منذ فجر كرة القدم حدثت قطيعة بينها وبين المثقف، وتحولت من رياضة أخلاقية إلى نظرة فيها الكثير من الحقد.
قد يبدو هذا الرأي متطرفا قليلاً من حيث التعميم، ولكن من حيث الواقع فإن نظرة على طبيعة اهتمامات المثقف لا تأتي الكرة في أولوياتها، ليس على مستوى الممارسة أو على مستوى التشجيع، وكثيراً ما يجد المثقف في كرة القدم منافسا للمعرفة والاطلاع وكثيراً ما يوصف الرياضيون بغير المطلعين أو المنصرفين عن الثقافة.
وقد استمرت هذه العلاقة الشائكة بين الثقافة والكرة عهوداً طويلة، رغم ذلك الربط الحكومي بين الشباب وعنصري الرياضة والثقافة، ولطالما حملت الأندية الرياضية تعريفاً ، يقول النادي الفلاني الرياضي الثقافي، ولكن تطغى الرياضة وتتأخر الثقافة، ولا تبقى منها سوى الأوراق الرسمية.
يميل الشباب عادة إلى الرياضة باعتبارها مجالاً رحباً لتفريغ الطاقة، وتنال كرة القدم النصيب الأكبر من الاهتمام والممارسة، فهي الأقل كلفة ولا تحتاج سوى كرة تركل بالأقدام باتجاه عارضتين خشبيتين، وهذا يعني أنها رياضة أكثر من شعبية ولم تُقبل الطبقات الارستقراطية على ممارستها إلا في فترة متأخرة، قياساً بتاريخ اللعبة، حتى أن انجلترا لم تكن تشارك في بطولات كأس العالم لاعتقادها أنها تقدم كرة أكثر رقياً من بلد متخلف كالبرازيل مثلاً.
ولكن عندما ينظر المثقف إلى الرياضي نظرة لا تخلو من حسد، فإن لديه من الأسباب ما يدعم نظرته المبالغ فيها، ذلك أن الرياضي ينال من الشهرة والمجد والمال ما لم ينله أعظم مثقف عبر العصور، ويجري الاعتقاد أن الثقافة تأخرت في دول العالم الثالث، ولكن الرياضة تقدمت، وتعزز موقعها، فهي تنال الرعاية الرسمية عكس الثقافة التي تضطهد وتتأخر وكثيراً ما يذهب المثقف المتنور إلى السجن، بينما يذهب الرياضي إلى قصر منيف.
حمى كأس العالم كل أربع سنوات تعيد سؤالاً قديماً عن جدواه، ولذلك تصدر دول النشر الكبرى في العالم كتباً لها علاقة بهذه اللعبة، ليس من حيث تكتيكها الفني، ولكن من حيث أهميتها الاجتماعية وأبعادها السياسية والاقتصادية، فهي موسم سياحي للدولة المضيفة، ومناسبة دبلوماسية لتصافح الأعداء، ومنافسة وطنية لإثبات الهوية.
ولعل كتاب «كرة القدم والعولمة» للفرنسي باسكال بونيفاس هو الأبرز في هذا الميدان، فقد اهتم هذا الكاتب بقضايا الكرة ولم ينفك منذ سنوات عن إصدار الكتب تلو الأخرى حول اللعبة، كما أن كتاب «حياتي» للاعب الفرنسي زيدان حقق أعلى المبيعات بعد مونديال فرنسا ،واليوم يطرح البرازيلي بيليه كتاباً عن حياته ورحلته من ماسح أحذية في شوارع ريو دوجانيرو إلى وزير للرياضة إثر فوزه بكأس العالم ثلاث مرات.
ألا تشكل كتب مشاهير الرياضة طقساً ثقافياً أسوة بكتب مشاهير الفن والسياسة، أجزم أنها كذلك، ولكن يبقى السؤال عن محتواها وقيمتها الفكرية لو نزعنا عنها قشرتها البطولية.
إنها الأكثر مبيعاً في المكتبات، لأن كرة القدم الأكثر شعبية في الملاعب.