جان غي ألارد هو صحافي كندي يعيش في كوبا ويتعاون مع مجلة «غراما انترناشيونال» الأسبوعية سبق له أن قدم مؤلفاً تحت عنوان «لماذا شراسة صحافيين بلا حدود حيال كوبا».

ينقل مؤلف هذا الكتاب في تصديره لكتابه عدداً من أقوال صحافيين ومسؤولين أميركيين. هكذا نقرأ ما كتبه «جوان تامايو» كاتب الافتتاحيات في صحيفة «ميامي هيرالد» في شهر يوليو من عام 1998 وجاء فيه:

«في اللحظة التي أظهرت فيها التقارير ان القادة الكوبيين في المنفى قد مولوا، احتمالا، تفجيرات القنابل في هافانا، اتفقت آراء المدعين العامين والمتآمرين والشرطة على القول في جنوب فلوريدا إن المؤامرات ضد كاسترو ليست جارية فحسب وانما مسموح بها تقريبا».

أما ناشر هذا الكتاب فقد اختار، من أجل تقديمه للقراء، مجلة لـ «واين سميت» المسؤول الأميركي السابق لقسم رعاية مصالح الولايات المتحدة في كوبا، جاء فيها (تتمثل إحدى أعمدة سياسة جورج دبليو بوش )حيال كوبا في التأكيد على أن بلاد فيدل كاسترو هي بلد إرهابي يضمر نوايا سيئة ضدنا (الولايات المتحدة).

لكن لماذا لا تقام مع كوبا علاقات شبيهة بتلك التي نقيمها مع الصين أو فيتنام أو دول أخرى، ان السيد بوش لا يريد الحوار مع كوبا، مع أنها بلاد ناضلت دائماً بالتأكيد ضد الإرهاب، ان مثل هذا الحوار قد يزعج المنفيين في فلوريدا الذين يدعمون خطاً متشدداً ضد النظام الكوبي.

وبالتالي قد يؤدي «أي الحوار»، إلى خسارة أصوات بعض الناخبين من أخ الرئيس أثناء انتخابات تجديد منصب حاكم الولاية، والتأكيد على أن كوبا دولة ارهابية ينسف مصداقيتنا، حيث نحن بحاجة لها أكثر فأكثر، فيما يخص مكافحة الارهابيين الحقيقيين.

وتتمثل إحدى الأفكار الرئيسية في هذا الكتاب بالقول ان الولايات المتحدة الأميركية تحاول محاصرة كوبا منذ أكثر من خمس وأربعين سنة، وقد بدأ هذا الحصار بضرب حظر اقتصادي على الجزيرة ثم القيام بالعملية الفاشلة في خليج الخنازير عام 1961 التي كانت ترمي إلى الإطاحة بنظام فيدل كاسترو، ثم القيام بسلسلة من الاعتداءات انطلاقاً من ميامي بنوع من «غض النظر» هذا إذا لم يكن ب«مباركة» السلطات الأميركية.

يكتب المؤلف ما نصّه: «اعتداءات بالقنابل في المخازن الكبرى وعمليات قصف جوي على مراكز إنتاج العسكر، وخلق عصابات مسلحة وتسميم المحاصيل والحيوانات، وبث جراثيم مؤذية للبشر وعمليات إرهابية ضد صناعة السياحة، هذه الأمور كلها وقعت وخلّفت وراءها المئات من القتلى والجرحى».

أما بداية الأعمال فيحددها المؤلف منذ لحظة انتصار كاسترو وأنصاره على قوات الدكتاتور فلجنسيد باتيستا في شهر يناير من عام 1959. وقد جرى فيها اللجوء إلى جميع الوسائل مع الدعم الواضح من قبل السلطة الأميركية لمعارضي نظام كاسترو المتواجدين خاصة في جنوب فلوريدا وأكثرهم دربتهم الأجهزة السرية الأميركية التي أرادت أن تقدم للعالم صورة «معارضة مسلحة» .

بينما يؤكد مؤلف هذا الكتاب أن الأمر يتعلق بالأحرى بمرتزقة يراد جعلهم بمثابة «مقاتلين من أجل الحرية». كما يريد أن يبين الصلات الوثيقة التي أقامها مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي مع أولئك «المرتزقة» للعمل ضد كوبا رغم أنها «دولة ذات سيادة» لكنها ترفض القبول بالهيمنة الأميركية.

