تعتبر الشاعرة والروائية الأميركية سيلفيا بلاث التي ولدت في بوسطن وتوفيت في بريطانيا، من الأدباء الذين استلهموا مواضيع أعمالهم من حياتهم الشخصية ونجحوا في تحويلها إلى نصوص أدبية إنسانية تميزت بالإبداع والتجديد سواء على الصعيد الفكري أو الفني. وسيلفيا التي ولدت عام 1932 .

وهي ابنة لعائلة ألمانية مهاجرة، كتبت الشعر منذ أن كانت في الثامنة من عمرها حينما توفي والدها الذي كان أستاذا في جامعة بوسطن ومتخصصا في علم الأحياء. وعلى الرغم من التزام والدتها بعملين لإعالة طفليها، سيلفيا وأخيها، إلا أن مذكرات الكاتبة تشير إلى نفورها الشديد من والدتها. كانت في مراحل دراستها تلميذة نموذجية، فإلى جانب تفوقها الدراسي كانت تحصل على العديد من الجوائز ومنح الدراسة. في المرحلة الجامعية فازت بأول جائزة لها عن قصتها «يوم الأحد في مينوتز» التي نشرت عام 1952. ونتيجة لذلك تمت دعوتها مع مجموعة من الطالبات المتفوقات إلى نيويورك، لقضاء شهر في ضيافة مجلة مدموازيل والمشاركة في تحريرها.

وعلى الرغم من أن هذه الفرصة كانت بمثابة حلم يفوق خيال أية طالبة مجدة في دراستها، إلا أن تلك التجربة انعكست بصورة سلبية على الأديبة التي لم تتمكن من الانسجام في نسيج مجتمع نيويورك إلى جانب شعورها بالضياع لعدم قدرتها على تحديد ما تريده لنفسها في المستقبل. وبذا عادت بلاث وكانت في السنة الثالثة من دراستها الجامعية إلى ديارها وهي مضطربة يسكنها هاجس البحث عن هويتها.

ومضة الأمل الوحيدة التي كانت تمني بها نفسها في ذاك الصيف، تتمثل في مشاركتها في دورة هارفارد الصيفية لكتابة أدب الخيال. وحينما وصلتها رسالة الرفض أصابتها حالة اكتئاب وتدهورت حالتها النفسية مما دفع والدتها إلى الاستعانة بطبيب نفسي لعلاجها. إلا أن الطبيب لم ينجح في مهمته ومع ازدياد حالتها سوءا حاولت سيلفيا الانتحار.

ومع فشل محاولتها، تم إدخالها إلى مستشفى للأمراض العقلية، وهناك تلقت علاجا مكثفا شمل جلسات العلاج بالصدمات الكهربائية، وخلال مراحل شفائها كانت سيلفيا تعود إلى الواقع لتواجه العديد من التساؤلات التي لم تكن تجرؤ على مناقشتها.

في الخمسينات كانت خيارات المستقبل أمام المرأة محدودة جدا، فنموذج المرأة الكاتبة التي تعتاش من كتاباتها لم يكن شائعا إن لم يكن مرفوضا من المجتمع، إلى جانب عدم تقبلها للكثير من التناقضات، مثل فكرة الحرية المتاحة للرجل في تعدد علاقاته العاطفية بينما على الفتاة الاحتفاظ بعفتها إلى جانب تأطير وجودها في إعدادها لتكون زوجة ومدبرة منزل ماهرة.

بعد انتشالها من حالة الاكتئاب، تابعت بلاث دراستها الجامعية بتفوق وحازت على منحة فولبرايت الدراسية من جامعة كامبردج في بريطانيا. وهناك وبعد مضي عام التقت بالشاعر البريطاني الشهير تيد هيوز الذي تزوجته في عام 1956. وفي عام 1960 وحينما كانت في الثامنة والعشرين من عمرها نشرت في بريطانيا أول ديوان شعر لها بعنوان «الكولوسوس». ولم يكن كتابها هذا سوى مؤشر لطاقتها الإبداعية الكامنة التي ستتوج في أعمالها اللاحقة.

وبعد انجابها طفلها الثاني ومضي عامين على ارتباطها، هجرها زوجها ليرتبط بامرأة أخرى، ولتجد نفسها بلا معين وطفلين عليها إعالتهما.

