مؤلف كاتب «نصرة الثائر على المثل السائر» هو الإمام الأديب القاضي صلاح الدين خليل بن الأمير عز الدين أيبك الصفدي، المولود في صفد سنة 696 هجرية، وحيث نشأ نشأة عربية خالصة نظير غيره من أبناء المماليك، وتمتع برغد العيش في ظل أبيه، فوجدت مواهبه مجالها الفسيح لتتفتح وتعبر عن ذاتها، فبدأ ميله إلى بعض الفنون كالرسم فمهر فيه.

ولكن لم يمكنه من الاشتغال بالعلم، والأدب حتى استوفى عشرين سنة، فرحل بعد ذلك إلى «دمشق» يقرأ على علمائها، وكانوا من أجل الرجال، فأخذ الأدب عن شهاب الدين محمود وأخذ النحو عن أبي حيان النحوي والفقه عن القاضي بدر الدين بن جماعة.

كما أخذ التاريخ والأدب عن علماء آخرين، لتكتمل معارفه الأساسية وليكون بعد ذلك من أنشط أدباء عصره، حيث كتب الكثير في التاريخ واللغة والأدب، ومن قوله:

وكتبت أزيد من ستمئة مجلد تصنيفاً، ولعل الذي كتبته في الإنشاء ضعفا ذلك، كما أنه كثير الشعر غزيره، وهو مبثوت في ثنايا كتبه، وقد أورد ابن كثير: إن الصفدي كتب ما يقارب مئتين من المجلدات، ولعل من أهم كتبه: أعيان العصر وأعوان النصر ـ التذكرة ـ تصحيح التصحيف، الوافي بالوفيات، تحفة ذوي الألباب، طبقات النحاة، كشف السر المبهم.

و لعل نظرة إلى هذه المؤلفات وموضوعاتها، تدلنا بوضوح على مدى ولوع الصفدي بالأدب، شعره ونثره، شرحاً ونقداً، إضافةً إلى إتقانه إلى التراجم وفن كتابتها، وهو القائل: «يشترط أن يكون عارفاً بحال صاحب الترجمة، علماً وديناً وغيرهما من الصفات، وأن يكون حسن العبارة، عارفاً بمدلولات الألفاظ، وأن يكون حسن التصور، حتى يتصور حال ترجمته جميع حال ذلك، ويعبر عنه بعبارة لا تزيد عليه ولا تنقص عنه، وأن يغلبه الهوى».

و في هذا الكلام، دليل واضح على أخلاق هذا الأديب وعمقه، فقد عرف عنه التواضع العلمي، ودليل ذلك حين عاد إلى تحصيل ما فاته من الفقه والأصول بعد أن كبرت سنّه، وأضحى له المقام المرموق في مجتمعه.

أما كتابه «نصرة الثائر على المثل السائر» فهو كتاب نقد لكتاب ابن الأثير «المثل السائر» وما أخذه عليه في هذا الكتاب، فقد أحدث كتاب ابن الأثير في عصره جلبة، كان فيها أشبه بحجر ألقي في بركة راكدة، نجم عنها عدد من المؤلفات، أعادت إلى الذاكرة ما أحدثه من قبل إبداع الطائيين، وما أسفر عنه خلاف الأدباء حول المتنبي وشعره.

ويبدو أن كتاب الصفدي هذا، واحد من أبرز ما ألف حول «المثل السائر»، وذلك بما غلب عليه من الروح الفنية، واعتماد النصوص الأدبية، ولإغرابه، وقد عرف صاحبه بشعره ونثره، يعينه في هذا ذوق نام لم يفسده ما كان يثقل المثقفين من أدباء عصره من علوم يتعين عليهم إتقانها والإحاطة بها، وفيها المنطق والعلوم الشرعية بفروعها المتعددة.

يحتل كتاب «الصفدي» هذا مكانة بين قافلة كتب النقد التي تصلح مرآة لعصرها، فيعطي صورة وافية عن الأدب وأصحابه، وأذواقهم طرائقهم، مثلهم الأدبية، وبالتالي صورة عن الحياة العامة على تعدد جوانبها، إذ من الثابت أن كتاب «المثل السائر» في أوائل القرن السابع هو آخر حلقة من حلقات السلسلة في كتب النقد العربية قبل العصر الحديث، يجف بعده مداد التأليف في هذا الميدان .

كما يبدو إلى أن يأتي الصفدي بكتابه «نصرة الثائر» حوالي منتصف القرن الثامن الهجري، فكان هذا الكتاب بروحه الشفيفة ومنهجه السليم، وما يبدو من ذوق صاحبه، أكمل مصدر نستشف خلاله مناهج النقد ومجمل مسائله وأحواله في تلك العصور المعتمة من تاريخ الأدب العربي.

فمثلاً في عنوان: هل أبدع أبو نواس في أبياته «تدار علينا الراح في عسجدية» قال ابن الأثير: وقد أكثر العلماء في وصف هذه الأبيات وهذا المعنى وقولهم فيه إنه معنى مبتدع، ويمكن أن الجاحظ قال: مازال الشعراء يتناقلون المعاني قديماً وحديثاً إلى هذا المعنى، فإن أبو نواس انفرد بإبداعه.

فيقول الصفدي: تجاوزتم حد الإكثار، وفصاحة هذا الشعر عندي هي الموصوفة لا هذا المعنى، فإنه لا كبير كلفة فيه، لأن أبا نواس رأى كأساً من الذهب ذات تصاوير، فحكاها في شعره، والذي عندي أنه المهم من المعاني المشاهدة، وهذا حكاية حال مشاهدة بالبصرة، وهكذا يعيد دراسة كتاب مثل السائر راداً عليه بالحجة والمنطق ليكون كتاباً نقدياً جديداً.