابق جملة من الأفكار حول أوروبا الفيدرالية أو ولايات متحدة أوروبية عن طريق إنشاء برلمان أوروبي يمثل في جانب منه الدول وفي الجانب الآخر المواطنين.
وفي تأكيد على قوة هذا الاتجاه يشير المؤلف الى أنه ليس هناك في العقل السياسي الجمعي الأوروبي المعاصر أبشع من مقولة ان القرن الحادي والعشرين سيكون بالضرورة أميركيا لأن هذا معناه مصادرة حق الأوروبيين في أن يحلموا بأوروبا العظمى ذلك الحلم الذي دغدغ مشاعر وأحاسيس أباء أوروبا الكبار.
في مواجهة هذه الأحلام وفي إطار الاستراتيجية الأميركية للهيمنة على العالم كان لا بد أميركيا أن تتولى بنفسها تسوية الأوضاع في البلقان وأن تحول واشنطن في الوقت نفسه دون ظهور أي قوة أوروبية تتعارض مع طموحات أميركا وكان معنى ذلك العمل بكافة الوسائل للوقوف في وجه أي تطوير للنظام الاستراتيجي الأوروبي المنافس للنظام الأميركي.
من جانب آخر وحسبما يشير المؤلف فقد لجأت الولايات المتحدة الى وسيلة أخرى وهي استخدام الحديث عن تزايد قوة الإسلام في اوروبا لضرب وحدة القارة حتى لا تكون أوروبا القوة المرشحة للوقوف في وجه هيمنتها التي تفرضها على العالم.
ويستعرض المؤلف الى جانب ذلك الملفات الشائكة بين جانبي الأطلسي أوروبا والولايات المتحدة مشيرا الى ان هناك دائما ما يعكر صفو العلاقات بين الجانبين خصوصا اذا اقتربنا من الملفات الزراعية والتجارية.
وهنا يوضح أن حركة مناهضة العولمة التي تناصب أميركا العداء في كل مكان تأسست ردا على جملة من الإجراءات العقابية ضد أوروبا عندما امتنعت الأخيرة عن استيراد لحوم الأبقار المهرمنة بعد ثبت أنها تضر أبلغ الضرر بمن يأكلها فكان رد الفعل الأميركي هو فرض ضرائب وجمارك خيالية على واردات أميركا من الجبنة الفرنسية المعروفة باسم «روكفور» مما أدى الى كساد سوقها بين المستهلكين الأميركيين.
ثم يعرض المؤلف لبعض سلبيات المواقف الأميركية مشيرا الى أنه في الواقع ثمة أميركتان الاولى أميركا الشعارات النظرية الرنانة التي تملأ الدنيا جلبة وضوضاء لترويج أفكار الماجنا كارتا ووثيقة حقوق الإنسان، والثانية أميركا الواقع والممارسة التي تقف على طرفي نقيض مع الأولى وتقيس كل الأشياء بمقياس المصلحة فالشيء نافع ومفيد ما دام يراه الشخص الأميركي كذلك.
وهذا التناقض حسبما يشير والقائم بين ما يقال وما يتم في أرض الواقع تكشفه سلوكيات عديدة. ولعل ادراك هذا الجانب أوروبيا هو الذي يعزز توجهات الاستقلالية عن الانخراط في السياسات الأميركية.
في معرض الدلالة على التوجهات الاستقلالية يشير المؤلف إلى بعض المواقف التي سادت في أوروبا ومن ذلك حديث وزير فرنسي سابق هو فرانسوا فيون والذي طالب في كتاب بعنوان أميركا سيدة العالم بأن تنهج أوروبا نهجا خاصا من أجل ترويج قيمها في أنحاء العالم بمعنى عولمة القيم الأوروبية انطلاقا من استثمار أجواء العولمة الأميركية الراهنة .
ليس مكافحتها بطريقة دون كيشوت مع طواحين الهواء والإيمان بأن العولمة ليست أداة شيطانية في يد أميركا وإنما هي واقع اقتصادي وتكنولوجي ومن ثم على أوروبا أن تستغل هذه العولمة لكي تصبح سلاحا في يدها.
كما يشير إلى توجهات رئيس الوزراء الاسباني خوسيه ثاباتيرو الذي انقلب على سياسات سلفه الذي وضع كل البيض الاسباني ،حسب تعبير المؤلف، في سلة الرهان الأميركي معتقدا أنه رابح لا محالة والغريب أنه لم يخف هذا الأمر ولو من قبيل الحياء فكان قراره بسحب القوات الاسبانية من العراق.
