يساهم في تأليف هذا الكتاب عدة باحثين منهم اندريه لويس سانغان الأستاذ في جامعة السوربون بباريس لمادة الجغرافيا السياسية والأفكار الجغرافية، وهو رئيس لجنة الجغرافيا في الاتحاد الدولي الجغرافي.
وإميل كاتاروز الأستاذ أيضاً في جامعة السوربون وأمين اللجنة الوطنية الفرنسية للجغرافيا، وهو اختصاصي في شؤون منطقة البلقان، سبق له ونشر العديد من الدراسات حول مسألة الهوية في البوسنة وصربيا والجبل الأسود. وأخيراً ايمانويل شافونور لوبران الحائزة على شهادة الدكتوراه من السوربون، حيث قدمت أطروحة حول كرواتيا، وهي نائبة رئيس الجمعية الفرنسية للدراسات حول البلقان.
هذا الكتاب «يوغسلافيا السابقة بعد عشر سنوات من دايتون» هو مكرّس لدراسة حاضر ومستقبل المنطقة التي شكلّت لسنوات طويلة الفيدرالية اليوغسلافية برئاسة جوزيف بروز تيتو مؤسسها أثناء الحرب العالمية الثانية..
والتي كانت في واقع الأمر تحت السيطرة شبه التامة للصربيين الذين شغلوا المواقع العليا في الإدارة وداخل صفوف القوات المسلحة.. ومنذ أكثر من خمس عشرة سنة لم تعد يوغسلافيا تلك موجودة.
وقد ظهرت على أنقاضها عدة دول جديدة ذات سيادة في عملية إعادة تشكيل ترافقت بموجات متتالية من العنف ومن المجابهات الاثنية والدينية.
وهذا الكتاب يحلل بالتحديد آليات إعادة التشكيل تلك وما نجم عنها من بنى اقتصادية ومؤسسات بينما امتدت حدود الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي إلى بعض مناطق يوغسلافيا السابقة.
لعل الميزة الأساسية لهذا الكتاب هي ان المساهمين في تأليفه يخرجون في تحليلاتهم المقدمة من إطار منطق الحرب ومن أدبيات الحرب للبحث في تعقيد البنى الجديدة ـ القديمة والتنوع الكبير للدول المعنية التي تعاني كلها تقريباً من حالة تمزق وصدامات على خلفيات عرقية وعقائدية والتي تصبو أيضاً بنفس الوقت إلى الاندماج في الاتحاد الأوروبي..
وهذا ما يبحثه المؤلفون بإسهاب في أحد فصول الكتاب الخمسة والذي يحمل عنوان: «الاتحاد الأوروبي في مواجهة امتحان يوغسلافيا السابقة»..
وتحمل فصول الكتاب الأربعة الأخرى عناوين: «سكان ممزقون» و«مجال يعاني من الإفلاس السياسي» و«قطيعة وتجزئة» و«استقرار وانفتاح».. وهذه العناوين لها دلالتها حول مضمون الكتاب.
ويقدم المساهمون في هذا العمل أولاً نبذة تاريخية سريعة عن المسار التطوري لعملية التفكك التي شهدتها الفيدرالية اليوغسلافية السابقة وحيث كانت كل من سلوفينيا وكرواتيا قد اعلنت استقلالها منذ عام 1991 ودارت ايضا رحى الحرب الأهلية الطاحنة في البوسنة والهرسك وتفاقمت الأزمة في مقدونيا وكانت حرب الكوسوفو هي بمثابة الحلقة الأخيرة في سلسلة التدهور التي عرفها نفوذ صربيا، التي احتكرت لنفسها تسمية يوغسلافيا؟
ومن المعروف أن أزمة الكوسوفو ثم حربها أدت إلى قيام القوات الجوية التابعة للحلف الاطلسي بضرب صربيا.. وكان ذلك ايذانا بالحد كثيرا من نفوذ نظام سلوبودان ميلوسيفيتش تحديداً قبل زواله.
وفي عودة سريعة إلى التاريخ تظهر التبديلات الكبيرة والسريعة التي عرفتها يوغسلافيا في تاريخها الحديث خاصة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى فاعتباراً من عام 1918 (الأول من ديسمبر) وحتى عام 1941 دعيت باسم مملكة الصرب والكروات والسلوفين مع تبني تسمية «مملكة يوغسلافيا» منذ عام 1929 حتى دخول قوات المحور أثناء الحرب العالمية الثانية الى بلغراد في مطلع شهر ابريل 1941.
