مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور عبدالسلام بغدادي أستاذ العلوم السياسية ورئيس قسم الدراسات الإفريقية في جامعة بغداد، وله مؤلفات عديدة منها «التحرك الصهيوني المعاصر في إفريقيا»، و«السياسة الخارجية العراقية تجاه إفريقيا»، و«الأمن القومي العربي ودول الجوار الإفريقي».
وحسبما يشير المؤلف فإن موضوع الكتاب مركب وثنائي فهو لا يبحث في الجاليات العربية وحدها وإنما يتناول موضوع الجاليات والأقليات العربية في إفريقيا جنوب الصحراء وحصرا في الدول الإفريقية غير الأعضاء في جامعة الدول العربية.
وعلى الرغم من أن الوجود الإغترابي العربي قد حقق حضورا اقتصاديا وتميزا ثقافيا وساهم في تكوين تاريخ إفريقيا وحاضرها الراهن إلا أن هذا الحضور عانى في الماضي ويعاني اليوم في إفريقيا مشكلات وأخطارا وتحديات جمة بعضها يرتبط بالبيئة المحلية الإفريقية فيما يرتبط بعضها الآخر بالبيئة الدولية.
وعلى ذلك يقدم الكتاب معلومات موثقة عن هذه الجماعات تقدم للمرة الأولى في كتاب جامع يبحث في مشكلات الإندماج في المجتمع المحلي الجديد كما يحلل علاقات هذه الجماعات بالوطن الأم.
يقسم المؤلف الجماعات العربية حسب الدول التي يتناولها الى أربع جماعات أولها تلك التي تقيم في شرق إفريقيا، ثم في دول غرب إفريقيا، ثم في دول وسط القارة، وأخيرا في دول الجنوب الإفريقي.
وهو يحاول بالنسبة لكل منطقة رصد الوجود العربي منذ ما قبل الإسلام بالنسبة لبعض المناطق وفيما بعد الإسلام، مرورا بطبيعة وجودهم في ظل المرحلة الإستعمارية، ثم في المرحلة المعاصرة.
أما بالنسبة لعناصر التركيز في تناول الجماعات العربية فهو يرصد عددهم ومنشأهم ووضعهم القانوني ومدى اندماجهم في المجتمع والمهن التي يمارسونها، كما يستعرض المعتقد الديني والمذهبي، وكذا النشاط السياسي.
وعلى هذا المنهج يسير المؤلف على مدى صفحات كتابه فيقدم لنا لمحات بالنسبة للجماعات العربية في شرق إفريقيا في زنجبار وتنجانيقا، وكينيا وأوغندا، ورواندا وبوروندي وأثيوبيا.
وفي غرب افريقيا يستعرض وضعهم في السنغال، وساحل العاج، ونيجيريا، وليبيريا، وسيراليون، وغينيا وكوناكري. وفي وسط إفريقيا يتطرق الى وضعهم في تشاد، وافريقيا الوسطى والغابون، والكونغو.
وفي تحديده لمفهوم الجماعات التي يطبق عليها تناوله يشير الدكتور عبد السلام بغدادي الى أنها تعني جميع العرب الموجودين في إفريقيا جنوب الصحراء سواء كانوا أفرادا أم عائلات مدنيين ام قبائل مواطنين أم غير مواطنين، ويضاف إليهم المهاجرون الجدد من العرب الذين وفدوا على البلاد الإفريقية من سوريا ولبنان والمغرب وغيرها.
ومن خلال استعراضه لمناشئ الوجود العربي يشير المؤلف الى المنشأ العماني اليمني الذي يشكل الوعاء الأكبر لعرب شرقي إفريقيا، والمنشأ اللبناني السوري ثم الموريتاني المغربي الذي يشكل العصب الأساسي لعرب غربي افريقيا.
ويوضح الكاتب اكتشافه أن بعض العرب كانوا قد هاجروا قبل الإسلام بقرون عديدة والبعض الآخر بعد الإسلام وأن بعضهم هاجر لدوافع تتعلق بالتجارة والبعض الآخر من أبناء القبائل نزح بحثا عن المراعي. أما العرب المسلمون فإنهم انتشروا منذ الهجرة الأولى الى الحبشة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم سعيا وراء نشر الإسلام أو حماية لأنفسهم من الأذى.