من هذه النقطة يصل المؤلف الى المحور الرئيسي لكتابه فيشير الى أنه ينبغي علينا ألا نسرف في الفرح عندما نسمع بين وقت وآخر عن اختلافات في وجهات النظر بين اوروبا وأميركا لأننا في المحصلة النهائية أمام غرب واحد وهو كل لا يتجزأ على الأقل فيما يتعلق بمنطقتنا في الشرق الأوسط.
وعلى ذلك يوضح المؤلف أن الحدث المفصلي في العلاقات الأميركية الأوروبية كان سقوط بغداد في 9 أبريل وانهيار نظام صدام حسين ثم مباركة الأمم المتحدة لما حدث بعد ان كانت ترفض وتشجب وهو ما جعل أوروبا تعيد حساباتها سريعا وتهرع للاصطفاف بجوار أميركا المنتصرة والفاتحة.
لقد ترجم الرئيس شيراك هذا التحول الاوروبي بتصريح رنان قال فيه إننا نهنئ الرئيس بوش والديمقراطية والقيم الغربية هي التي انتصرت في العراق. وحسبما يشير المؤلف فإن المسألة لاعلاقة لها بالديمقراطية وإنما بالمصالح النفطية التي خشيت فرنسا أن تفقد امتيازاتها هناك خصوصا بعد أن أصبحت ادارة العراق في يد قوات الاحتلال الأميركية.
وبعد أيام قليلة بدأ الخطاب السياسي الأوروبي يتبدل ليس فقط على الساحة العراقية ولكن وهذا هو الأهم حسبما يشير الدكتور اللاوندي على الساحة الإيرانية حيث تنكرت أوروبا لسياسة الحوار النقدي وتبنت الأجندة الأميركية لتتولي التحديث باسمها والدفاع عنها في جولات التفاوض التي تقوم بها الترويكا الأوروبية.
وضمن ما يشير اليه المؤلف من مؤشرات على التحول الموقف من سوريا ولبنان وتأييد القرار 1559 في سياسة استهدفت وضع سوريا في قفص الاتهام على خلفية جريمة اغتيال الحريري، في الوقت الذي كان يظن فيه البعض أن فرنسا الزعيمة السياسية للاتحاد لن تترك دمشق لقمة سائغة بين أنياب الوحش الأميركي نظرا للعلاقة الحميمة التي كانت تربط الرئيس الأسد بالرئيس الفرنسي شيراك، ناهيك عن أن بلاد الشام بشكل عام هي معقل الفرانكفونية في المشرق العربي.
مما يثير الدهشة من انقلاب الموقف الفرنسي إلى الهجوم على سوريا وكان موقف باريس بمثابة الضوء الأخضر لواشنطن للمضي قدما في مواقفها المتشددة تجاه دمشق وضرب الدور الإقليمي السوري سواء في لبنان أو في العراق أو في إيران.
ويستند المؤلف فيما يذهب اليه بشأن ملامح الاتفاق الى الكثير من التطورات الدولية والرؤى الغربية ومن ذلك ما يشير اليه الكثيرون في الغرب من أن الولايات المتحدة تجد نفسها لأول مرة منذ خمسين عاما في حاجة لمساندة من أوروبا وليس العكس، وهو ما قد يجد حقيقته في تطورات الأزمة الجارية في الفترة الأخيرة مع إيران .
وهو ما أدى الى إدراك الأميركيين بشكل عام ،حسبما يشير الكتاب، الى أنه دون توافر الدبلوماسية والمال والاقتصاد الأوروبي ستصبح مسيرة الحرية أكثر تعثرا، وأن الاتحاد الأوروبي يتمتع بتأثير بناء في كل من كييف أو سراييفو وأنقرة ورام الله وحتى في طهران أكثر من الولايات المتحدة.
ومما ساعد على تعزيز عملية التقارب في اتجاه التوافق نحو منظومة دولية شبيهة بسايكس بيكو أن كلا الطرفين .. الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.. يواجهان تهديدات مماثلة في تهريب المخدرات وتدفقات هائلة من المهاجرين وشبكات عاملة من المجرمين والإرهابيين الدوليين وذلك رغم اختلاف المعالجات لتلك القضايا.
* الكتاب: أميركا - أوروبا
سايكس بيكو جديدة في الشرق الأوسط
*الناشر:نهضة مصر ـ القاهرة 2006
*الصفحات: 260 صفحة من القطع الكبير
ألفت عبد الله
