أجرت ميا هانسون المحررة الثقافية بمجلة «تايم أوت» اللندنية هذا الحوار مع الروائية البريطانية جولي مايرسون، بمناسبة صدور روايتها السادسة بعنوان «قصتك» عن دار جوناثان كيب اللندنية، أخيراً، وحرصت مايرسون على الحديث بصراحة ووضوح ليس عن روايتها الجديدة فحسب، وإنما عن عالمها الإبداعي بكامله، والذي قالت إنه ينصب على سبر أغوار مشاعر الخوف.
وتنطلق تحت سقفه نسوة ذوات شخصيات لا تفتقر إلى التركيب ولا التعقيد، ولا يترددن في الوصول إلى حد قتل أزواجهن، غير أنها شددت في الوقت نفسه على أنه لا علاقة لما تبدعه بحياتها الخاصة، التي اعترفت بأن من أبرز ملامحها ذلك القدر من مشاعر التعاسة والتمزق الذي ساد طفولتها وصباها.
وفيما يلي نص المقابلة:
لو أنك كنت قد شاهدت فيلم أنطوني مينغلا الأول، الذي حمل عنوان «بصدق وجنون وعمق»، فسوف تتذكر الشخصية الرئيسية فيه، والتي جسدتها الممثلة جولييت ستيفنسون، وذلك في غمار تعاملها مع موت حبيبها من خلال تجاذب أطراف الحديث مع شبحه، الذي أدى دوره ألان ريكمان.
وهناك خيط أثيري من النوع نفسه يمتد عبر رواية جولي مايرسون الجديدة بعنوان «قصتك» ومن هنا فإنه ليس من قبيل المفاجأة الكبرى أن شركة «فيلم فور» ومانغيلا قد بادرا إلى شراء حقوق نقل الرواية إلى الشاشة الفضية.
وتقر مايرسون بقولها: «لقد فوجئت بذلك تماماً، وبوسعي أن أدرك التشابه، ولكنني لم أنظر إلى روايتي باعتبارها عملاً ينتمي إلى عالم السينما، وبعد أن قلت ذلك، لابد لي من الاشارة إلى أن أنطوني مينغلا لا يرغب في اخراج فيلم (قصتك) بنفسه لانه يعتقد أن الرواية قريبة للغاية من (بصدق وجنون وعمق)».
ولدى كل من المخرج والروائية قدرة مراوغة على التعامل برهافة وبشكل صدامي في آن مع بعض الجوانب الأكثر قتامة في الحياة، من قبيل القتل، الخيانة، الاستحواذ والجنون.
وذلك هو السبب في شعوري بالحيرة لدى مقابلتي لجولي مايرسون، فهي تبدو جميلة وبعيدة عن الافتعال، ولا أثر يبدو عليها للقلق الذي رصدته في اللقطات التي وظفت للدعاية لكتبها، وتنطلق كلماتها متتابعة إحداها وراء الأخرى في أكوام مفعمة بالبهجة، يفصل بينها التألق في عينيها الزرقاوين الصافيتين. وهي في حقيقة الأمر سعيدة تماماً.
وهي تقول: «إنني في وضع آمن، أنطلق منه لاستشكاف آفاق الخوف، وأكتب عن أمور تخيفني، وتنهض كتابتي كالعنقاء من رماد هذا الخوف.
وجانب من كتابي الجديد يردد أصداء سيرتي الذاتية، مثل الجزء الذي نجد فيه روزي، وهي الشخصية الرئيسية، في البندقية بايطاليا، وفجأة تجد نفسها تحدق في هوة من صنع خيالها.
ويعتقد جونسون وهو شريكي منذ سبعة عشر عاماً أن هذا أمر طريف، لان النسوة في رواياتي معقدات على الدوام وعرضة للتهاوي كالقشور، ويحاولن قتل أزواجهن. ومن الأمور التي كنت أحاول القيام بها في الرواية الجديدة أن أكتب بصراحة عن زواج حقيقي».
لقد انفصل والدا مايرسون أحدهما عن الآخر، بينما كانت لا تزال في الثانية عشرة من عمرها، وليست لديها ذكريات عن طفولتها، وهي تقول عن زوج أمها إنه كان: «رجلاً رائعاً قام بتربيتي»، ولكنه هجر أمها في وقت لاحق من أجل امرأة أخرى، ولم يعد يتصل بها.
وتضيف: «بدا الأمر كما لو أنه بمغادرته ألقى بكل الذكريات التي راكمناها إلى النفايات». أما أبوها فقد انتحر.وعلى الرغم من أنها تذهب إلى القول إن هذا ليس له تأثير يذكر على ما تكتبه، فإنها تضيف: «لقد بدا لي أن من قبيل المبالغة أن أفصل القول في النبع الذي تصدر عنه رواياتي.
إن الزواج يدور حول التاريخ المشترك لرجل وامرأة، وقد قام أبي بالفعل بقطع وجه أمي من كل الصور العائلية عندما انفصلا، ولكنني أردت الكتابة قبل وقت طويل من بدء هذه الأمور في الحدوث».
وهي تضيف: «إن روايتي الجديدة بنى صرحها بصورة خالصة من الحوار الداخلي والخارجي على حد سواء، في ذهن روزي وهي أم في منتصف العمر ماتت أبنتها أخيراً، والعمل يعد دراسة فعلية في القدرة التي يتمتع بها الناس على استحضار ما يحتاجونه عندما يمس احتياجهم له والدمار الذي تلحقه هذه القدرة بمن حولهم».
