مؤلف هذا الكتاب هو الباحث جان لوك بار. وكان قد نشر عدة كتب عن الجنرال ديغول وبعض المواضيع والشخصيات الأخرى ونال عليها الجوائز الأدبية والتاريخية.

وهو يتحدث هنا عن زوجين لعبا دورا كبيرا في فترة ما بين الحربين العالميتين داخل الأوساط الثقافية والسياسية الفرنسية والأوروبية وهما:جاك ماريتان وزوجته رايسا ماريتان. ومنذ البداية يقول المؤلف ما معناه: لقد شكل جاك ماريتان مع زوجته أكبر صالون للنقاشات الفلسفية والدينية والأدبية في فترة مهمة من فترات فرنسا. وكان ذلك طيلة النصف الأول من القرن العشرين. فمن هو جاك ماريتان يا ترى؟لقد ولد في باريس عام 1882 في عائلة بروتستانتية وبورجوازية. وكان جده لأمه جول فابر أحد القادة السياسيين لفرنسا في ذلك الزمان. وفي ظله نما وترعرع. وقد درس في أفضل المدارس الفرنسية كجميع أبناء الأغنياء قبل أن ينتقل إلى الجامعة ويدخل السوربون.

وهناك راح يدرس العلوم وبخاصة علم الكيمياء والبيولوجيا والفيزياء. ثم التقى على مقاعد الدرس بفتاة روسية تدعى رايسا. وقد تزوجها عام 1904 وأصبحت رفيقة عمره وصاحبة دربه في البحث المشبوب عن الحقيقة.

ومعلوم أن عبادة العلم كانت منتشرة جدا آنذاك وتهيمن على السوربون. كان الناس يعتقدون بأن الدين انتهى بعد كل النجاحات التي حققها العلم والفلسفة الوضعية. ولكن جاك ماريتان لم يقتنع بذلك، ففي رأيه أن العلم، على أهميته الكبرى، لا يستطيع أن يجيب على الأسئلة الوجودية والميتافيزيقية التي يطرحها الإنسان على نفسه لا محالة.

ثم يردف المؤلف قائلا: صحيح أن العلم حقق قفزات رائعة في مجال استكشاف القوانين الفيزيائية والرياضية التي تتحكم بالكون. وصحيح أنه أدى إلى تقدم الصناعة والتكنولوجيا بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ.

وصحيح أنه أدى إلى صنع الآلات الحديثة التي وفّرت على الإنسان بذل الجهد العضلي المضني الذي كان ينهكه سابقا. وصحيح أن الإنسان أصبح ينعم بالرفاهية وسهولة العيش بفضل تقدم العلم. كل هذا صحيح وأكثر.

ولكن المشكلة هي أن العلم لا يستطيع أن يقول لنا من أين جئنا، ومن نحن، وإلى أين المصير؟ هذه تساؤلات وجودية أو ميتافيزيقية يصعب على العلم أن يجيب عنها . وبالتالي فلم يبق لنا من عزاء إلا الفلسفة والدين.

ولكي يجد أجوبة على تساؤلاته الحارقة راح جاك ماريتان يستشير أحد كبار الشعراء والكتاب الفرنسيين آنذاك: شارل بيغي. فنصحه بحضور دروس الفيلسوف هنري بيرغسون في السوربون. ومعلوم أنه كان أكبر فيلسوف فرنسي في ذلك الزمان. ولم يكن ماديا محضا على عكس معظم مفكري عصره، وإنما كان يولي للروح شأناً كبيراً.

وقد زرع هذا الفيلسوف في قلب جاك ماريتان وزوجته رايسا حب المطلق بلا حدود. ثم سافرا بعدئذ إلى ألمانيا لإكمال دراساتهما. ولكن قبل أن يسافرا كانا قد غيّرا مذهبهما البروتستانتي وتحولا إلى المذهب الكاثوليكي البابوي الروماني. وفي ألمانيا اكتشفا مؤلفات أكبر فيلسوف في العصور الوسطى: القديس توما الاكويني.

وقد وجدا عنده الأجوبة على تساؤلاتهما الميتافيزيقية الملحة. ثم دفعتهما قراءته إلى قراءة أستاذه، المعلم الأول: أرسطو. ومعلوم أن القديس توما الأكويني خلع الطابع الإيماني والمسيحي على فكر أرسطو فلم يعد وثنيا أو عقلانيا صرفا.

ويردف المؤلف قائلاً:

ثم عاد جاك ماريتان وزوجته رايسا إلى فرنسا لكي يصبح زوجها أستاذا في المعهد الكاثوليكي بباريس. ثم ذاعت شهرته بعد أن نشر كتبه الأولى وأصبحت مختلف جامعات العالم تتنافس عليه وتدعوه لزيارتها أو المحاضرة فيها. وهكذا أصبح أستاذا في المعهد البابوي للدراسات القروسطية بمدينة «تورنتو» بإيطاليا عام 1933. وبعدئذ أصبح أستاذا زائرا في جامعة كولومبيا بنيويورك، ثم في جامعتي شيكاغو وبرنستون، وهي من أفضل الجامعات الأميركية.