كان شتاء عام 1962 - 1963 الأكثر برودة منذ قرون، وعانت سيلفيا في شقتها في لندن مع طفليها شظف العيش والمرض. إلا أن ظروفها القاسية دفعتها باتجاه الكتابة حيث كانت تكتب بصورة يومية ما بين الساعة الرابعة والثامنة صباحا قبل استيقاظ ولديها وتوجهها للعمل.

وفي يناير من عام 1963 نشرت سيلفيا روايتها المستلهمة من سيرتها الذاتية «الغطاء الزجاجي»، تحت الاسم المستعار فيكتوريا لوكاس. وعلى الرغم من استقبال النقاد لروايتها بصورة إيجابية إلا أن سيلفيا لم تشعر بالرضا، وفي الشهر التالي في 11 فبراير 1963 أنهت حياتها منتحرة بفتح غاز الموقد.

وجدير بالذكر أن معظم أعمالها باستثناء ما ذكرنا ومسرحيتها «ثلاث نساء» قد نشرت بعد وفاتها، مثل قصائد «آريل» عام 1965، وقصائد متفرقة في ذات العام و«اجتياز الماء» عام 1971 وغير ذلك الكثير وآخرها مذكرات سيلفيا بلاث عام 1996 وترصد الاثنتي عشرة سنة الأخيرة من حياتها.

وتستمد روايتها «الغطاء الزجاجي» نجاحها، لتناولها عدة محاور رصدت من خلالها واقع مجتمعها في تلك المرحلة الزمنية، فهي تصور مراحل تطور الطب النفسي وسبل العلاج، مع ذكرها لحالات العديد من المرضى إلى جانب تناولها معاناة المريض النفسية الداخلية وتأثير الخلل العقلي الذي يهيمن عليه، وكذلك العلاقات الإنسانية والمتناقضات التي تحكم المجتمع.

والزمن في هذه الرواية يتناول حياة البطلة إيسثر غرين وود على مدى ستة أشهر، ابتداء من قبولها لدعوة مجلة أزياء في نيويورك للمشاركة في التحرير لمدة شهر ومرورا بدخولها مصحة للأمراض العصبية وانتهاء بشفائها وخروجها إلى العالم الواقعي.

وتصور في روايتها الروح المتوثبة لبطلتها وطموحها وفكرها الذي يصطدم بواقع المحيط، كما تبين بأن تجربة الانتحار التي مرت بها البطلة وعلاجها قد حرراها من التفكير بالصورة التقليدية، ونتيجة لذلك وحينما تكتشف بأن حبيبها الذي يدعي عذريته أمامها، بأنه غير مخلص لها وله العديد من العلاقات العاطفية، تقرر أن تفقد عذريتها مع شخص تلتقي به لأول مرة على درج المكتبة الخاصة بهارفارد.

وحينما تتلقى العلاج بالصدمات الكهربائية التي يصفها لها الطبيب نولن الذي تربطها به صداقة، تشعر بتحسن حالتها تدريجيا حيث تشبه حالة الاكتئاب بالغطاء الزجاجي الذي يستخدم لحفظ الطعام ومنع الحشرات من الوصول إليه.

وتصف الكاتبة مرحلة العلاج هذه بالتفصيل إلى جانب وسائل العلاج الأخرى مثل الأنسولين لمساعدتها على زيادة وزنها وغير ذلك، إلى جانب عرض حالات أخرى من المرضى.وتكمن مهارة سيلفيا في سيطرتها على محاور العمل بتوازن وانسيابية بين أمراض المجتمع الخارجي من خلال أصدقاء البطلة وعائلتها وبين عالم المرضى الداخلي، والحلقة التي تربط بين العالمين.

وتنهي بلاث روايتها بصورة متفائلة حينما تتعافى بطلتها وتغادر المصحة لتواجه العالم الخارجي بذات الروح المتوثبة، لكنها تحمل بطلتها تساؤلاتها الشخصية في الجملة الأخيرة من العمل حينما تخاطب البطلة نفسها بقولها:

كيف لي أن أعرف بأنه في يوم ما، سواء في الجامعة أو في أوروبا أو في أي مكان كان، لن يعود الغطاء الزجاجي ليطبق على حياتي مجددا؟