مؤلفة هذا الكتاب هي الباحثة الأميركية ديبورا كنت، وكانت قد قدمت سابقاً عدة كتب عن الشخصيات الأميركية الكبرى، وهي هنا تقدم لنا «بورتريه» أو صورة شخصية وإنسانية وسياسية متكاملة عن واحد من أفضل الرؤساء الأميركيين: جيمي كارتر. ومنذ البداية تقول المؤلفة بما معناه:
إنه الرئيس التاسع والثلاثون للولايات المتحدة، وقد انتخب لمنصب الرئاسة لدورة واحدة من عام 1977 إلى عام 1981. ثم انتصر عليه رونالد ريغان عندما حاول تجديد ولايته نقول ذلك على الرغم من أن عهده شهد تحقيق عدة انتصارات فيما يخص السياسة الخارجية كتوقيع معاهدة بنما، ومعاهدة كامب دافيد بين مصر وإسرائيل، ومعاهدة «سالت» الثانية للحد من الأسلحة الذرية مع الاتحاد السوفييتي، وإقامة العلاقات الدبلوماسية مع الصين الشعبية.
ولكن كل هذه الانتصارات الخارجية لم تشفع له ولم تؤمن له النجاح عندما تصدى لريغان عام 1980، والسبب هو أن ريغان قدم نفسه كرجل قوي يريد أن يعيد لأميركا هيبتها عن طريق سحق الشيوعية والاتحاد السوفييتي، وهذا موضوع محبب وحساس جداً بالنسبة للشعب الأميركي.
وحتى في المجال الداخلي حققت حكومته بعض الانتصارات. ففي عهده تم تأسيس وزارة للطاقة، ووزارة للتربية والتعليم، وسن التشريعات الهادفة إلى حماية البيئة من التلوث، وهي التشريعات التي يرفض بوش تطبيقها حالياً ويسبب أزمة مع دول العالم المتحضر. من المعلوم أنه رفض التوقيع على معاهدة «كيوتو» في اليابان على الرغم من توقيع كل دول أوروبا عليها.
ثم تردف المؤلفة قائلة: وتكمن عظمة جيمي كارتر في أنه كرس نفسه لخدمة القضايا الإنسانية بعد خروجه من البيت الأبيض، وكان بإمكانه أن يتقاعد ويرتاح من مشاكل العالم، ولكنه وظف كل وقته وشهرته من أجل الإسهام في حل الصراعات العالمية وفي نشر فلسفة حقوق الإنسان في كل مكان.
ولهذا السبب نال جائزة نوبل للسلام عام 2002 للجهود التي بذلها في هذا المضمار ومن أجل التنمية الاقتصادية والاجتماعية أيضاً في المناطق الفقيرة من العالم وبخاصة في إفريقيا.
لكن من هو جيمي كارتر يا ترى؟ عن هذا السؤال تجيب المؤلفة قائلة: ولد كارتر في الأول من أكتوبر عام 1924 في قرية صغيرة بولاية جورجيا، وكان والداه فلاحين ينتميان إلى الكنيسة البروتستانتية كأغلبية الشعب الأميركي، وقد ربياه على المبادئ المسيحية الإنجيلية الداعية إلى المحبة والسلام، وظل وفياً لذلك حتى الآن. فقد تعلق بالمبدأ الإنجيلي القائل:
من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر. أما ريغان فكان يؤمن بالمبدأ المعاكس: من ضربك على خدك الأيمن فاضربه على الأيمن والأيسر معاً! ولهذا السبب نجح ريغان وسقط هو في الانتخابات الرئاسية لعام 1980، وكان ذلك بسبب الموقف من الثورة الإيرانية.
ثم تعود المؤلفة إلى سيرة حياته وتقول: بعد أن أصبح كارتر شاباً دخل إلى أكبر جامعة في ولاية جورجيا وتخرج منها وفي جيبه شهادة البكالوريوس في العلوم. ثم دخل إلى سلاح البحرية الأميركية بعد أن تزوج من فتاة تدعى روزالين سميث، وسوف تظل رفيقة حياته طيلة عمره.
وكان يخطط للبقاء في سلاح البحرية والترفع في المناصب حتى النهاية، ولكن موت والده عام 1953 أجبره على ترك الجيش والعودة إلى البيت لإدارة شؤون المزرعة العائلية، وهناك راح يهتم بزراعة الفول السوداني أو فستق العبيد.
ثم شاءت الصدفة أن يدخل معترك السياسة في الستينات من القرن الماضي بعد أن انتخبوه كنائب في مجلس الشيوخ الخاص بولاية جورجيا، وحقق بعدئذ نجاحاً سياسياً كبيراً عندما رشح نفسه لمنصب حاكم ولاية جورجيا ونجح في ذلك عام 1970.وبعد أن أصبح حاكماً ألقى جيمي كارتر خطاباً في الجماهير .
وقال: إن زمن التمييز العنصري ضد السود قد انتهى ولا مكانة له في الولايات المتحدة أو على الأقل في ولاية جورجيا، ومعلوم أن الولايات الجنوبية لأميركا ومنها ولاية جورجيا من أكثر الولايات تعصباً ضد السود.