وبالنسبة إلى الهجرات الحديثة فإنها ابتدأت منذ أواخر القرن التاسع عشر بحثا عن العمل وسعيا وراء الرزق بعد أن ضاقت بالعرب فرصة العيش في أماكن معينة مثل سوريا ولبنان والمغرب في ظل الاضطهاد الذي مارسه المحتلون الأجانب وهؤلاء ولا سيما المشارقة سلكوا الطرق البحرية وصولا الى غايتهم.
وقد اهتمت الدراسة كثيرا بالهجرات الأخيرة لأن روادها وأعقابهم شكلوا العمود الفقري للجاليات العربية الحديث في إفريقيا عموما وفي غربي القارة تحديدا اذا كان لهؤلاء دور كبير ليس على صعيد بلدانهم العربية فحسب من خلال التحويلات المالية والعمليات الاستثمارية، وإنما على صعيد البلدان الإفريقية التي استقروا فيها، اذ كان لهم شرف الإسهام في بناء المدن الإفريقية الحديثة مثل داكار وسان لويس وأبيدجان وغيرها.
أما عن المشكلات التي يتعرض لها أبناء الجماعات العربية في إفريقيا فيشير المؤلف الى أنها عديدة تختلف من جالية الى أخرى ومن دولة إفريقية الى غيرها، غير أنه يحاول عموما حصر المشكلات في ثلاث:
الأولى ذاتية تخص البيئة الذاتية الخاصة بكل جماعة أو جالية عربية مثل ظهور أمراض اجتماعية تتعلق بالسلوك الشائن أو المنحرف من قبل بعض أبناء الجالية كالتهريب والاحتيال مما ينعكس سلبا على بقية أبناء الجالية.
ويتعلق المستوى الثاني بالبيئة المحلية الافريقية التي تفرز في بعض الأحيان متغيرات تدفع نحو مغادرة أبناء الجالية نحو الخارج مثلما يحصل أثناء اندلاع الحروب الأهلية والانقلابات العسكرية وغيرها.
كما أن بعض النظم السياسية الإفريقية يتخذ بين الحين والآخر سياسات تضر بأبناء الجالية مثل سياسات الأفرقة التي تهدف الى إحلال الأفارقة في الأعمال التجارية محال المغتربين العرب وغير ذلك من السياسات.
أما المستوى الثالث فيتعلق بالبيئة الدولية وانعكاسات بعض متغيراتها على الوجود العربي في القارة، فضلا عن ازدياد نشاط الشركات الصهيونية والأوروبية والأميركية في القارة السمراء مما يشكل تحديا كبيرا أمام الشركات العربية أو المستثمرين العرب، ولاسيما أن نشاط بعض تلك الشركات الصهيونية أميركية ينطوي أيضا على أبعاد سياسية مناوئة للوجود العربي والإسلامي في القارة السمراء.
غير أن الدكتور عبد السلام يشير الى أنه مما يؤخذ على المغتربين عموما اجتماعيا وسياسيا هو كثرة انقساماتهم وضعف تنظيمهم واستغراقهم في أعمالهم الاقتصادية وحرص أكثريتهم على الابتعاد عن كل نشاط يمكن أن يوصف بأنه سياسي.
ويستكمل الإشارة إلى أبعاد القصور التي تقوض من فاعلية الوجود العربي جنوب الصحراء بانتقاد تقصير النظم السياسية العربية التي لها جاليات في البلدان الافريقية وكذلك الحال بالنسبة الى جامعة الدول العربية ومؤسساتها الفرعية التي يمكن أن تؤثرا كثيرا في وجود الجاليات العربية أو مصالحها أو مستقبلها في هذا المجال.
ومن ذلك مثلا ضعف التمثيل الدبلوماسي العربي في افريقيا اذ يلاحظ على الأقطار العربية أنها لا تعطي اهتماما كافيا لإقامة علاقات دبلوماسية مع الدول الإفريقية فباستثناء مصر والجزائر وليبيا التي كان لها خلال عام 2000 : 42، 33، 32 سفارة على التوالي فإن أقطارا عربية أخرى لها تمثيل محدود في عموم القارة.
