هذا الكتاب هو نتاج عمل جماعي، اشترك في تأليفه عدد من الباحثين العرب وأشرف عليه المركز اللبناني للدراسات، ويتناول التجارب الحزبية العربية في كل من لبنان والأردن ومصر واليمن والمغرب والبحرين، من خلال مقاربات مختلفة تغطي الأبعاد التاريخية والقانونية والتنظيمية والفكرية لبعض التجارب الحزبية فيها.
ويعرض أبرز التحديات التي تواجه هذه التجارب، بوصفها تحديات تختلف بطبيعتها وبحدتها بين بلد عربي وآخر حسب طبيعة النظام الحاكم في كل من هذه البلدان، وحسب مدى النضوج الفكري والتنظيمي والبرنامجي لدى التجربة الحزبية في كل منها. ويتناول فارس أبي صعب، مدير التحرير والنشر في المركز اللبناني للدراسات، الأحزاب السياسية في العالم العربي، من حيث ظروف نشأتها وتحديات التجدد، ويدرس شوكت اشتي، أستاذ العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، الأحزاب السياسية في لبنان، من خلال تقديم أفكار أولية للمراجعة والتجربة.
ويدرس موسى شتيوي، أستاذ في قسم الاجتماع في الجامعة الأردنية، تجربة الأحزاب السياسية في الأردن، أما صلاح سالم زرلوقة، الخبير في مركز دراسات الدول النامية في جامعة القاهرة، فيدرس الأحزاب السياسية في مصر، متناولاً واقعها وضرورات الإصلاح.
في حين أن فؤاد الصلاحي، أستاذ علم الاجتماع السياسي المشارك في جامعة صنعاء، يدرس تجربة الأحزاب السياسية في اليمن. ويقدم أمحمد مالكي، أستاذ العلوم السياسية ومدير مركز الدراسات الدستورية والسياسية في جامعة القاضي عياض في مدينة مراكش في المغرب، بحثاً يتناول تجربة الأحزاب السياسية في المغرب، مركزاً على التحديات وآليات التجاوز.
والملاحظ هو أن دراسات الكتاب تطمح، ليس فقط دراسة بعض التجارب الحزبية العربية، بل إلى فتح الآفاق أمام الحلول الممكنة التي يمكن التجارب الحزبية العربية اعتمادها لتعزيز المشاركة السياسية وعملية تداول السلطة وتحقيق الإصلاح السياسي في بلدانها. ولا شك في أهمية وجود الأحزاب في معظم دول العالم، لكن هنالك تباينات بين الدول من حيث طبيعة وملامح النظم الحزبية التي توجد فيها ومدى فاعليتها.
وهذا يعود في جانب كبير منه إلى اختلاف ظروف وخصائص التطور السياسي في كل دولة على حدة. وتقوم الأحزاب بدور مهم وحيوي في النظم السياسية، لاسيما الديمقراطية منها، في حين أن دورها كان قاصرًا وغير واضح في البلدان العربية، التي عانت ولا تزال الكثير من الصعوبات التي أعاقت أحيانًا تواجدها.
وفي أحيان كثيرة فعاليتها وأداءها. ويعود بعض الصعوبات إلى طبيعة النظام السياسي الحاكم، والذي فرض بدوره العديد من القيود على تأسيس هذه الأحزاب ونشاطها، والبعض الآخر نابع من البيئة الثقافية والمجتمعية القائمة في المنطقة العربية، فضلاً عن القيود الناشئة من داخل الأحزاب نفسها، وضعف أو جمود هياكلها التنظيمية والإدارية.
وبعدها عن حراك الجماهير، وعدم قدرتها عن التعبير عن مطالبها وحاجاتها، الأمر الذي أسهم في عزلتها وهامشيتها وضعفها. ويختلف تقديم التجارب الحزبية العربية باختلاف وجهات النظر في الخطاب السياسي العربي المعاصر، إذ هنالك جدل حول مدى مشروعية امتلاك تلك التجارب صفة الأحزاب السياسية فعلاً.
ويرى فارس أبي صعب أن معظم أدبيات ذلك الخطاب تتحكم فيها مقاربات تعمل على قياس تلك التجارب بمستويين، مستوى أول يقيس تلك التجارب وظروف نشأتها بتجارب الأحزاب السياسية في البلاد الغربية وبأهدافها وظروف نشأتها، ويصل إلى حدّ نفي الأصالة عن التجارب الحزبية العربية، اعتماداً على اختلاف شروط تأسيسها وأهدافها وهيكلتها عن نموذجها الأصلي في التجربة الغربية.
ومستوى ثان ينظر في تلك التجارب ويحكم عليها قياسا على المفاهيم النظرية والفكرية والمعايير السياسية والظروف الاجتماعية المغايرة التي حكمت مرحلة نشأة الأحزاب السياسية العربية في النصف الأول من القرن العشرين.
ويصل إلى درجة نفي مشروعيتها ويقضي باستحالة ديمقراطيتها، اعتماداً على مغايرة طبيعتها «الأيديولوجية» وأهدافها «الاشتراكية» أو «القومية» ونهجها «الثوري» عن الطبيعة «الليبرالية» للأحزاب السائدة في البلدان الرأسمالية الغربية التي ولدت الديمقراطية من رحمها ولا مجال لتولد من رحم غيرها.
ويطالب أبي صعب بالتحرر من موضة القراءة الديمقراطية للتجارب السياسية والحزبية العربية المعاصرة والحديثة، لأن الديمقراطية ليست المعيار الأوحد أو الأساسي للحكم على نجاح أو فشل أو على صوابية أو عدم صوابية أي تجربة حزبية عرفها المجتمع العربي المعاصر.