وكان كارتر أول مسؤول في الجنوب الأميركي يتجرأ على تحدي العنصريين البيض بمثل هذا الشكل، وبرهن بذلك على أنه رجل دولة حقيقي لا يتوانى عن السير ضد عواطف الجماهير إذا لزم الأمر، وأثبت بذلك أن رجل السياسة إذا كانت عنده مبادئ ينبغي أن يتقدم الجماهير لا أن يلهث راكضاً خلفها. ينبغي أن تكون لدي الجرأة لمعارضة الناخبين إذا كانوا على خطأ.
لقد أثبت جيمي كارتر بذلك أنه رجل المستقبل لا رجل الماضي: أثبت أنه مع التطور التاريخي، مع حركة التاريخ التي تقول لنا بأن الشعب الأسود سوف يأخذ حقوقه يوماً ما لأنه يستحقها.
فهو ينتمي إلى جنس البشر أيضاً! وقد استمر كارتر في وظيفته كحاكم لولاية جورجيا من عام 1971 إلى عام 1975.
ثم تردف المؤلفة قائلة: وفي عام 1976 رشح جيمي كارتر نفسه لنيل موافقة الحزب الديمقراطي من أجل التقدم للانتخابات الرئاسية، ولم يكن له أي حظ آنذاك في أن يقبل ترشيحه لسبب بسيط: أنه لم يكن معروفاً كثيراً، ثم لأن الحزب الديمقراطي كان يمتلك مرشحين مشهورين وينتمون إلى الطبقة السياسية العليا في العاصمة الفيدرالية: واشنطن.
ولكن مجرد عدم انتمائه إلى هذه الطبقة السياسية التي شوهتها فضيحة ووترغيت أصبح يشكل ورقة لصالحه لا ضده. فقد كان مشهوراً بالنزاهة والصدق والاستقامة والابتعاد عن المناورات الانتهازية لرجال السياسية.
ولهذا السبب نجح في أن يصبح مرشح الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية المقبلة. ثم استطاع التغلب على منافسه الجمهوري وأصبح الرئيس التاسع والثلاثين للولايات المتحدة عام 1977.
وبعد أن انتخبوه رئيساً راح كارتر يضع مباديء حقوق الإنسان في صميم سياسته الخارجية، وأصبحت بالنسبة له شعاراً مقدساً ينبغي أن ندافع عنه في كل مكان، وكان ذلك بمثابة انعطافة كبيرة في السياسة الخارجية الأميركية وبخاصة سياسة نيكسون الواقعية إلى حد الوقاحة.
ومعلوم أن نيكسون ووزير خارجيته كيسنغر كانا من أتباع المذهب المكيافيلي في السياسة: أي لا هدف للسياسة الأميركية إلا مصالح أميركا حتى ولو تم ذلك على حساب المبادئ الإنسانية والأخلاقية العليا. فالأخلاق شيء والسياسة شيء آخر، وهكذا اتبع نيكسون السياسة اللاأخلاقية حتى سقط ضحية فضيحة ووترغيت، وذهب معه ذلك الثعلب اللعين كيسنغر.
أما كارتر فاتخذ موقفاً معاكساً تماماً، وبرهن بذلك على وفائه للمبادئ الإنجيلية والتنويرية العليا، وقد طبق كارتر هذه السياسة عن طريق قطع العلاقات مع بعض حلفاء أميركا الذين ينتهكون حقوق الإنسان من أمثال الديكتاتور سوموزا في نيكاراغوا وقدم الدعم المالي للمعارضة، الشيء الذي ساعدها على استلام الحكم عن طريق الانقلاب العسكري على الديكتاتور.
ثم واجه كارتر بعدئذ مشكلة عويصة كادت أن تودي به، بل وأودت به في نهاية المطاف. فهي السبب في فشله أمام ريغان، ونقصد بها مشكلة شاه إيران. فهذا الرجل كان من أخلص حلفاء أميركا في المنطقة منذ عام 1950، ولكن المشكلة هو أن حكمه استبدادي بوليسي.
ولذلك فان كارتر لم يتحرك لدعمه عندما اندلعت المظاهرات الشعبية العارمة ضده.وساهم بذلك في إسقاطه بشكل غير مباشر، والواقع أن كارتر كان في حيرة من أمره. فمن جهة هو يعرف أن الشاه يخدم مصالح أميركا، ولكنه من جهة أخرى كان يعتبر أن حكم الشاه فاسد واستبدادي، وبالتالي فما العمل؟
هل يعطي الأولوية لخدمة المصالح الأميركية أم لخدمة المبادئ العليا وحقوق الإنسان؟ وهكذا رجح كفة حقوق الإنسان وحق الشعب الإيراني في التخلص من الاستبداد على مصالح بلاده، وكانت النتيجة أن سقط الشاه وسقط كارتر بعده لأن اليمين الأميركي لم يغفر له هذا الضعف أمام الخميني والثورة الإيرانية.
نقول ذلك وبخاصة أن حجز الدبلوماسيين الأميركان كرهائن في سفارتهم في طهران سارع في خسارة كارتر لشعبيته وانتصار ريغان عليه وهكذا ذهب الرجل ضحية مبادئه.
*الكتاب: جيمي كارتر: الرئيس التاسع والثلاثون للولايات المتحدة
* الناشر: تشيلدرينز برس - نيويورك 2006
* الصفحات : 110 صفحات من القطع الكبير
Jimmy Carter
America USA 39 th President
Deborah Kent
Childrens Press
New york 2006
P.11

