بات الخوف على المستقبل أكيدا في ظل غياب الصف الثاني من المبدعين والمثقفين، وراحت الأصوات ترتفع محذرة من انقطاع سيحصل مستقبلاً، إذا استمرت الحالة الثقافية العربية جامدة راكدة لا حجر يحرك سكون بحيرتها.
«الصف الثاني» مصطلح يستخدم عادة للتعبير عن جيل جديد، ويطبقه الرياضيون في ملاعبهم والمعلمون في مدارسهم، وتبدأ عملية الإعداد المبكرة للصف الثاني قبل سنوات من تقاعد الصف الأول. وعمليات الإعداد هذه تحتاج عادة إلى تدريبات وورش عمل ومحاضرات وغيرها ليكون الصف الثاني جاهزاً لوصل الحلقة مع من سبقه ومن يليه.
إلا أن هذه الآلية ليست المتبعة في الشأن الثقافي، لأن حدوث قطيعة معرفية داخل المجتمع ليس سببها غياب الصف الثاني من المثقفين، بل بسبب تراجع الثقافة كقيمة اجتماعية وأخلاقية والاستعاضة عنها بمعلومات عامة تشبه مسابقة من سيربح المليون.
أبرز قطيعة ثقافية عرفها العالم ليست في عدم التواصل بين العرب وأجدادهم بل في القطيعة التي حدثت في عشرينات القرن الماضي إبان الاتحاد السوفييتي، حين قدمت الايديولوجية البلشفية فريقاً من مثقفيها ليسوقوا أفكاراً عن العدالة الاجتماعية، فراحوا يشتمون الرأسمالية ويبينون مساوئها، وهم في كل حال لم يكونوا صفاً ثانياً في الثقافة الإبداعية الروسية ولا يمكن بحال من الأحوال وصفهم بورثة تشيخوف أو غوركي، ولم يكونوا مثقفين قطعاً، كانوا وباءً.
لقد انقطعت ثقافة الأجيال بفعل عوامل كثيرة أبرزها عملية إحلال الإعلام محل الثقافة، فصار الإعلام مصدراً للمعرفة وليس وسيلة لتعميمها، وأخذت الأجيال اللاحقة تستمد معرفتها من التلفزيون وليس من الكتب، ومع تقدم التقنيات البصرية انتهى عهد التثاقف وركن الناس إلى كسل الأدمغة، فكل معلومة يمكن لمحرك بحث على الكمبيوتر أن يصل إليها في ثوان، بينما كانت تحتاج سابقاً إلى كتب ومراجع واستقصاءات.
إن الدول التي لا تفكر في إعداد صفوف ثانية مستقبلها غامض، وتعيش وهم الاستمرارية الأزلية، وهذا الوهم كرسته سياسات الدول الشمولية التي أدلجت الثقافة وصنعت منها تابوتاً للأفكار الإيجابية.
لذلك قلة هم الذين يفكرون بصيغة الصف الثاني، والذين يعملون عليها، وهم بالطبع لا ينتمون إلى جغرافيتنا الثقافية، لأننا نعيش وهم الاستمرارية، استمرارية الزمن، واستمرارية الصف الأول، وكأن لا أحد سوانا.