باسكال بونيفاس هو مؤسس ومدير مركز الأبحاث الدولية والاستراتيجية في باريس، وهو أحد مستشاري الأمين العام للأمم المتحدة لميادين نزع التسلح في العالم.. سبق لباسكال بونيفاس وقدم ما يزيد على أربعين كتاباً من بينها كتاب «هل يمكن انتقاد إسرائيل» الذي أثار ضجة كبيرة وقدمته «البيان» في أحد أعدادها السابقة.. معظم كتبه تعنى في الاستراتيجيات.

هذا الكتاب «كرة القدم والعولمة» ليس كتابه الأول في حقل كرة القدم، بل هو الثالث بعد «جيوستراتيجية كرة القدم» و «العالم مستدير مثل كرة القدم» ان المؤلف والباحث الاستراتيجي الشهير دوليا هو أحد المولعين بهذه اللعبة الشعبية بل انه مشرف على فريق للناشئين أولاده في عداد أعضائه..وتعتمد أكثر من قناة تلفزيونية فرنسية عليه كأحد معلقيها «الاستراتيجيين» على مباريات كأس العالم لكرة القدم التي تدور حاليا في ألمانيا.

هذا الكتاب ليس «خفيفا» كما يمكن أن يتبادر للذهن.. وإنما هو في منتهى الجدية اذ يبين المؤلف كيف غزت كرة القدم العالم كله «دون حروب» و«حملات عسكرية» وحيث إن «الشمس لم تعد تغيب عن إمبراطوريتها» وبهذا المعنى أصبحت رمزاً للعولمة.

هذا مع فارق نوعي وكبير وهو أنه إذا كانت العولمة الليبرالية السائدة ترمي إلى حل الهويات الوطنية والقومية، فإن كرة القدم هي على العكس، عامل «لحمة» و«اسمنت» لهذه الهويات.. ذلك أن مواطني كل بلد من بلدان العالم يلتفون كصوت واحد حول فريقهم الوطني باعتباره يحمل «علم» البلاد إلى مختلف أرجاء المعمورة.

تتوزع مواد هذا الكتاب بين ستة فصول تحمل العناوين التالية: «كرة القدم، المستوى الأعلى للعولمة» وأبطال الفكرة الوطنية» و«بطولة كأس العالم وليس حرباً عالمية» و«هل كرة القدم هي أفيون جديد للشعوب؟» و«من هو الحاكم في عالم كرة القدم؟» وأخيراً: «كرة القدم والعنصرية: المناديل والدموع».

يبدأ المؤلف تعليقاته على بطولة العالم لكرة القدم في ألمانيا بالقول: يوم 9 يونيو 2006، سيصبح عمري عشر سنوات. ذلك أن عمر الإنسان يكون دائماً عشر سنوات عندما يكون مولعاً بكرة القدم مع بداية المنافسات الكبرى» هكذا إذن يبقى الإنسان «فتى» أمام حبه للكرة المستديرة.

ويفتح المؤلف قوسين ليشير إلى انه عبر اهتمامه بالمظاهر الجيوستراتيجية لكرة القدم اكتشف أن الباحثين في حقل الاستراتيجيات من أكاديميين وأساتذة جامعات وغيرهم هم أكثر انغلاقاً من الرياضيين الذين يتمتع بعضهم بانفتاح ذهني كبير».

لا توجد في عالم اليوم أية ظاهرة أكثر اتساعاً وشمولاً من كرة القدم «إنها الإمبراطورية الشعبية الوحيدة» يقول بونيفاس ويضيف: «إنها الإمبراطورية الوحيدة التي تتطلب الشعوب بحماس أن تكون مستعمرة لها، وتناضل كي تكون أفضل تلامذتها»، ثم يشير إلى أن الإمبراطورية الرومانية قد قامت في حوض البحر الأبيض المتوسط بشكل أساسي، والعثمانية على جزء من آسيا وأوروبا والمنغولية حول آسيا الوسطى.

أما الإمبراطورية السياسية والعسكرية الشاملة الأولى، أي على مستوى العالم كله، فإن الولايات المتحدة هي التي تديرها اليوم. إنها تسيطر على العالم كما لم تفعل أية قوة أخرى من قبل ،لكن إمبراطورية «الكرة المستديرة» تتفوق عليها باعتبارها «أكثر كونية».. وقد وصلت إلى مثل هذا التفوق بواسطة قوة الجذب الرياضي وليس بقوة السلاح.

وإذا كان الانجليز الذين هم وراء تصدير هذه اللعبة إلى العالم، قد حققوا بذلك نجاحاً كبيراً لـ «موديلهم» الرياضي فإنه «ربما كان على جورج دبليو بوش ومن دون شك توني بلير أيضاً، أن يستلهما من نموذج كرة القدم والنجاح الرائع لتوسعه الدولي قبل أن ينطلقا في حرب مدمرة من أجل إشاعة الديمقراطية في العراق».

وإذا كان جورج دبليو بوش وبابا الفاتيكان والدالاي لاما ومادونا معروفون دون شك على مستوى العالم، ويحظون باختلاف الآراء حيالهم، فإن زيدان وبيكهام ورونالدينو أكثر شهرة وأكثر شعبية، فمن أين تأتي شعبية كرة القدم؟

الإجابة المقدمة تقول ان سر شعبيتها يكمن في عدة عوامل من أهمها «بساطتها» إذ لا تتطلب تجهيزات كبيرة وخاصة، وهي تعتمد على الذكاء والموهبة وليس على المعايير «البدنية» مثل عالم الأزياء مثلاً، اذ عرف الشهرة لاعبون مثل دييغو مارادونا (164 سنتمترا) وجان كولر (02 ,2 متر)..