واعتبارا من نهاية هذه الحرب وتحديدا منذ شهر نوفمبر 1945 وحتي نهاية عام 1991 ساد النظام الشيوعي بقيادة المارشال جوزيف بروز تيتو مع تبدلات في التسمية من فيدرالية يوغسلافيا الديمقراطية في البداية إلى الجمهورية الفيدرالية الشعبية اليوغسلافية عام 1946 ثم الجمهورية الفيدرالية الاشتراكية اليوغسلافية عام 1963 وحتى سقوطها وإعلان انفصال كل من كرواتيا وسلوفينيا ومقدونيا والبوسنة والهرسك..
وبقاء كيان موحد تحت اسم جمهورية يوغسلافيا الفيدرالية التي تضم صربيا ومناطق فوجتودين وكوسوفو والجبل الأسود.. ثم تم التخلي نهائياً عن اسم يوغسلافيا عام 2003 وتبني تسمية «مجموعة دول صربيا والجبل الأسود».. «تجدر الإشارة الى أن سكان الجبل الأسود قد اختاروا مؤخراً الاستقلال عن صربيا بواسطة استفتاء شعبي عام».
كان اتفاق «دايتون» الموقع بتاريخ 21 نوفمبر 1995 قد أعاد السلام إلى البوسنة والهرسك بعد حرب أهلية على خلفية دينية واثنية استمرت سنوات عديدة وترتب عليها عدد كبير من الضحايا وعشرات الآلاف من اللاجئين.
لقد أعادت تلك الاتفاقية السلام لكنها لم تعد اللاجئين إلى بيوتهم وهذا ما سيكون له آثاره العميقة، كما تدل التحليلات المقدمة في هذا الكتاب، لاسيما وأن كيانات كرواتية وصربية ومسلمة قد قامت في البوسنة مع خطوط فاصلة واضحة فيما بينها.. كما ان اتفاقية دايتون قد وجدت ترجمتها في الواقع عبر تعزيز دور حلف شمال الأطلسي على حساب منظمة الأمم المتحدة، خاصة منذ عمليات القصف الجوي الأطلسية التي استهدفت القوات الصربية في كوسوفو.
كما استهدفت صربيا نفسها، اعتباراً من شهر مارس 1999، وحيث استمرت تلك العمليات مدة 70 يوماً. وما يؤكده المساهمون في هذا الكتاب بأشكال مختلفة هو ان هذه المنطقة من العالم أي منطقة البلقان عامة والفدرالية اليوغسلافية السابقة خاصة هي أكثر مناطق أوروبا، ان لم يكن مناطق العالم، قابلية لانفجار الصراعات فيها على خلفية التفاوتات الاقتصادية والخلافات الإثنية والعقائدية.
هذا لاسيما وان النموذج ـ الموديل ـ السياسي اليوغسلافي الذي قام تاريخياً على أساس الهيمنة الصربية في إطار وجود دولة مركزية.
قد أظهر منذ تطبيقه في ظل النظام الملكي منذ عام 1918 انه غير قابل للاستمرار، اذ لم يتم الوصول إلى إشادة وحدة وطنية حقيقية تضم مختلف الاثنيات والقوميات والطوائف الدينية بحيث ظلت الانتماءات «ما قبل الوطنية» هي السائدة ولو أنه كان قد جرى طمسها أحيانا بواسطة القمع الذي انتهجته بلغراد.
وفي ظل دراسة التطورات التي عرفتها يوغسلافيا ـ السابقة ـ في ظل المارشال تيتو، يتم التأكيد على النتائج الكبيرة التي ترتبت على الخلاف، ثم «القطيعة» التي قامت بين ستالين والمارشال الذي تبنى ما سمى آنذاك بـ «الطريق اليوغسلافي إلى الاشتراكية» والقائم بشكل أساسي على مفهوم «التسيير الذاتي» اعتباراً من مطلع عقد الخمسينات..
لكن هذا كله لم يمنع في النهاية انفجار الفيدرالية تحت «ضربات الانتماءات القومية» خاصة بسبب «عدم النجاح في تأمين التعايش داخل نفس المجال الاجتماعي والاقتصادي بين أفراد مختلفين»، بحكم الرواسب التاريخية لكنهم «متكاملين» من حيث ما تفرضه عليهم وقائع ومتطلبات العيش المشترك في منطقة وحدتها المعطيات الجغرافية..
