يبدأ هذا الكتاب ببرد زمهريري، حيث نجد أنفسنا في غرفة توشك على التجمد برداً في دار للطلبة، وثمة حشية نحيلة على الأرض، واثنان من البشر، هما رجل وامرأ ة يتراوح عمرهما حول العشرين عاماً، يقبل كل منهما الآخر بشغف طوال الليل.

هذا المشهد هو نفسه الذي سوف تستعيده روزي، بطلة الرواية، بعد عشرين عاماً، بمزيد من الشغف الاستحواذي، فهي قد فقدت لتوها طفلتها في حادث مروع، ومضى بها شريكها توم إلى باريس، لعلها تنسى ما حدث وتبدأ من جديد.

لقد ظل الثلج ينهمر طوال الليل، وتستيقظ روزي عند الفجر، وتقرر المضي في نزهة. وفي مكتب الاستقبال بالفندق تجد رسالة في انتظارها، لا تزيد فحواها عما يلي: «إنني في انتظارك. (إكس)». وهذا الرجل المجهول ستجده في ركن بالمقهى عندما تدلف إليها بطريقة عشوائية تماماً.

يتجاذبان أطراف الحديث، يلمسها، تشيح بناظريها بعيداً، وعندما تعاود النظر إليه فإنه يكون قد اختفي من المكان. أكان هناك حقاً؟ هل كانت تحلم به؟ لماذا عندما يرسل لها رسالة الكترونية بعد يومين من قلب المجهول يكتب كما لو أنهما لم يلتقيا منذ عشرين عاماً؟

«قصتك» هي صورة لامرأة تحاول المضي قدما كأم وزوجة، بينما هي تقع في حب رجل آت من عمق الذاكرة.

وكعهدها دائماً في أعمالها الروائية الخمسة السابقة، فإن مايرسون ترسم خارطة القلب البشري بدقة وتعمق شديدين، بينما تبقى القارئ لاهثا يترقب عند حافة الدموع.

على الرغم من أن روزي تحيا مع توم والد ابنيها، إلا أنها لم تتخل يوماً عن ذلك الطالب الذي أحبته قبل عشرين عاما، وحملت في ذاكرتها بصمته، محياه، شبابه وقبلاته على جزء بالغ الرقة من ذهنها.

إن معاودته الظهور على السطح في حياتها تعني أنها تعاني بعمق بالغ، بعد الحادثة المريعة التي أودت بابنتها، ولكنها تعني كذلك أنها ترفض في عناد بالغ تلك الحقيقة، بل انها تحجب عنا الأمر فيما هي تبدو وكأنها تكشف لنا مكنون فؤادها.

هكذا فإن روزي تستهل حياة مزدوجة غامضة، وغارقة في الظلال، فعلى السطح هناك شريك حياتها توم، وهو شخصية ذات طابع مباشر، وإن كان لا يعبر عن نفسه بطريقة واضحة، وهو في الوقت نفسه يعرف ما يريده، ويميل إلى الحصول على هذا الذي يريده.

ولكن في الوقت نفسه هناك تحت السطح المراسلة عبر البريد الالكتروني التي تمتد بين روزي وبين «إكس»، وهو الاسم الذي سيعرف به، لان الكتاب لا يأتي على ذكر اسمه قط. وسرعان ما تتصاعد هذه المراسلة إلى أقصى ما يمكن أن يصل إليه البريد الالكتروني.

ومايرسون تجيد التقاط هذا كله وتصويره بكل دقائقه وتفاصيله، و«إكس» الموجود في أميركا لا يتذكر شيئاً عما جرى في المقهى الباريسية، ولكنه يبلغ روزي بأنه في الطريق إلى لندن على أي حال. فما الذي تفعله روزي؟

إننا نعرف أن جولي مايرسون قد أصبحت مشهورة بقصها الذي يوصف بأنه «مظلم»، وإن رواياتها الخمس السابقة قد انتقلت من جرائم القتل إلى عالم الدعارة الوحشي وحالات الانتحار.

أما روايتها السادسة هذه فإنها تنكفئ إلى الداخل، وتركز على روح معذبة، هي روح روزي، التي نمضي معها في استحضارها للملامح الخيالية المفعمة بالحيوية والتوهج، للشباب الذي أحبته قبل 20 عاماً ونلتفت إلى حيلة ذكية من حيل الصياغة، حيث تضع مايرسون لقاءات روزي مع «إكس» في صيغة المضارع دائما أما حياتها العائلية والعملية فهي تكتب في صيغة الماضي السردية العادية.