وتتابع: «إنني أجلس وأمامي صفحة بيضاء خالية، ويكون بمقدوري الشعور بالجليد، وعندئذ أعرف أنني أريد الكتابة عن غرفة جليدية». وقد كانت هذه هي غرفة الطلبة التي أمضت بها روزي ليلة راقدة بكامل ملابسها إلى جوار زميلها في الدراسة قبل عشرين عاماً مضت. والرواية هي استحضار مستمر وتأمل لتلك الذكرى وتأثيرها على حاضر روزي والالم الذي تستشعره من جراء فقدها لابنتها وعائلتها التي تبتعد عنها بصورة متزايدة.
تقول جولي مايرسون: «إن قوة الذهن وما نستطيع أن نقنع أنفسنا به هي قوة لا تصدق على نحو هائل، والناس يعايشون أموراً ليس بالإمكان تفسيرها.
وقد رأيت شبح صبي ذات مرة، عندما سار حول داري وأيقظني في منتصف الليل. ولكن الكتابة ينبغي أن تبدو صادقة وحقيقية. وأنا أتبنى في هذا الصدد منهاجاً بعيداً عن النزعة العاطفية، فالشيء الذي لا أحبه هي الكتابة ذات الطابع الصبياني، لأنني أجدها تعكس كسلاً من الناحية العاطفية، وأنا أحاول على الدوام أن أكون أقل أنثوية في كتابتي! وإذا كنت بسبيلي إلى الكتابة عن الجنس أو الصغار أو أي من مثل هذه الأمور فإن ما أحاول القيام به حقاً هو ألا تكون فيها أوقية من النزعة العاطفية».
وفي الوقت نفسه فإن مايرسون تهدف إلى تحقيق الإثارة الانفعالية، وهي تقول في هذا الصدد: «إنني بحاجة إلى أن أعرف كيف يتعامل الناس مع فقدان شيء من ماضيهم يحسون بأنهم ليس بمقدورهم استعادته من جديد أبداً.
وقد كنت أتساءل كيف يمكن أن يكون الأمر إذا استطاع المرء استعادة شيء ما، ولم يخطر ببالي على الاطلاق جوهر الموضوع إلى إن قالت لي صديقة إن تلك هي قصة حب».
تعتبر رواية «قصتك» هي رواية جولي مايرسون السادسة.
وكانت قد كتبت روايتها الأولى وهي في الثانية والثلاثين من العمر، عندما كانت قد أنجبت بالفعل ثلاثة أطفال.
وهي تقول عن عائلتها: «كان جوناثان شخصية داعمة ومؤيدة للغاية، أو بالأحرى ان التعايش معي لم يكن بالأمر الجميل للغاية إلا بعد أن تتاح لي الفرصة للكتابة!».
وبينما استغرقت كل رواية من رواياتها الأخرى قرابة عامين لكي تنتهي منها، فإن روايتها السادسة قد كتبت في أربعة أشهر من الجهد المكثف.
وهي تقول في هذا الصدد: «عندما يكون لديك أبناء، فإنك يتعين عليك أن تمضي بعيداً لكي تكتب. وقد اعتدت على الاستيقاظ في الساعة السابعة صباحاً والعمل على مدار ساعتين، ثم قضاء فترة طويلة في تناول طعام الأفطار والعودة للكتابة على امتداد ثلاث ساعات.
ثم الخروج وإلقاء نظرة على محال الانتيكات لمدة ثلاث ساعات والعودة إلى الدار.. لقد كانت تلك تجربة رائعة».
إنني أتساءل: من أين تأتي هذه الطاقة؟ تبتسم مايرسون في معرض الرد على هذا التساؤل، وتقول: «إذا كنت تريدين تأليف الكتب، فإنك لست مضطرة للبحث عن الطاقة. إذا تركني الجميع بمفردي، فإنني سأجد تلك الطاقة».
تتوقف مايرسون لحظة عن الحديث، قبل أن تضيف: «شأن كل رواياتي، فإنني أعتقد أن روايتي الجديدة إما أن يعشقها القاريء أو يمقتها».
محطات في مسيرة جولي
* ولدت الروائية والناقدة البريطانية جولي مايرسون عام 1960 في نوتنغهام وعملت بالدعاية في الناشيونال ثيتر ودار ووكر لكتب الأطفال، ثم فازت بجائزة مجلة »إيل« للمواهب الواعدة وتفرغت للكتابة.
* أصدرت مايرسون خمس روايات قبل «قصتك»، هي على التوالي: شيء قد يحدث، السائر نائماً، اللمسة، أنا والبدين، ولورا بلوندي، وقد دخلت روايتها الأولى القائمة القصيرة للأعمال المرشحة للفوز بجائزة دبليو. إتش سميث الأدبية، ودخلت «السائر نائماً» القائمة القصيرة لجائزة جون لويلن رييز.
* لفتت مايرسون الانظار إلى موهبتها في الكتابة غير الروائية أولا عبر سلسلة مقالات نشرتها صحيفة «الاندبندنت» اللندنية، وتضم تأملات عن العائلة والأحداث اليومية ومخاوف الحياة، وما لبثت أن أصدرت كتابها الأول غير الروائي بعنوان »الدار« والذي حولته البي. بي. سي إلى عمل درامي. ونشرت مذكراتها في عام 2005 تحت عنوان «لست انسانة مولعة بالألعاب».
* تقيم جولي مايرسون مع جوناثان مايرسون وأطفالهما الثلاثة في جنوب لندن، وقد ترجمت أعمالها إلى العديد من اللغات الأجنبية، وفازت روايتها الأولى «شيء قد يحدث» بجائزة انترناشيونال إمباك الأدبية في عام 2005.