ومسألة أخرى يؤكدها مؤلف هذا الكتاب وهي أن هذه الطريقة ليست جديدة وإنما كانت أجهزة الاستخبارات الأميركية قد لجأت إليها في فيتنام ونيكاراغوا والسلفادور وتشيلي ولا تزال تمارسها في فنزويلا أيضاً، حيث يركز على وجود روابط بين قتلة القاضي الفنزويلي «دانيلو اندرسون» والأوساط المافيوزية للمتطرفين الكوبيين في ميامي.

ويذكر المؤلف في هذا السياق اسم «لويس بوزيدا كاريل» وشبكته، والذي تتسامح حكومة الولايات المتحدة حياله، بل تسهل العمليات التي يخطط لها انطلاقاً من ميامي.

كذلك يذكر المؤلف اسما آخر هو فيلكس رودريغيز مينديغيتا أحد أقدم الأصدقاء الكوبيين للرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب، حيث تعود صداقتهما إلى الفترة التي كان فيها هذا الأخير رئيساً لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وكان يقوم بتجنيد عملاء للوكالة من الكوبيين.

ويؤكد المؤلف أن هذا المدعو مينديغيتا كان قد قام بعمليات تعذيب وهرب المخدرات من هيرويين وغيره إلى فيتنام، كما أنه قد شارك بتجارة الكوكايين مقابل الأسلحة في قاعدة ايلوبانغو بالسلفادور .

حيث انطلقت فضيحة مبيعات أسلحة مهربة لإيران والمعروفة باسم فضيحة «إيران ـ كونترا» وكانت هذه الشخصية نفسها هي التي أصدرت يوم 8 نوفمبر 1967 الأمر بتنفيذ جريمة قتل ارنستو تشي غيفارا في بوليفيا.

ويقول المؤلف إن الحكومة الكوبية وفي إطار الدفاع عن نفسها ضد العدوان المستمر للولايات المتحدة قامت بالتغلغل في صفوف الشبكات المناوئة لكوبا في فلوريدا وفي شهر سبتمبر من عام 1998 اعتقل مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي خمسة أشخاص كوبيين واتهمهم بالتجسس ضد الولايات المتحدة ولمصلحة نظام كاسترو.

هنا يفتح المؤلف قوسين ليؤكد أن هؤلاء الأشخاص الخمسة قد تعرضوا لأعمال ضغط تتنافى مع جميع قواعد معاملة السجناء حسبما تنص الاتفاقيات الدولية في هذا الإطار، ثم ان الصحافة الأميركية لم تتحدث أبداً عن الخروقات التي رافقت محاكمة الأشخاص الخمسة وعن كل أشكال الظلم التي أحاطت بها.

يكتب المؤلف: قام مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي بحبس الأشخاص الخمسة في زنزانات منفردة طيلة سبعة عشر شهراً منذ توقيفهم ولا تزال تحتفظ بهم فيها ـ حتى صدور هذا الكتاب في شهر فبراير 2006 ـ حيث يتواجدون في ظروف قاسية جداً بخمسة سجون مختلفة متفرقة في أنحاء أميركا الشاسعة مع منع الاتصال بهم، أو السماح باتصالات محدودة جداً، حسب الحالات، مع عائلاتهم.

«وبتاريخ 9 أغسطس 2005 نقضت محكمة استئناف أطلانطا حكم محكمة ميامي بسجن الكوبيين الخمسة، مؤكدة أن الدفاع لم يستفد من محاكمة عادلة ومن لجنة محلفين غير متحيزة. فقامت المحكمة بتعد واضح يرمي إلى إطالة مدة تنفيذ الإجراءات القانونية وبالتالي تأخير احتمال إطلاق سراح هؤلاء المساجين بطلب إعادة النظر في قرار الاستئناف».

ويقدم مؤلف هذا الكتاب قراءة سريعة لخمس وعشرين حالة ـ عبر خمسة وعشرين فصلاً قصيراً يتألف كل منها من عدة صفحات لا تتجاوز العشرة ـ تبين كلها الكيفية التي تصرف فيها رجال مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي في دعم مناوئي كاسترو أو في التضييق على من اعتبرهم من مؤيديه ويشكلون خطراً على أمن الولايات المتحدة الأميركية.

هكذا يتحدث في فصل يحمل عنوان «الرجل الذي أمر بقتل تشي غيفارا»، ويقصد «فيلكس رودريغيز مينديغيتا»، «العميل السابق لشرطة باتيستا» كما يصفه. ويؤكد ان وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية قد كلفته بأول مهمة عام 1960..