ويرتبط بالقصور الدبلوماسي العربي قصور إعلامي بين سواء على صعيد الدفاع عن الجاليات العربية في افريقيا وما تتعرض له من حملات اعلامية أو الدفاع عن العلاقات العربية الافريقية التي تتعرض للتشويه المستمر من قبل وسائل الإعلام الأوروبي الأميركي والصهيوني.
ويتجسد القصور الإعلامي أيضا في ندرة التحقيقات الصحافية التي تجريها الصحف العربية عن أوضاع الجاليات العربية باستثناء ما قامت به صحيفتا النهار والسفير اللبنانيتان.
أما على الصعيد الرسمي فإن أي محاولة اعلامية جادة لتغطية أحوال هذه الجاليات لم تحصل. على الصعيد المقابل يواجه العرب في دول جنوب الصحراء حملات إعلامية شرسة تركز على قصص الإرهاب وتغلغل الشبكات الإرهابية في افريقيا، وقد وصلت هذه الدعايات حد اتهام شركات لبنانية عام 1988 بمحاولة تدبير انقلاب ضد نظام الحكم في سيراليون.
وقد تأكدت براءة هذه الشركات ولكن بعد فوات الأوان.. بعد سنة ونصف من الإتهام. كما أنه لدى اندلاع الحركة المسلحة في ليبيريا هاجم المعارضون بعض المدن والقري التي يوجد فيها اللبنانيون فكان أن نهبت محلاتهم واستبيحت أرزاقهم بسبب الدعايات المغرضة بحقهم.
ومن استعراض أوضاع الجاليات العربية والمشكلات التي تتعرض لها ينتهي المؤلف الى مجموعة مقترحات يرى ضرورة العمل بها لخدمة الوجود العربي في إفريقيا ومن بينها تعزيز فرص التمثيل الدبلوماسي العربي في البلدان الافريقية حتى ولو من خلال وسيلة تحديد سفير عربي يكون ممثلا لأكثر من بلد عربي لدى أي عاصمة ليس فيها سوى هذا السفير، وأن يتمتع السفراء العرب في افريقيا بصلاحيات كافية لاتخاذ قرارات مباشرة في أي قضية .
وأن تكون تحت أيديهم اعتمادات مالية وافرة لتمويل أي مشاريع تدخل في اختصاصهم وأن يمنحوا الثقة الكاملة والتمويل الكافي لممارسة نشاطاتهم المختلفة ولا سيما ما يتعلق منها بالسهر على أحوال الجالية العربية في البلد الإفريقي الذي يمارسون فيه عملهم.
ومن بين سبل تدعيم ربط عرب دول جنوب الصحراء الافريقي بدولهم يقترح المؤلف أن يكون للمغتربين العرب في افريقيا ممن ما زالوا يحتفظون بجنسياتهم العربية حق التمثيل في المجالس الوطنية العربية وفق نسب معينة تتلاءم وحجم الجاليات التي يمثلونها، كما يدعو المؤلف الى إنشاء وتطوير جمعيات الصداقة العربية الافريقية على مستوى جماعي وثنائي بين أي قطر عربي ونظيره الافريقي.
فضلا عما سبق يشير الدكتور عبد السلام الى أهمية الإكثار من بيوت الاغتراب بمعنى إنشاء بيت اغترابي في كل عاصمة عربية لها مغتربون في افريقيا ويكون هذا البيت أشبه بالمنتدى او السفارة الشعبية او النادي الذي يحتضن نشاطات وفعاليات المغتربين أثناء وجودهم أو زياراتهم الى بلدانهم العربية مما يعمق صلاتهم بعضهم مع بعض من جانب ويوثق علاقتهم مع وطنهم الأم من جانب آخر.
مصطفى عبد الرازق
* الكتاب: الجماعات العربية في إفريقيا
*الناشر:مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 2005
*الصفحات: 808 صفحات من القطع الكبير