أما الدرس الذي يتم التأكيد عليه من خلال استقراء المسيرة التاريخية اليوغسلافية حديثا هو أن القمع، وغياب أية صيغة ديمقراطية حقيقية، لا يمكن ان يؤدي إلى قيام أوضاع مستقرة يمكن ضمان استمراريتها.
ويؤكد المساهمون في هذا الكتاب أيضا ان توقيع اتفاقيات دايتون قبل أكثر من عشر سنوات، قد أنهى الحرب الأهلية لكنه لم يضع حداً نهائيا للأسباب العميقة التي كانت وراء نشوبها أصلا.
وإذا كانت تلك الاتفاقيات قد فرضت وجوداً عسكرياً أطلسيا تحت غطاء الشرعية الدولية، في المنطقة المعنية ـ يوغسلافيا السابقة ـ فإن التحليلات المقدمة تؤكد على أن المشاكل «التي يتم تسييرها» من قبل الموقعين على اتفاقية دايتون عام 1995 لا تزال بعيدة جداً في الواقع عن إيجاد حل حقيقي ونهائي لها.
وبالتالي لم يتم التوصل إلى قيام دول أوروبية حقيقية جديدة في البوسنة والهرسك وكوسوفو والجبل الأسود. وفي أحسن الحالات يمثل ما تم الوصول إليه حالة «بلدان تشهد صيرورة جارية، لكنها لا تزال في منتصف الطريق بين ماض يحمل في طياته كل عوامل التخريب والتدمير ومستقبل لا يزال في طور البناء.
كما تكتب الباحثة ماريان دوكاس ـ روجين في مساهمتها بهذا الكتاب، ويمكن التعبير عن الحالة التي وصلت إليها البلدان المعنية، كما يصفها المساهمون الآخرون، بأنها استطاعت حالياً أن تحتفظ بـ «رأسها فوق الماء»، ولكن بواسطة «الإنعاش الدولي».
ويطرح الفصل الأخير من هذا الكتاب المشار له سابقاً، «الاتحاد الأوروبي أمام امتحان يوغسلافيا السابقة «المنظور المستقبلي لما بعد دايتون عبر التساؤل عن «خارطة الطريق» التي جرى إعدادها بالنسبة لبلدان البلقان وسبل اندماجها «المحتمل» داخل إطار الاتحاد الأوروبي؟
إن الخطوة التي قام بها الاتحاد الأوروبي تتبدى في القرار الذي تبنته المفوضية الأوروبية ببروكسل عام 2000 بفتح الآفاق أمام دول يوغسلافيا السابقة لتوسيع اتفاقيات شراكة وإيجاد سبل لتأمين الاستقرار في الإطار الأوروبي، وبحيث ينبغي اعتبار هذه الاتفاقيات بمثابة مرحلة أولى ضرورية من أجل الدخول في المفاوضات الرامية للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
هذا وقد أكد مسؤولون أوروبيون عديدون رغبتهم في أن يروا بلدان البلقان داخل أوروبا الموحدة بحيث لا يكون في خارطتها أي «ثقب» ثم ان سلوفينيا قد أصبحت عضواً كامل العضوية اعتباراً من عام 2004 وكرواتيا ستكون كذلك قريباً ومقدونيا من بين المرشحين «البارزين».
إن هذا الكتاب يقدم في المحصلة عبر مساهماته التي تقارب العشرين مساهمة نظرة شاملة حول الرهانات الجيوسياسية ليوغسلافيا السابقة، وخاصة في إطار المنظور الأوروبي وعلى ضوء الوقائع الاقتصادية والاجتماعية «المتحركة» للبلدان المعنية.
ويبقى في طليعة هذه الرهانات مستقبل الديمقراطية في المنطقة عامة وفي صربيا خاصة، ومكانتها على المسرح الدولي.
* الكتاب: يوغسلافيا السابقة بعد 10 سنوات من دايتون
* الناشر: لارماتان ـ باريس 2005
* الصفحات: 264 صفحة من القطع المتوسط
L ' EX-YOUGOSLAVIE DIX ANS
APRES DAYTON
ANDRE-LOUES SANGUIN ET®.
L'HARMATTAN-PARIS 2005
P.264