وتمثلت في العودة إلى كوبا ونسف جسر «باكوياغوا» ذي الهندسة المعمارية الرائعة والذي يصل بين محافظتي هافانا وماتانزاس. وقد عاد برفقة فريق وطنين من الأعتدة والمتفجرات على متن قارب سريع.. ولكن تم اكتشاف العملية كلها بفضل «عميل كوبي» كان قد نجح في التسلل إلى فريق المكلفين بالقيام بالعملية.

وتزامن ذلك مع القيام بعملية «خليج الخنازير» الفاشلة إذ استطاعت قوات الأمن الكوبية أن تقبض على أكثر من ألف شخص من المرتزقة خلال مدة 72 ساعة فقط..

أما «رودريغيز» فلم يقع في الأسر عند محاولة عملية نسف الجسر الفاشلة فلجأ إلى السفارة الأسبانية حيث تكفل أحد عملاء وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بإخراجه من كوبا بواسطة السفارة الفنزويلية.وبعد رجوعه الى ميامي أرسلوه بسرعة الى نيكاراغوا لمهاجمة سفينة شحن أسبانية كعملية رد على العلاقات التي تقيمها أسبانيا مع كوبا.

وتدل شهادة أدلى بها «رودريغيز» نفسه انه تلقى في شهر يونيو من عام 1967 مكالمة هاتفية من ضابط وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية قدم نفسه باسم «لاري س» اقترح عليه المشاركة في عملية تهدف للقبض على الثائر الأسطوري ارنستو تشي غيفارا الذي كان قد تأكد وجوده في بوليفيا حسب معلومات استخباراتية.

فسافر مع مرتزق كوبي آخر إلى «لاباز» العاصمة البوليفية حيث استقبلهم ضابط أميركي مكلف بالقضية. وبتاريخ 30 سبتمبر من السنة نفسها 1967 تم رصد غيفارا ومجموعته.. وعند الساعة الثالثة والنصف من بعد ظهر الثامن من أكتوبر وقع الثائر البوليفي في الأسر بعد ان انتهت الذخيرة التي كانت بحوزته هو ورفاقه أثناء المعركة..

وكان قد أصيب برصاصة في فخذه.. أخذ «رودريغيز» ينظر إلى تشي وهو موثق اليدين والساقين ويكيل له الشتائم.. ثم ارسل رسالة بالشيفرة إلى أقرب فرع لوكالة الاستخبارات الأميركية لتحويل محتواها إلى مقر القيادة في فرجينيا.. وقام المرتزق بتصوير جميع الوثائق التي كانت مع تشي غيفارا بما في ذلك اليوميات التي كان قد كتبها، صفحة إثر صفحة.

تلقى في ذلك اليوم دكتاتور بوليفيا أمراً من سفير الولايات المتحدة أندرسون بقتل تشي غيفارا، وصل الأمر بعد ذلك الى رودريغيز، كما جاء في وثائق أميركية جرى الكشف عنها أخيراً، فأمر الرقيب «جيم تيران» بتنفيذ الأمر.

وقد اعترف «رودريغيز» نفسه بذلك في مقابلة له مع مجلة «كابيو» الإسبانية في شهر ديسمبر 1998: «لقد خرجت وارسلت تيران لتنفيذ الأمر، وقلت له ان عليه أن يطلق النار عليه من تحت الرقبة، إذ ينبغي أن يبدو وكأنه قتل في المعارك».

لم يستطع تيران شد الزناد في البداية، فصرخ به رودريغيز مهدداً، فعاد ونفّذ الأمر، عندها فقط تجرأ العميل فيلكيس رودريغيز أن يقلّد ما فعله بعض العسكريين الحاضرين واطلق النار على جسد غيفارا.

ما يؤكده المؤلف هو أن رودريغيز لا يزال يعيش في ميامي بمنزل فاخر، مع سائق وسيارة مرسيدس، ومن هناك يدير شبكة عملائه مثل بقية الكوبيين الذين جندتهم الاستخبارات الأميركية، ولكل منهم قصة.

* الكتاب:إرهاب مكتب التحقيقات الفدرالي ضد كوبا

* الناشر: تيميلي - جنيف (سويسرا) 2006

* الصفحات :190 صفحة من القطع المتوسط

LAFILIERE TERRORISTE

DU FBI CONTRE CUBA

JEAN GOY ALLARD

TIMELI - GENEVE (SUISSE) 2006

p.190