ومايرسون تقودنا كذلك عبر متاهة من التلميحات إلى هوية «إكس» الحقيقية، فهو في بعض الأحيان شخصية دافئة وذات حضور مؤثر، وفي البعض الآخر يبدو شخصية شاحبة، وهو لا يتحدث كثيراً، ولكنه عندما يتحدث فإنه يقول على وجه الدقة ما تحتاج روزي إلى سماعه.

هذه الرواية، في جوهرها، هي كتاب عن امرأة عانت خسارة جسيمة إلى حد لم تستطع معه الإقرار بها، ومن هنا فإنها تجد شبحاً ليحل محل من فقدته، والذي كان ينبغي أن يلاحقها ولا يغيب عنها أبداً. وهي لا تستطيع أن تواجه الحاضر، وتعجز عن استشراف المستقبل، وهكذا فإنها تتخذ من الماضي ملاذا تحتمي به، الماضي الذي يعود إلى عشرين عاماً خلت.

وعلى الرغم من الاهتمام الكبير الذي حظيت به رواية مايرسون السادسة، فور إطلالها، والثناء الذي نالته، والذي بلغ ذروته في إشادة الناقدة كيت سوندرز بها في مقال مطول نشر في مجلة «نيو ستيتسمان»، إلا أننا نلاحظ أن العمل أيضاً حظي بانتقادات قاسية، كأنما في تجسيد مباشر لما توقعته مايرسون نفسها عندما قالت إن من يقرأ روايتها الجديدة لا بد له إما أن يعشقها أو يمقتها.

هكذا فإننا نلاحظ أن الروائية شينا جوجان تختتم مقالاً لها في صحيفة «الإندبندنت» عن رواية مايرسون بالإعراب عن اعتقادها بأن «قصتك» تعاني من مشكلة أساسية تمثلت في قرار مايرسون بتوجيه الخطاب في الكتاب بكامله إلى «أنت» أي ضمير المخاطب.

وقد أضفى هذا على العمل نوعاً من الزخم والكثافة والقوة، ولكنه أيضا يستحضر نوعاً من رهاب الأماكن الضيقة، وهكذا فإن القارئ يميل في نهاية المطاف إلى الاعتقاد أن كل شخصية في الرواية تحادث نفسها، أو تتحدث عن نفسها، الأمر الذي يجعل من اليسير الاعتقاد أن هذه الشخصيات قُدِّر عليها ألا تتواصل أبداً.

ولا يقتصر النقد اللاذع، حتى لا نقول الهجوم القاسي، الذي تتعرض له رواية «قصتك» على ذلك، فالناقد كاري أوجريدي يذهب بعيداً في عرضه للرواية في مقال بصحيفة «غارديان»، فيقول إن كتابة هذه النوعية من الروايات شبه الفائقة للطبيعة لها سقطاتها العديدة، كما تعرف هوليوود، على حد تعبيره.

وهو لا يتردد كذلك في الإعراب عن اعتقاده بأن نهاية رواية «قصتك» تجعل المرء يتساءل عما إذا كانت جولي مايرسون قد ترددت على دور السينما أكثر مما ينبغي، طوال السنوات الماضية، وهي ـ شأن بطلتها روزي ـ تحسن صنعاً لو أنها حرصت على أن تبقى في أرض الأحياء، وليس في أرض الموتى.

إذا ضربنا صفحاً عن هذه اللمحات النقدية الصارمة، التي لا يخلو النقد الانجليزي الحديث من كثير مما يماثلها، فإن المرء يظل على اقتناعه بأن رواية جولي مايرسون عمل جدير بالقراءة والتأمل، ربما لأن هناك من الشخصيات المماثلة لشخصية روزي قدر ما هنالك من القراءة.

كيت تحكي عن جولي

تقدم جولي مايرسون في روايتها السادسة (قصتك) عملاً فذاً، شديد الخصوصية وفاتناً، حيث نجد أنفسنا في مواجهة النواح الجماعي النابع من عذاب أنثوي تعانيه امرأة في أواسط العمر، وقد صاغته الروائية بصورة بارعة، حيث تقول روزي، الشخصية الرئيسية في الرواية: (لم يكن لدي قط من يمسك بيدي ويتطلع إلي ويقول لي إنه يحبني حقاً طوال الوقت الذي يحتدم فيه انفعالي).

ترى هل يمكن أن يكون هذا هو جذر الأمر بأسره، هذا العويل الهائل من أجل حب بلا حدود؟ إن جولي مايرسون واحدة من القلة المختارة التي يمكنها الكتابة بصورة مقنعة عن علاقة حب مفعمة بالمشاعر العارمة، بكل آلامها الرائعة ومباهجها الجارحة.

* الكتاب: قصتك

* الناشر: جوناثان كيب ـ لندن 2006

* الصفحات: 320 صفحة من القطع المتوسط

The Story of you

Julie Myerson

Janathan Cape - London 2002

p. 320