مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب الفرنسي آلان بولدوي، الحائز على شهادات عليا في الفنون التطبيقية والرحالة الكبير. كما أنه رسام وفنان من الطراز الأول. وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف عن باريس وما تركته من أثر عميق في نفوس الشعراء والكتاب الذين تعرفوا عليها يوماً ما أو عاشوا فيها.

فالفنان الأسباني الكبير خوان ميرو الذي وصل إلى باريس عام 1919 وعاشر السورياليين بل وانتسب إلى حركتهم، يقول عنها ما يلي: لقد هزتني باريس هزاً ـ قلبتني رأساً على عقب. وشعرت بأني مشدود إليها بكل أعصابي ودمي. إني لا أستطيع مفارقتها بعد أن تعرفت عليها، إتركوني أنني أستمتع ببهجة الحياة هنا. اتركوني أعيش بصمت وهدوء في هذا العالم الجديد. وقد تركوه يعيش حياته كما شاء ويشتهي، وهكذا اختلط بالدرجات الفنية الجديدة وصادق بيكاسو الذي كان اسبانياً مثله ورسم أجمل اللوحات الفنية. وكانت باريس ملهمته الكبرى لأن عبقريته تفتحت فيها كما حصل لكبار الفنانين والأدباء الآخرين:

من أمثال بيكاسو نفسه، أو سلفادور دالي، وأرنست همنغواي، أو جيمس جويس، أو صموئيل بيكيت، أو يوجين يونيسكو صاحب مسرح العبث واللامعقول، أو عشرات آخرين. كلهم أنتجوا إبداعاتهم الكبرى، أو بعضها، في عاصمة النور.

وأما الروائي الإنجليزي غراهام غرين فيكتب عام 1938 ما يلي: كل شيء في هذه المدينة له سمعة يصيب وصفها أو يحكيها فيها سرّ أو لغز ما يدفعك دفعاً لأن تصر فيما تقول: هذه هي باريس! إنها المدينة الفريدة من نوعها في كل أنحاء العالم. بماذا تتفرد باريس عن كل مدن الأرض؟ لا أعرف. إنها تضج بطابعها السحري كل ما فيها وكل من فيها..

وأما الشاعر فرانسيس كاركو فيكتب عنها قائلاً: آلاف الروابط السرية تشدنا إلى باريس: اسم شارع ما، أو محطة مترو، أو محطة باص، أو عند أي صديق، أو رقم تليفون امرأة تعرفّنا عليها مرة واحدة أو أصبحت صديقتنا العمر كله.

تشدنا إليه شكاوى القوارب في نهر السين، أي صراخها الصباحي أو الليلي تشدنا إليها الأوراق الصفراء المتساقطة في الخريف، وكذلك براعم الليلك الأبيض في الربيع، وكذلك السهرات الجميلة لشهر أبريل، وكذلك أشجار الكستناء الباسقة.. التي تحمل أزهارها على الغصون كالمصابيح. ثم يردف المؤلف قائلاً:

والواقع أن شوارع باريس العريضة مليئة بالأشجار على كلا الجانبين. هناك خطان هندسيان متوازيان يحيطان بكل شارع ويظللانك بظلها ويشعرك بالطمأنينة والطراوة صيفاً. وبالنشوة الأخاذة ربيعاً، وبالحزن الخفيف الناعم خريفاً. إنها باريس معجزة العالم وساحرة القلوب.

حتى الشاعر الألماني ريلكة الذي كرهها في البداية، أو قل خاف منها، أحبها لاحقاً. وذلك لأن باريس تفتح أحضانها في نهاية المطاف لكل من يأتي إليها. ثم تترك في قلبه لوعة لا تفارقه عندما يفارقها.

هذا هو مضمون ما يقول الشاعر فرانسيس كاركو في كتاب: الحنين إلى باريس، وقد كتبه بعد أن فارقها وعاد إلى مسقط رأسه في اسبانيا.

وأما الشاعر فيكتور هيغو، متنبي فرنسا، فيكتب عام 1867 قائلاً: آه! باريس هي المدينة الأم! باريس هي المكان الأهم! باريس حيث الزوبعة الطايرة تدور حول مركز لايدور!..

دائماً تصرخ باريس وتغضب أو تؤنب. ولا أحد يعرف الإجابة على هذا السؤال العميق: ما الذي ستخسره ضجة العالم عندما تخرس باريس!

أما هنري ميلر فيكتب في رائعته «مدار السرطان» قائلاً: إنها المدينة الخالدة، باريس! أكثر خلوداً من روما، وأكثر روعة وبهاء من نينوى! إنها سرة الكون، وجبين العالم. كلنا يزحف نحوك على الأيدي، والأرجل يا باريس! كلنا يزحف حولك كالأبله الأعمى الذي يتلعثم بالكلام!

أما المطرب الشهير جاك بريل صاحب أعظم أغنية في القرن العشرين «لا تتركني» أو «لا تفارقيني» فقد أتى إلى باريس يافعاً من بروكسل بحثاً عن الشهرة، والمجد ولم يحالفه الحظ في البداية ولم يهتم به أحد. وعاش سنوات الفقر والحرمان والضياع في شوارع باريس.