وبخاصة في منتصف القرن العشرين، بل هناك معايير أخرى يجب أن تؤخذ في الحسبان. وينتج عن هذا التحرر من ثنائيات الخير والشر في قراءة وفهم وتقويم التجارب السياسية والحزبية العربية، كثنائيات ديمقراطية - استبدادية، يمينية - يسارية، اشتراكية - رأسمالية، حداثية - تقليدية، دينية - علمانية..إلخ، ذلك أن العديد من المشكلات والأزمات التي شهدتها تجارب حزبية من اتجاهات مختلفة فكرية وسياسية ينبغي البحث عن أسبابها خلف هذه الثنائيات، سواء في العامل البنيوي الاجتماعي أم في العامل الخارجي المؤثر.
كما أن هناك مشكلات عميقة واجهتها التجارب الحزبية العربية بمختلف نماذجها، مثل الشخصنة والفساد والضدية ونفي الآخر والإيمانية والماضوية والتبعية والموضوية والانتهازية، لم تقف عند حدود الحزب اليميني دون اليساري، والاستبدادي دون الديمقراطي، والديني دون العلماني، بل أصابت مختلف هذه النماذج بفعل عوامل موضوعية محلية أو خارجية.
ويشير شوكت اشتي إلى أن التجربة الحزبية العربية تتسم بثقل الموروث الذي تحمله من القرن الماضي، وعمق سلبياته، وتعقد مسائله، وكذلك بضبابية الرؤى الحزبية في تحديدها مساراتها المستقبلية، وتوضيح خياراتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهي ضبابية ناتجة من أزمة الموروث الحزبي وتخبط الأحزاب وارتباكاتها خلال المرحلة الماضية.
في حين يعتبر محمد المالكي أن الظاهرة الحزبية لم تكن وليدة مطلب اجتماعي رفعته طبقة أو فئة محدودة في سياق السعي لتنظيم الحياة السياسية وهيكلة مجال اشتغالها، بل كانت ضرورة وطنية استلزمها شروط النضال من أجل الاستقلال واسترداد السيادة الوطنية.
ويعتبر بعض الباحثين أن التدخل الاستعماري هو السبب في عجز أو فشل التجارب الحزبية العربية في تحقيق شعاراتها وأهدافها وبرامجها ونهجها عن تتويج أدبيات ومناخات عصر النهضة العربية في مشروع سياسي بهدف بناء مشروع دولة عربية ديمقراطية مؤسسية ودستورية.
إضافة إلى أن المشروع الصهيوني وإقامة دولة إسرائيل في قلب الوطن العربي وسياسة بناء أحلاف ودعم أنظمة حكم ومشيخات تحمي مصالح الغرب الإستراتيجية والنفطية في المنطقة، هي التي بترت السياق التاريخي للحركة السياسية العربية النهضوية باتجاه قضايا الاستقلال والتحرير والوحدة ودفعت إلى عسكرة التجارب الحزبية العربية، وبالتالي عسكرة أنظمة الحكم أو ثوريتها وفق أنظمة مشيخية وملكية غير قابلة للتحول الديمقراطي. وأعتقد أن هذا الطرح وإن كان لا يهمل العوامل الداخلية، إلا أنه يحمل القوى الخارجية المسؤولية كاملة.
وهو أمر مناف للواقع. وعليه فإن التناول البحثي، العلمي والمنهجي عليه تناول ظاهرة الأحزاب السياسية العربية، وفق رؤية تستند إلى جملة الديناميات التي حكمت بمجموعة تطورات ومحطات شهدتها البلدان العربية، والتركيز على طبيعة أنظمة الحكم في البدان العربية وممارساتها تجاه الأحزاب والمجتمع.
وليس التركيز على أحداث، مثل تفكك الدولة العثمانية، أي انهيار آخر خلافة إسلامية، والتقسيم القسري للمنطقة، والمشروع الصهيوني وقيام دولة إسرائيل، والثورة البلشفية، وسواها. وهناك اختلاف وتباين في تفسير أسباب فشل النظم الحزبية في العالم العربي.
ومن ثم كيفية علاجها، لكنهما لا ينفيان ضرورة بل وحتمية تغيير الأطر السياسية والدستورية والتشريعية، باعتبارها الأساس في أي توجه حزبي، وكذلك ضرورة قيام الأحزاب الحاكمة بمراجعة أساليب الممارسة وآليات العمل داخلها، وعلاقتها بالدولة والمجتمع، والفصل بينها وبين مؤسسات الدولة.
والبدء بعملية إصلاح شاملة، لا تفصل بين قضيتي الإصلاح الحزبي والإصلاح السياسي الشامل، الأمر الذي يقتضي الاتجاه نحو البدء في عملية الإصلاح السياسي والديمقراطي، وتعميق مشاركة قوى المجتمع المدنية المختلفة وممثليه ، وإعادة صوغ العلاقة بين الأحزاب والنظام السياسي، بمعنى إعادة الاعتبار للفعل الحزبي وتطوير آليات عمله، التي تسهم في تقوية الانتماء المدني على حساب مختلف الانتماءات ما قبل المدنية.
* الكتاب: الأحزاب السياسية في العالم العربي
* الناشر: المركز اللبناني للدراسات بيروت 2006
* الصفحات: 303 صفحات من القطع الكبير
عمر كوش