ولم يتم ابدا اعتبار ادسون ارانتس دي ناسيمونتو (الشهير ببيليه، الجوهرة السوداء) انه يمتلك قوة بدنية استثنائية، وميشيل بلاتيني كان قد أقصي عن فريق مدينة سيتنر الفرنسية بسبب «عدم لياقته البدنية».. أي ان كل لاعب امامه حظ التمثيل في الفريق الوطني.. وهناك ايضا روح الفريق الجماعي.. أي التوفيق بين «حق كل انسان والواجب نحو الجميع».

ثم كان «الزواج الناجح» بين كرة القدم والتلفزيون وكانت مباريات كأس العالم الأولى التي نقلها التلفزيون هي تلك التي شهدتها سويسرا عام 1954. لكن لم يتم التمكن من نقل مباريات 1962 في البرازيل مباشرة.

واعتباراً من عام 1970 تعممت عملية النقل التلفزيوني ووصل عدد الذين شاهدوا مباريات كأس العالم لعام 1998 ما مجموعه أكثر من 2 مليار مشاهد فهل هناك أي مظهر آخر أقوى للعولمة؟!

واذا كان التعريف الكلاسيكي للدولة هي أنها تقوم على ثلاثة أركان اساسية هي وجود أرض وسكان وحكومة.. فإن باسكال بونيفاس يضيف لها ركنا رابعا هو «امتلاك فريق وطني لكرة القدم» ذلك ان كرة القدم تمثل دليلا جلياً على الهوية الوطنية..

وينقل بهذا الصدد عن المؤرخ البريطاني الشهير اريك هوبسباوم قوله: «ما يجعل من الرياضة وسيلة فريدة لتشرب المشاعر الوطنية هو السهولة التي يمكن فيها للأفراد حتى الأقل اهتماماً بالسياسة وجود أنفسهم في الأمة التي يتم الرمز لها بما يفعله شباب متفوقون فيما يقومون به وما يتمنى كل إنسان أن يفعله ولو مرة واحدة في حياته».

وكانت منظمة التحرير الفلسطينية قد أسست عام 1964 فريقها لكرة القدم. ويؤكد باسكال بونيفاس القول انه «بعد الانتفاضة منعت السلطات الإسرائيلية مباريات كرة القدم كي لا يتم استخدام هذه الرياضة كحافز لتأكيد التوجه الوطني الفلسطيني».

ثم يشير إلى أنه في عام 1995 جرت مباراة بين منتخب فلسطيني وفريق من لاعبين فرنسيين متنوعين، من بينهم ميشيل بلاتيني، وقد اعتبر الفلسطينيون ذلك بمثابة خطوة إضافية على الطريق الطويل جداً الذي يأملون أن يؤدي بهم إلى الاستقلال.

وفي عام 1998 انتسبت فلسطين إلى الفدرالية الدولية لكرة القدم التي قدمت مساعدة للفدرالية الفلسطينية بمبلغ 5 ,6 ملايين فرنك فرنسي، أي ما يعادل مرتب شهرين لأحد اللاعبين في فريق أوروبي لكرة القدم واللاعبون الفلسطينيون هم أبناء الانتفاضة كما يشير بونيفاس، وينقل عن الصحيفة الفرنسية لكرة القدم «فرانس فوتبول» ما نشرته بتاريخ 6 مارس 2001 وجاء فيه:

«لقد كبروا ـ اللاعبون الفلسطينيون ـ في قلب المجابهات بين الشباب والجنود الإسرائيليين كل يوم تقريباً، وفي فترة كان مجرد رفع أية شارة وطنية عقوبته السجن».

وكرة القدم هي أيضاً وسيلة رائعة لتعزيز الصداقة بين الشعوب، إنها أداة سلمية للتقارب. الرياضة إذن وليس الحرب، وهنا يشير المؤلف إلى الرابطة القديمة بين الممارستين، إذ كانت الحرب تتوقف أثناء الألعاب الأولمبية القديمة، كانت «هدنة أولمبية» لكن هذا لا يمنع واقع أن إحياء تلك الألعاب الأولمبية حديثاً قد جاء لتكريس مفهوم التفوق هكذا نقرأ في الصحف الألمانية لعام 1913 ما نصه:

«إن الفكرة الأولمبية للحقبة الحديثة ترمز إلى حرب عالمية لا تبدي وجهها العسكري بصراحة لكنها تعطي لأولئك الذين يعرفون قراءة الإحصاءات الرياضية لمحة كافية عن تراتبية الأمم». مع ذلك هي أفضل من الحرب الحقيقية.ولا شك أن المباريات بين خصوم الأمس، المستعمر (بكسر الميم) والمستعمر (بفتحها) تبقى ذات طعم خاص للاعبين.

وينقل بونيفاس في هذا السياق ما كان قد قاله اللاعب الأرجنتيني الكبير دييغو مارادونا عن الهدف الذي سجله بيده في مباراة الأرجنتين ـ إنجلترا لكأس العالم في المكسيك عام 1986 كانت إنجلترا والأرجنتين قد خاضتا حرباً عام 1982 من أجل السيادة على جزر مالوين، الفولكلاند قبل أن يسجل هدفاً ثانياً راوغ قبل تسجيله ستة لاعبين، قال مارادونا:

أحب هذا الهدف ـ الأول ـ مثل الثاني على الأقل، وأحياناً أفضله عليه، لقد كان بمثابة نشل محفظة من جيب إنجليزي.

* الكتاب: كرة القدم والعولمة

* الناشر: ارمان كولان ـ باريس 2006

*الصفحات: 175 صفحة من القطع المتوسط

FOOTBALLET & MONDIALISATION

PASCAL BONIFACE

ARMAND COLIN - PARIS 2006

P. 175