وبعد عودته إلى فرنسا تورط جاك ماريتان مع اليمين المتطرف الفرنسي. وقد عابوا عليه ذلك كثيرا لاحقا. ولكنه سرعان ما ابتعد عنه بعد أن أدانه بابا روما بحجة أن أطروحات هذا اليمين العنصري مضادة لمبادئ الدين والإنجيل.

وهكذا راح جاك ماريتان يبتعد عن هذا الخط المتعصب ويقترب من الخط الديني الوسطي المستنير. وقد ساهم في دفع إيمانويل مونييه إلى تأسيس مجلة سيكون لها شأن كبير لاحقا: هي مجلة «إسبري» (أي الروح أو الفكر بالفرنسية).

ومعلوم أن مونييه هذا كان من مدشني الفلسفة الشخصانية الجديدة: أي الفلسفة التي توفق بين مبادئ الدين المسيحي من جهة، ومبادئ العقلانية الفلسفية لعصر التنوير من جهة أخرى.

وشهد هذا التيار الفكري انتعاشا ملحوظا في فرنسا آنذاك. وكان من أكبر فلاسفته غابرييل مارسيل وبول ريكور وآخرين عديدين. وقد قلّده الفيلسوف المغربي محمد العزيز الحبابي لاحقا عندما أسس الشخصانية الإسلامية، وذلك على غرار الشخصانية المسيحية. وهي فلسفة توفق بين المبادئ المثالية الرائعة للإسلام الحنيف وبين العقلانية الفلسفية الحديثة.

فالدين يمكن أن يفهم بمعنيين: إما بمعنى متحجر ومضاد للحرية والنزعة الإنسانية، وإما بمعنى منفتح ومتوافق مع هذه النزعة. وقد اختار فلاسفة الشخصانية الخط الثاني بالطبع.

ثم يردف المؤلف قائلا: وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية كان جاك ماريتان في الولايات المتحدة ولذلك فلم يعد إلى فرنسا لأنه كان من أنصار الجنرال ديغول ومضادا لحكومة فيشي العميلة للألمان. ولذا فبعد انتهاء الحرب وتقديرا لمواقفه، فإن الجنرال ديغول عينه سفيرا لفرنسا لدى الفاتيكان. وقد ظل يشغل هذا المنصب طيلة ثلاث سنوات من عام 1945 إلى عام 1948. ثم عاد بعدها إلى الولايات المتحدة للتدريس في جامعة برنستون.

هذا وقد استقال من مناصبه الجامعية بدءا من عام 1960 بعد أن تقدم في العمر وتجاوز السابعة والسبعين. ثم عاد إلى فرنسا حيث فتح بيته للمثقفين من جديد. وكانوا يأتون اليه من شتى الجهات لكي يجدوا عنده العون النفسي والإرشاد الروحي بعد أن ضاعت بوصلة الحياة لديهم.

فالكثيرون كانوا مجروحين من الداخل ولا يجدون شفاء لأوجاعهم في الحضارة المادية الرأسمالية التي لا قلب لها ولا إحساس.

ومن بين هؤلاء كتاب وشعراء ومثقفون كثيرون. وكلهم توافدوا على بيت الفيلسوف وزوجته في إحدى ضواحي باريس الجميلة لكي يجدوا عندهما العزاء والحضن الرحب الذي يحتضن همومهم وأوجاعهم. ومن بين هؤلاء جان كوكتو، الكاتب الشهير. فالجميع معرضون للهزات النفسية بمن فيهم الكتاب الكبار. ولكن ذلك حصل في فترة سابقة في الواقع.

ثم يختتم المؤلف كلامه قائلاً: لقد استطاع جاك ماريتان أن يقف في وجه الموجة الوضعية الإلحادية الصاعدة في الغرب: أي الموجة التي لا تؤمن بالقيم الروحية والإنسانية.

إنها لا تؤمن إلا بالربح المادي والاستهلاك المسعور للشهوات والملذات.وكل ما عدا ذلك تعتبره سرابا في سراب. أما هو فيرى أن الإنسان بحاجة إلى إشباع روحي أيضا وليس فقط إشباعا ماديا.

*الكتاب: جاك ورايسا ماريتان باحثان عن السماء

* الناشر: مطبوعات جامعة نوتردام 2006

* الصفحات : 495 صفحة من القطع الكبير

Jacques and Raissa Maritain

Beggars for heaven

Jean - Luc Barre

University of Notre Dame press 2006

p. 495