وأكثر من مرة فكر في أن يكسر قيثارته ويرجع إلى بلاده بعد أن فشل في مجال الفن والطرب. وفجأة يبتسم له الحظ ويعرف الناس من هو ويصدح بأجمل الأغاني على مدار عشرين سنة تقريباً، وهكذا فتحت له باريس ذراعيها بعد أن رفضته أو نطرته طويلاً على الباب. ووصل عندئذ إلى قمة الشهرة إلى القمة التي لا قمة بعدها. وكتب لباريس هذه الأغنية التي تقول:

الشمس التي تشرق

وهي تدغدغ السطوح

إنها باريس الصباح

والسين الذي يتنزه

ويقودني بالإصبع

أنها باريس الأبدية

وقلبي الذي يتوقف

إنها باريس التي تبتدئ

مع القبلة الأولى

في حدائق التويلري

إنها باريس الحظ

والقبلة الأولى

المسروقة تحت الأبواب

انها باريس الرواية

على قلبك الذي يبتسم

انها باريس التي تقول: صباح الخير

ويدك في يدي

باريس تستيقظ

وأنت تقولين لي نعم

انها باريس الحب

والموعد الأول

في جزيرة سان لويس

باريس لنا وحدنا

نظرة تتلقى

كل حنان العالم.

وباريس عيناك

والقسم الذي أبكيه

أكثر مما أقوله

انها باريس لو شئتِ

باريس التي تبقى غداً

كاليوم، باريس الرائعة.

ثم يردف المؤلف قائلاً: ربما كان سحر باريس يعود إلى عدة أشياء لا إلى شيء واحد. صحيح أن نهر السين يشقها إلى نصفين أو ضفتين: الضفة اليمنى. ولكن في لندن أيضاً يوجد نهر طويل عريض هو التايمز. ومع ذلك فإن لندن لا تسحر الزوار مثل باريس. لماذا؟ لأن باريس تفتح قلبها من خلال مطاعمها ومقاهيها وأضوائها. بين كل مقهى ومقهى في باريس يوجد مقهى!..

ومقاهي باريس من أجمل مقاهي العالم إن لم تكن أجملها. فالناس يجلسون في الداخل أو الخارج: على الرصيف (وبخاصة بعد زوال الشتاء). وللمقاهي نكهتها الخاصة ويطيب فيها اللقاء مع صديق أو صديقة من أجل تناول أطراف الحديث، وهناك حركات أدبية أو فنية عديدة ولدت على أرصفة المقاهي.

انظر الحركة السوريالية مثلاً. وكل مجموعة لها مقاهيها الخاصة بها. وميزة باريس أن فيها عدة مراكز لا مركزاً واحداً. صحيح أن الحي اللاتيني حيث توجد السوربون يبدو وكأنه مركزها.

نقول ذلك وبخاصة أن جان بول سارتر وسيمون دوبوفوار وأصدقاءهما كانوا قد جعلوه مركزاً للقائهم. ومعلوم أن سارتر كان يكتب ساعات وساعات في مقهى «الدوماغو» الشهير في حي السان جيرمان دي بري. ومن هناك انطلقت الحركة أو الفلسفة الوجودية.

وكان يستقبل في المقهى المعجبين والكتاب والأدباء الناشئين أو المشهورين. ولكن الرسامين كانوا يلتقون في مركز آخر من مراكز باريس هو: حي المونمارتر ومعلوم أن بيكاسوا عاش هناك لفترة طويلة قبل أن ينتقل أي جنوب فرنسا بالقرب من البحر الأبيض المتوسط.

أما أندريه بريتون فكان يجمع السرياليين حوله في مقاهي ساحة «كليشي» قبل أن ينتقل إلى المونبارناس. وأما أغنياء العرب فيفضلون الشانزيليزيه، حيث توجد أغلى المطاعم والمقاهي والملاهي في العاصمة الفرنسية وهناك أيضاً حي الأوبرا، والمادلين، وساحة الكونكورد، ومراكز أخرى عديدة. وبالتالي فباريس لا تمل.

كيف يمكن أن تمل في مدينة تحتضن العالم كله داخلها؟ وإذا ما مللت من هذا المركز فبإمكانك أن تنتقل إلى المركز الآخر وأحياناً سيراً على الأقدام لأن المشي في باريس متعة ما بعدها متعة. يكفي أن تنتقل في الحي اللاتيني إلى منطقة الأوبرا لكي تنسى مللك أو ضجرك. ويكفي أن تنتقل من الأوبرا إلى الشانزيلزيه، ومن هذا الأخير إلى المونبارناس وهكذا دواليك.

* الكتاب: باريس الشعراء

* الناشر: فلاماريون ـ باريس 2006

* الصفحات: 123 من القطع الكبير

PARIS DES POETES

ALAIN BOULOOUYRE

FLAMMARION - PARIS 2006

P. 123